الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: العطّار ، الشاعر الصوفيّ و معلم الرومي

ترجمات خاصة: العطّار ، الشاعر الصوفيّ و معلم الرومي

wolpe-conference-birds-cover
لقراءة الموضوع الأصلي(هنا)

تخرجُ إلينا الشاعرة الإيرانية شولي وولبي بترجمة باللغة الإنجليزية للعمل الصوفيّ البديع “منطقُ الطير” للشيخ الصوفيّ الجليل فريد الدين العطّار . و فيها تدعو شولي القُرّاء لمصاحبة العطّار في رحلته نحو الملك الإلهي المُطلق في منظومة شعرية روحانية لا تخلو عمق معانيها من حسٍّ مرهفٍ في تقديم المزحة أو الرثاء. فهو نصٌّ مُفعمٌ بالرمزية يدهش القارئ بخيال ترسمه كلماتٌ شعرية بالغة الحكمة .

و في لمحة تاريخية عن بلاد فارس حيث نشأ العطّار وعن تأثير الأحداث آنذاك على حركة التنوير الفلسفية، نرجع إلى عام ثلاثة و سبعين بعد الستمائة عندما غزا المسلمون أرض فارس (إيران الآن) حيث أنهى هذا الاجتياح الإسلامي الإمبراطورية الفارسية الساسانية ، و الذي أدى بدوره إلى انحدار الديانة الزرادشتية في البلاد . و على الرغم من اعتناق أكثر الفرس الديانة الإسلامية ، إلا أن الكثير من جوانب و مظاهر حضارتهم الغابرة اندمج في المجتمع الإسلامي حديث النشأة .

و خلال القرون التالية أثّرت العلاقة المتذبذبة بين المفكرين و أصحاب العقيدة الدينية المُتزمّتة بعمقٍ في تطور الأدب الفارسي ولا سيما الشعريّ منه . فمتى تأثر الملوك و الحاكمين بالقادة الدينيين ، يُظلِم لذلك مجال الفكر و حرية الأفكار و تصاب الفلسفة و الشعر بالوهن . و على العكس من ذلك ، كانت حركة التنوير نتيجة حتمية عندما وُطّدت العلاقة بين ذوي الحكم و الفلاسفة و الشعراء .

وُلد الشيخ فريد الدين العطّار (1220-1154) في نيسابور و هي مدينة تقع في الشمال الشرقي من بلاد فارس . أما عن حياته ، فتندر المعلومات المؤكدة عنه و تكثرُ الأساطير حوله . إلا أن الثابت عنه أنه امتهن الصيدلة و مارس الطبابة على عدد كبير من المرضى . كما تضاربت الأخبار عن بداياته في طريق التصوف و اختُلقت الأخرى . فيعتقد البعض أنه نشأ نشأةً صوفية ، و يرى آخرون أن السبب وراء نزوعه نحو التصوف أنه اضطرب كثيرًا بسبب قصص مرضاه المُقلقة مما أدى إلى تركه مهنته و بداية ترحاله في البلاد باحثًا عن الحكمة عند أولياء الصوفية فجاب لذلك الهند ، تركستان ، مكة ، الكوفة ، و دمشق . و تُروى قصة دراميّة عن سبب اعتناقه الصوفية ، و هي إذ كان العطار في دكانه عندما أقبل عليه درويش وبعد حديث دار بينهما ، قال له الدرويش : هل يمكنك أن تموت كما أموت ؟ فقال له العطّار : و لم لا ؟ ، فأمال الدرويش رأسه نحو صدره و قال : الله ، ففاضت روحه في الحال . تحوّل حالُ العطّار لما رأى من قوة و تقوى في هذا الرجل ، فأغلق دكانه و ارتحل باحثًا عن أهل الطريقة .

أما الصوفية فهي فلسفة روحانية يتشارك فيها الخلائقُ جميعًا في قدرتهم على التحليق في سماوات الصوفية و تذوّق نشوتها و إن اختلفوا في إيمانهم أو في الدين الذي يتّبعوه . و جوهر الفكر الصوفي هو أن الروح حبيسة الجسد تتوقُ إلى تحريرها ، فإذا تحقق ذلك بممات الجسد تتحد مجددًا مع خالقها . لكن عن طريق التجربة الصوفية المليئة بالنقاء والتأمل يتحقق هذا الاتحاد و الفناء في الخالق و إن ظلّت الروح مقيّدة بالجسد.

و من ضمن الروايات التي تناقلها الناس عن العطّار ، أنه التقى بالشاعر الصوفي الرفيع جلال الدين الرومي في صغره مع أسرته أثناء رحلتهم إلى أرض المغول . حيث يُقال أن فريد الدين العطّار حمل جلال الدين الرومي بين يديه و هدهده و تنبّأ بعظم شأنه في المستقبل ، و هو ما تحقق بالفعل حيث أصبح الرومي شاعرًا صوفيًا عظيمًا و صار له الكثير من المحبين و التابعين المخلصين . و دائمًا كان يذكُر جلال الدين الرومي أن معلمه هو العطّار حيث تأثرت كتاباته بحكمة معلمه و كان ذلك جليّ الأثر في أعمال الرومي حيث كتب :

طاف العطّار بمدن العشق السبع

وأنا مازلت بمنعطف جادّة واحدة

و كما تضاربت الأخبار عن حياة العطّار و سادها الغموض ، اتصلت الخرافات بقصة وفاته ، فيُقال أن مماته كان عنيفًا في مجزرة قام بها جانكيز خان و الجيش المغولي عام 1221 و كان في عقده السبعين . يحمل أربعون عملًا اسم فريد الدين العطّار ، منهم قرابة سبعة أو تسعة أعمال ثبُتت نسبتهم إليه . تتضمن تلك الأعمال “منطقُ الطير” الذي انتهى منه عام 1187 و هو في سن الأربعين . و منطق الطير هو نظم شعريٌّ ملحميٌّ رمزيٌّ مُطوّل يتكون من أربعة ألاف و سبعمائة و أربعة و عشرون بيتًا متضمنًا مقدمة و خاتمة العمل . و كُتب “منطقُ الطير” بطريقة “المثنوي” و هو نوع من الشعر أقرضه الفرس يُكتب فيه شطريّ البيت الواحد بقافية واحدة .

تبدأ القصة بأن تجتمع الطيور للبحث عن ملك لهم ، يقترح عليهم أحكمهم وهو الهدهد أن يشرعوا في رحلة البحث عن السيمرغ الذي يقطن جبل “ق” ذلك الجبل المحيط بالأرض إن أرادوا أن ينهلوا من نور المعرفة و الحكمة . تختار الطيور الهُدهد ليكون رئيسًا لهم و مُرشدًا ، و لكن يتقدم كل طائر بعذر يمنعه من المشاركة في الرحلة . فيخاطبهم الهدهد بحكمة في حيرتهم و تذمرهم ، و يواجههم بمخاوفهم ، و يرد على تساؤلاتهم و حيلهم الزائفة . و هاهنا مثال يعرض فيه الهدهد حكاية رمزية عن متصيدي الأخطاء :

غشاوةُ العشق

كان هناك رجل شجاع القلب شديد البأس عشق امرأة طوال خمس سنوات ، وكانت على عين تلك المرأة الفاتنة الشبيهة بالصنم غشاوة بيضاء ، ومع أن الرجل كان يكثر النظر إليها، إلا أنه لم يرَ تلك الغشاوة على عينها، إذ كيف يتأتى للعاشق ، إذا كان ولهاً في عشقه، أن يدرك عيب معشوقه؟ وبعد فترة ، أصاب الرجل في عشقه الفتور، ووجد الدواء ، وضعف عشق تلك المرأة في قلبه ، وهان أمرها على نفسه ، عندها بان للرجل عيب عين المعشوقة ، قال لها : متى أصابتك هذه الغشاوة ؟ قالت له : في تلك الساعة التي قلّ فيها عشقك ، أصاب العيب عيني في التو والحال ، وما أن أصاب النقصان عشقك ، حتى بدا العيب في عيني ، ولقد فعلت ذلك لَمَّا سيطر على قلبك الاضطراب ، فلتنظر إلى عيب واحد لك يا أعمى القلب ! ما أكثر ما بحثت عن عيوب الآخرين ، فلتبحث ذات مرة عن عيوبك أولًا، وما دام عيبك عليك ثقيلاً ، فليس لك أن تهتم بعيوب الآخرين .

يقطعُ الطيور الطريق صوب السيمرغ العظيم ، لكن يهلك معظمهم أثناء الرحلة إليه و ينجح ثلاثون منهم فقط في الوصول إلى حضرته . بعد استقبالهم و هم نافضين عنهم الذّات و غرورها ، تكتشف الطيور أنهم هم السيمرغ أنفسهم – تعني السيمرغ بالفارسية ثلاثون (سي) طائر (مرغ)- و في نهاية الرحلة يدركون أن ملكهم مثل الشمس عندما تنعكس على مرآة ، فإذا نظروا إلى تلك المرآة انعكست هي عليهم .

و مثل طيور هذه القصة ، قد نرتحل معًا لكن لكلٍّ منا رحلته المختلفة عن الآخر. يخبرنا العطّار أن الحقيقة لا يمكن أن تكون أُحادية جامدة . فكل فرد منا يخطو في طريقه نحوها فتنكشف له الحقيقة على مقدار تحمله مشاق الطريق . أما حبيسو معتقداتهم المتشبثون بمذهب و إيمان صارم يُحرمون من الرحلة ومن لذة الوصول و الفناء في الله الذي يطلق عليه العطّار البحر العظيم . يُعدُّ “منطقُ الطير” عمل شديد الروحانية و الرمزية منظوم في قالب قصصيّ ماتع ، و هي خاصية يجب أن تنعكس عند إعادة كتابته بلغة أخرى . لذلك كان من الضروري الحفاظ على عنصر الإمتاع في نصٍّ شعريٍّ رفيع يسهل قراءته . تقول شولي وولبي أنها تجنبت الصرامة الأكاديمية فيما يخُص النّظم الشعريّ أثناء عملها في ترجمة دُرّة تاج فريد الدين العطّار إلى اللغة الإنجليزية ليظل نصّ فريد منذ أول ظهوره إلى الآن . فقد تطلّب العمل عند ترجمته إلى تقديم و تأخير بعض الأبيات مع الحفاظ على اتساق القصص و ترابطها بحيث تدور جميعها في فلك فكرة العمل الرئيسية . و لذلك أُعيدت صياغته في صورة نثر شعريّ تنطق فيه الطيور و العطّار بلسانٍ شعريّ عصريّ .

When the heart busies itself with trivial nothings,

nothing will come but boredom and redundancy

Abandon your ego, cast off your vanity.

How long do you think your life’s ocean will surge?

Give in, relinquish your soul;

then hush, be at peace .

وقتما تملّك الغثُّ من القلب

لا يتأتى سوى التكرار و الضجر

أترك ذاتك و انفض عنك غرورك

إلى متى تمدك الحياة بشاطئ نجاة جديد ؟

دع عنك نفسك

و امسك عليك لسانك ، تنعم بالسلام

ــــــــــ

wolpe-photo-bybonnieperkinson

وُلدت شولي وولبي في إيران ، وتُقيم الآن بين ترينيداد بالمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية . حاصلة على عدة جوائز ، منها جائزة “القلم” عام 2014 ، جائزة الغرب الأوسط للكتاب عام 2013 ، و جائزة لويس روث للترجمة الفارسية عام 2010 . تتضمن إصدارات شولي وولبي أربعة كتب شعرية ، ثلاثة كتب في الترجمة ، ثلاثة مختارات أدبية ، و عمل مسرحيّ واحد . حازت ترجمة شولي وولبي ل “منطق الطير” عام 2017 على الإشادة من الأديب و المفكر الأمريكي إيرانيّ الأصل ريزا أصلان واصفًا إياه بالعمل الفني الخالد . تُرجمت كتابات وولبي لقرابة أحدى عشرة لغة

عن رباب إبراهيم

mm
مترجمة من مصر