الرئيسية / احدث التدوينات / بُنية العقل الحديث: من اليمين إلى اليسار

بُنية العقل الحديث: من اليمين إلى اليسار

unnamed

ثمة صعوبة بطبيعة الحال، للقول أنه يوجد ما يُمكن تسميته بُنية مكّونة للعقل الحديث، ولأنه لا يُمكن إيضاح كافّة الأفكار والآراء، ذات خصوصية الجذور الثقافيّة، لكن وما دامت أزمةُ التحُّول الحضاريّ، بحاجة لصياغة ماهية العقل والسلوك، وما نعنيه من نقائصَ ونواقض فكرية، ولأن هذه الصياغة لتعميم محكّم، تتطلبُ يقيناً قطعياً، فكل ما يمكن تقديمهُ هو عرض لمعلومات وإرهاصات للنظريات الفكرية التي ساهمت في تكوين بنية العقل الحديث.

فمنذ إرهاصات التنوير كان القِطاع الخلاق من الصفوة العارِفة، غير قانع بالعالم، قلقاً من أجل إصلاحه، وهو الأقدرُ من مناحٍ عدة على -تمثيل الإنسان العاقلHomo sapiens- ولأن العقل الحديث نشأ مؤمناً بفكرة الدولة التي تدير التقدم المادي، (المدينة الفاضلة) لكن تلك المكتظة بالآلات التي تنتج السلع، وتوزع الثروة -وفقاً للمنظر الأمريكي ادوارد بيلامي في كتابه «نظرة إلى الوراء» 1889- ثم تحديد الأسعار والمعايير وفقا للمنافسة الحرة، الخاضعة للعرض والطلب، وأن يكون واجب الحكومة هو دعم التعاقدات، لتحقيق أقصى قدر من العدالة الاجتماعية، لكن لم تتردد الدولة في خلق الترستات، والاحتكار الواحد،عبر تنظيم قانونيّ لرجال الأعمال يُجبرهم على الخضوع للتجارة المقيدة، لا الحُرة، وبالتالي لن يتوانى العمال عن إظهار السخط، في محاولة لانتهاك قانون العرض والطلب، في مجال الأيدي العاملة، وأقبلوا على تنظيم أنفسهم في نقابات، والذي يعني حقيقةً، أنهم حاولوا تحسين أوضاعهم، وانه كانت ثمة حاجة للقوة، وإلى نوع من الإيمان بالتوازن الاجتماعي الذي يكبح النزعة الفردية، التي اسماها منظرو المدرسة المثالية ب“النزعة الذرية” والتي استُهدفتْ بمبدأ حقوق الإنسان، الذي ضمن حرية التعبير، وتكوين المشروعات والاتحادات، وحرية التملك، وثمة ما يُمكن تسميته الحد الأدنى لمستوى المعيشة، والذي لا يتسق مع التحديد الذي عرضه جون ستيورات مل في كتابه «عن الحرية» 1859، الذي أبدى فقدانهُ الثقة بالمدرسة المثالية، حين قال:“كلما هممتُ بقراءة هيغلْ،انتابني شعور خفيف بالغثيان“.

مع ذلك عادلَ التأكيد على الحرية،التأكيد على السلطة، ووُضع الفرد تحت ناموس صارم للسلوك، ليتمرسّ منذ نعومة أظفاره، على الامتثال للأنظمة، ليُكّون ما نسميه، الإيمان بالحرية دون الإباحة، والفرق على حد تعبير برينتونْ،فرقٌ أخلاقي: فالمرء حُر في فعل الصواب، لكن الإباحة تعني الحرية فيفعل الخطأ، وهو ما يتعين لجمه، بناموسٍ أخلاقي.

نستطيع أن نُلاحظ أن التنوير تشعب وانقسم سياسياً، لما يُمكن الدلالة عليه بـ“موقف بنتام”: الذي يُؤمِن بإمكانية أن تتولى أقلية عارفة الحكم، ويؤمن في الوقت ذاته بقدرة الجماهير على انتخاب الحكام عبر الاقتراع العام، فقد آمن بمبدأ: (الحرية المقيدة للجميع!) والذي يعني المنافسة، والمساواة، بمعنى تكافؤ الفُرص، التي تهيئ للجميع بداية عادلة، وليست المساواة التي تئِد الفُرص،ولإقامة ما نعرفه بالديمقراطية السويّة،التي تميل باتجاه الحرية.

كان روسو في عام 1763 قد كتبَ كتابه الشهير «العقدُ الاجتماعي» الذي أراد من خلاله أن يُعالج الإذعان السياسي، فيرى روسو أن الإنسان استبدلَ حالة الطبيعة بالحضارة، فيقول:“ولد الإنسان حراً، ولكنا نراه مكبلاً بالأغلال في كل مكان“ وهو ما اسماه فيما بعد، “طاعة الإرادة العامة“والتي خلقها العقد الاجتماعي، على نمط هوبز، غير أن هذا التعاقد لا يحّول الحكومة إلى ملكية مطلقة، على نحو ما أراد هوبز، بل فصل السلطات الحاكمة بالوكالة، وهنا علينا التفرقة الاصطلاحية بين (الإرادة العامة) و(إرادة الكل) والتي يعتبرها روسو، الجمع الآلي لإرادات الأفراد الأنانية غير المستنيرة، والتي تقوم على آراء خاطئة.

قد يبدر أمراً محيراً ومُغرقاً في الفلسفة،غير أن ما يُمكن تبينه هنا، هو أن ما يقصده أننا نتخلى عن الحرية الطبيعية، للحصول بالمقابل على حرية الإذعان للإرادة العامة، والعكس هو العبودية للفردية الأنانية، كما يقول:“كل من يرفض الإذعان للإرادة العامة، وجب إجباره قسراً عن طريق مجموع أقرانه من المواطنين، فربما يكون ضرورياً إكراه شخص ما على أن يكون حراً”.

هناك دائماً التوتر الديمقراطي بين المُثل العليا للحرية والمساواة، والذي يُمكن عرضه من اليمين إلى اليسار، كوسيلة تقريبية، لتمثيل الإصلاحيين، وأولئك الذين ينشدون التغيّر الثّوري.

فمثلاً لا يُمكَّن إغفال جوزيف دي ميستر،الرجعي، الذي قدم نفسه كواحد من أشد خصوم الديمقراطية عناداً، وابتعاداً عن الواقع، حين كتب كتابه «عن البابا» والذي دافعَ فيه عن السُلطة الباباوية، ووصفها بالعِصمّة، وهاجمَ البروتستانتية، والذي نُفيّ بعد الثورة الفرنسيّة، والذي لا يُعد نموذجاً شاذاً لنُقاد الديمقراطية والثورة، فعلى سبيل المثال، الناقد الايرلندي إدموند بيرك، وهو أقدر المفكرين نقداً للمعتقدات الأساسية للتنوير والديمقراطية، الذي عرضه في كتابه الشهير «تأملات الثورة في فرنسا» 1790 والذي قاد حملة فكرية ضد الثورة الفرنسية، أدخلته في خِضم مواجهات عنيفة مع التقدميين، والتي قُدمت في أهم كُتب توم بين «حقوق الإنسان».

رأى بيرك أن الثورة الفرنسية ليست سوى طراز مثالي لأولئك الحالمين بالتنوير، مع ذلك لم يقدم النوع الرجعي من المقاربات، بل دعا إلى الإصلاح المحافظ، وأعترف بأن النظام القديم بحاجة لإصلاح، وأن إزالة البناء السياسي القديم، يعني أن نُقّيم في العراء، بينما نبني الدولة، ولأن الحالمين بالتنوير لن يستطيعوا بناءها، فإنها ستُحال إلى رجل الدولة، وهو ما حدث، بمجيء نابليون بونابرت إلى السلطة عام 1799 لإقامة الدولة الضرورية، حتى إذا اقتضى الاستبداد والديكتاتورية، نستطيع القول أن بيرك قدم نموذجاً يمينيا محافظا، فقد صاغ اعتراضاته العقلانية بمواجهة التنوير.

بجانبهما وقف خط يميني شموليّ مُعاد للديمقراطية، فالقومية الشمولية زاوجت بين الاستبداد الديني والنزعة العرقية،وهو التأكيد على سلطة الحاكم، وعلى عصبة الحزب التي تحيط به، الذي قدمه توماس كارلايل، الكاتب السلطوي بالحق الإلهي للسلطان، في كتابه «عبادة البطل»والذي دعا إلى أن يتولى السلطة، الضباط،أصحاب القوى القاهِرة، والذي نجده متأثراً بآراء هنري مين، الكاتب الإنجليزي،ونيومان زعيم المحافظين.

دون أن نُغفل أن ألمانيا، قدمت في نهاية القرن التاسع عشر، واحدا من أشد أعداء الديمقراطية، والمؤسس الحقيقي للأيديولوجيا المتطورة للنازية، فريدريش نيتشه، الفيلسوف الجنوني، والعقلاني الخالص، والذي يكمن في أعماقه المفكر الأخلاقي، الذي لم يسعه تحمل قبح وهراء البرجوازية الصاعدة للأسرة الحاكمة، إن نيتشه بعد كل شيء، مفكر مثالي إذا ما تمت مناقشة العقل الحديث، وأحد أهم المساهمين بتكوينه، بقدرته على وصف الحالة، وضيقه من قطيع البشر حوله، وفزعه الإنساني من قبح وتغّول الآلة، واستبداد الحاكم، ورجال الدين، على المجتمع، تظل دعاوى السوبرمان، والعنف النبيل، والمستبد المستنير، وهجومه اللاذع والعنيف للأسلوب الديمقراطي، الحقيقة الأكثر وضوحاً، إذ يقول:“الديمقراطية، في كل العصور، هي الصيغة، التي أبادت في ظلها القوة المنظمة، الليبرالية أو تحويل البشر إلى قطيع، الديمقراطية هي الصيغة النهائية لانهيار الدولة .. إن المُساواة بين الأرواح أمام الرب، هذه الكذبة، وهذا الستارُ لإخفاء أصحاب الفكر العامي المنحط، هذا الوعاء الفوضوي للفكرة، الذي أصبح الثورة الأخيرة، والفكرة الحديثة، للنظام الاجتماعي، أنه ديناميت مسيحي“. والحقيقة أيضاً انه قدم في مجمل كتاباته تصوراً للنزعة الشمولية اليمينية قبل أن تصبح واقعاً، في رأس السُلطة، فيقول:”عليك أن تُحب السلام كوسيلة لحروب جديدة، والسلام لفترة اقصر، أحب إليك من السلام الطويل، إن الحرب والقوة، حققتا أموراً أكثر مما حققت المحبة الإنسانية، ومن ثم فإن قوتك لا عواطفك، هي التي أنقذت الضحايا“.

مع ذلك إنني أدعّي دون ريب، أنه لو كان لنيتشه أن يعاصر هتلر، ومن هم على شاكلته، لوجدهم أشد إثارة للكراهية والتقزز.

لكن بالمقابل إذا ما تحدثنا عن تكوين الحركات اليسارية، وخاصة الجمهورية خلال الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، الاشتراكية، الشيوعية،والديمقراطية الاجتماعية فيما بعد،عندما تم تطبيق مصطلح الجناح اليساري على مجموعة واسعة من الحركات،المهتمة بالحقوق المدنية وقضايا المرأة والطفل والبيئة ومناهضة الحروب، ووفقا للكاتب باري كلارك، يزعمُ [اليساريون] أن التنمية البشرية تزدهر عندما ينخرط الأفراد في علاقات تعاونية محترمة ومتبادلة، ولا يمكن أن تزدهر، إلا عندما يتم القضاء على الاختلافات المفرطة في الوضع الطبقي والقوة والثروة. إذ كان الجناح اليساري الفرنسي مناهضاً للأفكار الدينية، حيث عارض تأثير الكنيسة الكاثوليكية، ودعم الفصل بين الكنيسة والدولة، كما أكد كارل ماركس:“الدين أفيون الشعب“.

في روسيا السوفيّتية، تبنى البلاشفة في الأصل عقيدتها الإيديولوجية، عازمة على القضاء على المسيحية في حد ذاتها، ما يجب معرفته، أن الذين يساندون اليسار، يدعمون العلمانية وفصل الكنيسة عن الدولة.

ومع ذلك، فقد ارتبطت المعتقدات الدينية ببعض الحركات اليسارية، كالحقوق المدنية، ومناهضة عقوبة الإعدام، قام المفكرون الاشتراكيون الأوائل مثل روبرت أوين، تشارلز فورييةْ، وكونت دوسان سيمون، على أساس نظريات الاشتراكية المسيحية، من سانت أوغسطين إلى يوتوبيا سانت توماس.

كانت مسألة القومية سمّة أساسية للمناقشات السياسية لليسار، خلال الثورة الفرنسية، دعا اليسار للقومية المدنية، وجادل بأن الأمة تعني الرغبة في العيش معا، في بعض الأحيان كانت القومية تعارض الإمبريالية.

كان هناك جدل بين الراديكالي جورج كليمنصو، والاشتراكي جان جوريسْ، والقومي موريس باريز، حول اللوبي الاستعماري، بعد قضية دريفوس،أصبحت القومية مرتبطةً بشكل متزايد مع اليمين المتطرف.

تؤكد نظرية الطبقة الاجتماعية الماركسية على الأممية وتلخص في شعار:«العمال من جميع البلدان، توحدوا!»

[السطر الأخير من البيان الشيوعي].

لقد تعلم أعضاء النقابة، أن المزيد من الأعضاء، يعني المزيد من القدرة على المساومة، على المستوى الدولي، جادل اليساريون بأن على العمال أن يتضامنوا من أجل زيادة قوة الطبقة العاملة.

لقد اعتبرت الأممية نفسها رادعاً للحرب،لأن الناس الذين لديهم مصلحة مشتركة، أقل احتمالاً لأن يحملوا السلاح ضد بعضهم بعضاً، بدلاً من التركيز على محاربة الطبقة الحاكمة، فعلى اليسار، أن ينظر إلى القومية والعنصرية والدين كتكتيك للانقسام والتغلغل الذي تستخدمه الطبقات الحاكمة لمنع الطبقة العاملة من التوحد.

ولهذا فإن الحركات اليسارية قد اتخذت مواقف مناهضة للإمبريالية.

لقد طورت الأناركية نقداً قومياً، يُركز على دور القومية في تبرير وتقوية سلطة الدولة وهيمنتها.

جادلَ ستالينْ بأن الثورة في بلد ما غير كافية، ولكن بحلول نهاية ذلك العام في الطبعة الثانية من كتابه، الأسس اللينينية، قال إن ”البروليتاريا يمكنها بناء المجتمع الاشتراكي في بلد واحد“. فينيسان 1925 شرح نيكولاي بوخارينْ هذه المسألة في كتيبه:

هل نستطيع بناء الاشتراكية في بلد واحد في غياب انتصار البروليتاريا الغربية – الأوروبية؟” الذي تم تبني موقفه كسياسة للدولة، بعد مقالة ستالينْ في يناير 1926 حول القضايا اللينينية (К вопросам ленинизма).

عارض هذه الفكرة ليون تروتسكي وأتباعه الذين أعلنوا الحاجة إلى ثورة دولية دائمة، بينما دعمت الصين الماوية الاشتراكية في بلد واحد، أخيراً من الجدير بالإشارة أن العديد من حركات مكافحة الاستعمار في العالم العربي والثالث، تبنت أفكار الجناح اليساري والاشتراكي.

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق