الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: “تريسي شيفالييه”ورعب الصفحة الفارغة.

ترجمات خاصة: “تريسي شيفالييه”ورعب الصفحة الفارغة.

تريسي-شيفالييهالكاتبة الحائزة على جائزة أوهايانا للآداب لعام (2013).

تصف الروائيّة أساليبها المتقدّمة في المماطلة ومتعة البحث التاريخي والإحساس بأنّها بدأت الكتابة في النهاية

 لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

 أتمنّى في قرارة نفسي لو كان وصف يوم الكتابة سهلًا لديّ. لقد سمعت عن تلك الأيّام، تلك الساعات الإنتاجيّة للكتّاب المعتدّين بأنفسهم، الكتّاب الّذين يكونون عادةً من الذكور، لابدّ من قول ذلك؛ إذ يجلسون كلّ يوم عند التاسعة صباحًا مع كوب من “الإسبريسو” ويكتبون حتّى الواحدة ظهرًا، ثمّ يُعدّون حساء السمك، ومن ثمَّ يعودون إلى الكتابة من الثانية حتّى الخامسة عصرًا، ليتفرّغوا بعدها للعب التنس، وبعد العشاء يجلسون مع كأس من الويسكي لقراءة ما كتبوه في ذلك اليوم؛ وهذا هو السيناريو الّذي أحنّ إليه وأكرهه على حدّ سواء، فلن يسير الأمر معي بهذا التحكّم والنظام.

إنّ معظم المتعة في كتابة الروايات التاريخيّة تأتي من البحث: فأنا أختفي في المكتبة لأقرأ عن أساليب تطعيم شجر التفّاح في القرن التاسع عشر، أو الرموز النباتيّة في العصور الوسطى، أو يوميّات عمّال مناجم الذهب؛ أو الأفضل من ذلك، مثل المشي في الطرق والوقوف بجانب شجر “السكويا” العملاق في ولاية كاليفورنيا، أو صيد الأحافير على الشاطئ في «لايمريجيس»، أو المشي على الأقدام من «سوهو» حتّى «سبيتالفيلدز» وتخيّل أنّنا في عام 1792! فالبحث هو ما يعطيني أفكاري، وهو ما يساعدني في تشكيل شخصيّاتي وخلق حبكتي.

إنّ عمليّة البحث سهلة! لكنّ البدء بالكتابة هو الّذي يمثّل صعوبة، وترجع هذه الصعوبة، إلى حدٍّ مّا، إلى أنّ الكتابة تكون مملّة في كثيرٍ من الأحيان، ورغم ذلك فإنّني أكتب بغزارة في فترات حياتي المملّة، في تلك الأيّام الخالية من المشاغل: فلا شيء في المذكّرة، ولا رحلات أو اجتماعات أو حتّى موعد قهوة مع الأصدقاء. ويستغرق منّي الأمر ساعات من الطواف كلّ يوم، إلى أن أستقرّ و”أبدأ” في الكتابة في نهاية المطاف، ساعات أحتسي خلالها الشاي وألقي نظرة على البريد الإلكتروني وموقع تويتر، وموقع الفيسبوك، ومتابعة الأخبار؛ ويسعدني الردّ على المكالمات الهاتفيّة (ولا يُوجد إزعاج على الإطلاق، فاتّصلوا بي رجاءً) فأنا أقفز من مكاني فور وصول مكالمة هاتفيّة؛ وأبحث عن بعض الحقائق الغامضة الّتي ستوصلني إلى أسرار أخرى من المعلومات غير الضروريّة، وفجأة أقرّر البحث عن سيّارات جديدة على الإنترنت أو عن قماش جديد للستائر.

في كثير من أوقات الكتابة، لا بدّ لي من ترك مكتبي الّذي يحتوي على الكمبيوتر المغري والنافذة الّتي أتابع من خلالها حياة جيراني، لأجلس في غرفة المعيشة أو على طاولة المطبخ؛ لكن أفضل الأماكن -حيث أكتب هذه السطور- هي المكتبة البريطانيّة؛ فأضع هاتفي بعيدًا عنّي، وأحضر دفتر الملاحظات أو المخطوطة، ثمّ أجلس هكذا في الصمت الشديد الّذي يميّز قاعات المطالعة هناك، فيما الآخرون من حولي يجلسون في تركيز وعزم؛ فلا شيء يحفّز على الكتابة أكثر من الجلوس بين أناس يعملون في نفس المجال.

ما الّذي يحدث عندما أتمكّن من منع الملهيات أثناء الكتابة، وعندما أجد نفسي أمام صفحة فارغة في نهاية المطاف؟ أكتب جملة واحدة، ثمّ الّتي تليها، ثمّ الّتي تليها؛ أستخدم ورقة وقلم في المرّة الأولى (قلم رصاص في المكتبة البريطانيّة)، أمّا الكمبيوتر فسيأتي في وقتٍ لاحقٍ؛ وبسرعة مذهلة سأكتب 1000 كلمة، وها قد امتلأت الصفحات الفارغة الّتي ترهبني كلّ يوم، وانتهيت أخيرًا من ذلك اليوم.

ولكن ماذا يحدث عندما يستمرّ قلمي في الكتابة، ثمّ التوقّف، ثمّ الكتابة؟ إنّني أمارس خدعة سحريّة ما زالت تدهشني حتّى الآن؛ إنّني أعيش في عالمي الواقعي، في مكتبي أو على طاولة المطبخ، ورغم ذلك يُوجد في رأسي، في الوقت ذاته، عالم آخر مليء بأناسٍ لم يسبق لي أن التقيت بهم فعليًّا، لكنّي أعرف مكنونات أنفسهم؛ ويتدفّق هذا العالم وهؤلاء الناس من قلمي بصعوبة، نعم بصعوبة كبيرة في أغلب الأحيان..  ولكن بإصرار.

أعلم في قرارة نفسي أنّ الكتابة ناجحة عندما يصبح ما أقوله والطريقة الّتي أعبّر بها عنه شيئًا واحدًا؛ ولا يحدث ذلك مع كلّ كلمة، لأنّه سيكون شعرًا حينها، فالنثر فضفاض وأكثر تساهلًا. ولكن إذا ما نجح الأمر مرّة واحدة في اليوم أو مرّتين عندما أكون محظوظة، فسأشعر برضًا شديد؛ وسأنظر بعد ذلك إلى أعلى وأضحك على نفسي لأنّني قضّيت كلّ هذا الوقت، مستخدمة أساليب المماطلة المتقدّمة الّتي أتقنها لتأجيل تلك اللحظة. ما الّذي أخاف منه بشدّة؟ ها هو: إنّه المجاز الرّنان، والشخصيّة الّتي تتحدّث بإقناع، وتوليفات الكلمات المحدّدة الّتي تدهش القارئ.

في اليوم التالي: وإذا كنت محظوظة، سيتكرّر الأمر ذاته مرّةً أخرى، إنّه رعب الصفحة الفارغة الّذي يجعلني أقوم برسم دوائر عليها لفترة أطول من اللازم، ثمّ أستقرّ وأكتب، فيجب أن يتمّ الأمر بانتظام وإلّا لن ينجح، ولا ينجح الأمر في كثير من الأحيان.

أجمل وصف لحياة الكتابة وجدته عندما قال الشاعر «ييتس»: «لا تتعجّل معها، ولا تستريح خلالها».كما قال بيكيت أيضًا: “هل فشلت من قبل؟ لا تقلق، حاول ثانية، وافشل ثانيةً، لكن افشل بشكلٍ أفضل”. وهكذا هو الأمر بالنسبة إليّ، ففي أيّ يوم سيّء سأفشل ثانيةً، وفي اليوم الجيّد سأفشل، ولكن بشكل أفضل.

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن