الرئيسية / احدث التدوينات / حبسة الكاتب Writer’s Block

حبسة الكاتب Writer’s Block

3534

بقلم: قريب الله برير

كتعريف مبسَّط لحبسة الكاتب، يمكننا القول بأنَّها حالة من الإعسار الكتابي المؤقت، أن يشعر الكاتب بعسر الكتابة، بعدم قابليته على الإتيان بالمزيد فيما يكتب، بعدم مقدرته على اصطياد المفردات وتجميعها في قالب فكري يكمل بها ما هو ماضٍ في كتابته، هي الإحساس بالجفاف الفكري، بالنضوب الإبداعي، بالخواء الداخلي من أيّ مؤثرات أو انفعالات تعينه على توليد أفكار جديدة. وهي حالة يعاني منها في الأغلب الكتَّاب الهواة، المبتدئون، الذين ليست لهم خبرة في مجال الكتابة تمكِّنهم من التحايل على مطبَّاتها على شاكلة حالة الاحتباس الكتابي هذه، لكن هذا لا يمنع أن يصاب بها كبار الكتَّاب أو المحترفون أيضًا. ونقصد بالكتابة هنا الكتابة الأدبية على وجه الخصوص.

هنالك عدَّة مسببات أو مثبطات قد تعيق سيرورة الكتابة وتجعل الكاتب يصاب بحبسة الكتابة، نذكر منها:

1- ضياع مسودة منجز فكري للكاتب، كان قد كتبها من قبل وعانى في انجازها، سهر لأجلها الليالي الطوال، واستهلك طاقة ذهنية عظمى لإتمامها. فهذا بدوره قد يجعل الإحباط يتسرب إلى الكاتب ويشعره بعدم الرغبة في الكتابة ويحول بينه وبين الاستمرار في إنتاج منجز جديد.

2- عدم الثقة بالنفس، والتقليل من شأن ما نكتب أو مقارنة ما نكتب بكتابات الآخرين، وهو ما يولِّد بداخلنا شعور بعدم الرضا، بأنَّ ما نكتبه لا يرقى لمستوى القراءة والإطِّلاع، واحتقاره ألّا ينال الاستحسان والقبول من قبل القرَّاء، فهذا التتفيه القيمي الذي نسقطه على ما نكتب – وقد تكون كتابة جيِّدة- ربما يورِّثنا نوع من الأذى النفسي الذي يقف حائلًا بيننا وبين إنجاز أيّ منتوج فكري لاحقًا، وقد يتطور الأمر إلى أن يفقدنا موهبتنا.

3- الإصرار على الكتابة بمواضيع ليس لدينا عنها خلفية معرفية كافية، أو محاولة التجريب في موضوعات غير مطروقة وليس لنا إلمام فكري وافٍ بها، ممّا يجعلنا ندور في فلكها لوقتٍ طويل، باحثين عمَّا يمكن إضافته لتكتمل دائرة الكتابة عندنا.

4- الكتابة في ضرب أدبي معين دون سواه، وهو ما يجعل تعابيرك ومفرداتك وحتى أسلوبك؛ يجعلها مكرورة بسبب الاجترار والتدوير في نمط رتيب يستهلك مخزونك اللغوي والفكري، في كتابات ذات ثيمة واحدة، لا جديد فيها غير إعادة قولك وتكرير نفسك، لاسيما إن كنت كاتبًا في بداية مشوارك الأدبي، تتلمَّس طريقك ببطء نحو الاحترافية.

هنالك عدَّة طرق يمكننا التغلب بها على حبسة الكتابة وعسرها:

1- رسم خارطة ذهنية واضحة الملامح لِمَا نريد الكتابة فيه، خاصة الكتابة السردية،  فالخارطة الذهنية تعيننا بشكل كبير على وضع الإطار الفكري للقالب الذي تتحرَّك فيه شخوصنا القصصية والروائية ورسم مسار صحيح يساعدنا على التنقل بيسر في تسلسل الأحداث والإمساك بخيوط الموضوع بإحكام.

2- الدخول في نقاشات مستفيضة حول الأفكار التي تخامرنا وتلح علينا، للاستفادة من التلاقح الفكري والتباين الرؤيوي في المفاهيم واختلاف وجهات النظر، وفتح آفاق جديدة للتعلُّم والتفكير بصورة أكثر عمقًا وفرادة.

3- الكتابة كممارسة الرياضة تمامًا، تحتاج إلى تدريب يومي، لذلك يحتاج الكاتب إلى المواظبة على الكتابة بصورة راتبة، وليس ضروريًا أن تكتب باحترافية من أول مرة، ولكن الضروري أن تكتب، أن تضع على الورق الذي أمامك شيئًا مكتوبًا، كل ما يخطر ببالك أو يشغل تفكيرك، حتى وأن لم يكن بالمستوى المطلوب، ثم لاحقًا تقوم بمراجعته، بالحذف والإضافة حسب ما تقتضيه الضرورة، ويتناسب مع طبيعة الموضوع، فالمسودَّة الأولى للكاتب هي دائمًا العجينة الخام التي يعاد تشكيلها مرات ومرات حتى يخرج الشكل بصورته النهائية.

4- في الكتابة دائمًا، حاول أن تكتب فيما يعنيك ويشغل بالك، ويستأثر بخيالك، يستفزّ قدراتك المعرفية والإدراكية؛ لأنَّك ستبدع فيه، ولا تحاول مجاراة السائد في الكتابة، التماهي مع ذوق القرّاء، متطلبات الناشرين وما يلبي سوق النشر، لأنَّ الكتابة موهبة وإبداع وليس سلعة مطروحة للربح والخسارة.

5- الكتابة هي حدث وحي اللحظة الآسرة، لذلك اصطحب معك ورقة وقلم أينما ذهبت، فقد يتدفق في عقلك سيل من الأفكار نتيجة لحدث فجائي ما؛ قد يصادف هوىً في نفسك،  فيلهم قريحتك الكتابة. لذلك كن مهيئًا لاقتناص الفرصة، وحاول استحلاب كل الأفكار التي تنزل عليك دون إرجاء أي منها لوقت لاحق، لأنَّها إن ذهبت ربما لا تعود كما ينبغي.

6- عليك بالقراءة، فالقراءة ثم القراءة، فهي الوقود الحيوي الذي يستمد منه الكاتب أدواته ( الذخيرة اللغوية، الأسلوبية، وتقنيات الكتابة عمومًا) اقرأ ما يروقك، ما يرضي ذائقتك، وتحسّه لطيفًا على نفسك، ولا تقرأ بذوق الآخرين، واختياراتهم غير الموفقة -المضجرة بالنسبة إليك- والتي تجد صعوبة في استيعابها واستكمالها. فالكتاب الذي تجد عسر في المواصلة فيه ارمه، والرواية التي تراها ثقيلة على احتمالك اتركها، فالقراءة وجدت للمتعة والفائدة، لا أن تطبق على خناقنا وتقبض على أنفاسنا

7- شاهد الأفلام  والفيديوهات المصاغة في قوالب درامية ذات بعد فكري عميق، وتابعها باهتمام شديد وتركيز عالٍ، حاول النظر إلى مغزى القصة وفلسفة حواراتها الداخلية؛ لأجل الفائدة المعرفية لا لأجل الترويح والتسلية، فهي تحفِّز فيك ملكة الكتابة وتدعمك معنويًا على تجاوز محنتها وصعوباتها وتبث فيك روح التعافي النفسي لحلّ عقدة التأليف وابتكار أفكار جديدة.

8- المداومة على التواجد في مكان واحد قد تسبب لك الشعور بالملل، فتغيير المكان قد يكون له خاصية السحر في منحك إحساس مختلف، لذلك إن اعتراك شعور بالملل والضجر؛ فغيِّر مكانك، ابحث عن مكان تشعر فيه بالهدوء والاسترخاء وراحة الأعصاب، لاسيما إن كان ضفاف نهر أو مجرى مائي أو حقول خصبة أو حدائق مزهرة، أو ما شابه، المهم أن يكون مكان يبدد فيك تلك الطاقة السلبية التي تراكمت في داخلك، حتى تتجدد فيك الحيوية والنشاط وتعود إلى سابق عهدك مليء بالإثارة والشغف.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة