الرئيسية / احدث التدوينات / حكاية البنت الظل

حكاية البنت الظل

متوكل

     للبنت عينان عميقتان كالبحر، دائماً ما تشي للناظر في شواطئه بشيء مبهم وغامض، لم يقدر أي كان على التنبؤ بكنهه، ما ترسله من إشارة أو حتى الجزم بما تعنيه نظراتها الخالية أغلب الوقت، والحق أنه، ومنذ ولادتها، لم يحاول أي أحد معرفة ما تحمله تلك النظرة، خاصة وأن البنت لها خاصية التطاير من أذهان الآخرين، فما أن تقع في مدى رؤية أحد ما حتى تثير فيه مشاعر مربكة حزينة في غالبها الأعم، مشاعر تنطلق من أن البنت تشبهنا كلنا مجتمعين، وفي الوقت ذاته تشبه كل منا بطريقتها الخاصة، ما أن تحول بصرك عنها تطير مباشرة متلاشية من ذهنك، تنمحي صورتها بشكل تام، دون أن يبقى منها شيء، لكنها فقط تترك في الحلق طعم لاذع لسبب ما، وجهها يعبر عن ألم قديم خفي، لطالما أعترى الضائعون، ملامحها إنعكاس لصورتنا في أكثر اللحظات إنكساراً.

     البنت عاشت سنواتها الخمسة والعشرون منذ الميلاد خفيفة لا تترك أثر، ففي طفولتها لم تكن تصرخ كبقية الأطفال، كما لم تكن كثيرة الحركة والقفز في الأماكن كلها، أكثر الأصوات التي أصدرتها صخباً كانت تنهيدة طويلة مكتومة، حين عبثت أصابع قابلة الحي بين فخذيها ببرود، حين شعرت بتمزق اللحم ـ لحمها ـ الشفرة الملتمعة مع خيوط ضوء الصباح، الشفرة التي حاولت مراراً أن تمحو ذكراها بلا فائدة، تجيئ في الحلم بين أصابع القابلة المرتجفة، ينفجر الدم كبركان مجنون، تصرخ ليكون ذلك أعلى صوت يصدر من حنجرة البنت، عقلها، شفتيها، بعدها عاشت دون أن يشعر بها أحد، بمن في ذلك والديها، قضت طفولتها مثل ريح طرية، كانت تشبه تماماً موجة من هواء، موجة هادئة لها نفس درجة حرارة الجو، موجة ناعمة ليس بمقدورها أن تحرك، كومة من ريش متناثر، لم يستشعر وجودها أحد.

     في طفولتها المبكرة، حلمت للمرة الأولى في حياتها، أو ربما تذكرت للمرة الأولى حلم الليلة السابقة، في الحلم رأت أنها موجة هواء تتنقل بكامل حريتها، ضحكت كثيراً، وأحست بسعادة لم تشعر بنصفها يوماً، رقصت متمايلة تعبر من خلال شقوق الأرض الرطبة المشبعة برائحة الطين، تمسد بلطف على أوراق الشجر العالية، ها هو النهر الذي لطالما أحبته دون أن تراه من قبل، رغم كونه خلف منزلهم بخطوات قليلة، عاشت محرومة من تحقيق أمنيتها بأن تستلقي على صفحته، فهي بنت. لكن الحلم حررها من كل قيد، كونها الآن موجة هواء لها كامل الحرية، حلقت لتشبع رغبة مداعبة مياه النهر، لطالما رغبت في صب الماء الهادر على رأسها، إلا أنها لم تقدر، فقد كانت موجة هواء هادئة ليس لها قدرة حتى على إحداث دوامة واحدة صغيرة على الماء، شحن قلبها بالحزن، بدأت بالبكاء، لأن النهر لم يتحرك، وظل ساكناً كصفحة من زجاج.

     دخلت البنت مرحلة الصبي، وبداية شبابها دون أن يصدر الباب صوتاً، فقد كانت ما تزال موجة هوائية، إنتفاخ أعلى جسدها عند الصدر تحديداً هو ما جعل اخوتها ووالديها يلحظون وجودها، حينها تلقت حزمة جديدة من تعليمات لقواعد سلوك إلزامية، عاملها اخوتها كسجين غير مسموح له بأن يخطو خارج اسوار البيت، لم ترد على أحد منهم، فقد كانت تثق بأنها تمتلك الحلم، وهو ما سيحررها، يجعلها كاملة الأهلية، تزور جميع الأماكن التي تحب، تفعل ما تريد، كيفما تريد، تخرج دون خوف للمرة الألف، محلقة ناحية الجبال والغابات الخضراء، تغوص في النهر وقت تشاء.

     سنوات عيشها كموجة إنتهت في أحد نهارات الصيف القلقة، حين كانت نائمة تأخذ قسط من الراحة، خلو البيت من الجميع جلب شخص ما إلى سريرها، أحست بيد خشنة تعتصر صدرها النابت حديثاً، تلهو بإستقامته، اليد الأخرى تعبث حيث الجرح القديم الذي تركته قابلة الحي، حاولت النهوض، لكن صوت عمها منعها بحزم، هددها بأشياء كثيرة مرعبة، بدأ صوته يعلو ثم شخر، وتشنجت عضلات جسده واحدة بعد أخرى، ساعات طويلة قضتها تحاول أن تستوعب ما حدث، لكنها فشلت، عينيها شلالات ماء مالح، الجسد مستعمرة للألم، وأخضر جرح قديم أسفل بطنها، جاءت أمها، لكنها لم تلحظ شيئاً، بل أمطرتها بقائمة ما يتوجب عليها من عمل دون أن تستفسر عن سبب تلك الكدمات، أرادت أن تخبرها ثم تبكي في حضنها، لكنها صمتت حين لم تتمكن عينا الأم من إلتقاط ما يعتري بنتها من تغير، أصيبت بالخرس حين لم تشتم أنف أمها رائحة شيء تعرفه بلا إمكانية أن يكون شيء آخر.

     يومها نامت ما أن غربت الشمس، كل ما تمنته أن تمطى الحلم، تذهب به سريعاً إلى النهر، لكن الحلم كان مغاير هذه الليلة، كان حلم غريب، لا يتعدى ثوان قليلة، رأت نسراً بحجم دب يأكل طفلا في الخامسة من عمره، النسر يأكل بتؤدة، ودونما أن يترك أي تشوهات على جسد الطفل المنهمك باللعب، وكانه لا يشعر بالألم، حاولت أن تهش الطائر وتطرده بعيداً، إلا أن لعب الطفل حيرها وشل جسدها، فلم تستطع إبداء أي حركة، بينما الجارح يواصل عمله المتقن، يشحذ الجسد الطري بمنقاره، يحفه كما يعمل مكشط أو مبرد على قطعة من معدن هش، وحين يبدأ جسد الطفل بالتقلص المنتظم من إطرافه، وما تحت اليدين بجوار الصدر، تشعر هي بألم مخالب النسر ومنقاره، ينسرب الدم من تحت ابطيها مسبب لها آلام حادة، وجع يعادل أضعاف كثيرة ذاك الذي خلفته أصابع طويلة مرتعشة على ذاكرة جسدها.

    تصحو متعرقة، تشعل الضوء لتنظر بحثاً عن آثار منقار النسر الصلب ومخالبه الحادة، لم تجد أي أثر، ليس هناك دماء على ملابسها أو على الفراش، كان فقط ألم حاد شلها عن الحركة، وجع يغطي كامل جسدها، ويتركز بصورة تامة بين فخذيها واطرافها. لم يكن ثمة مخرج من الوجع غير أن تعود إلى النوم، هكذا حدثت نفسها، ما أن نامت حتى شرع عقلها ينتج الأحلام من جديد، فها هي تصير موجة هواء تتجه صوب النهر، ترتمي بكامل ثيابها في الماء فيتناثر في الجهات الأربع، غسلت جسدها كما لم تفعل من قبل، إستمرت تدلق الماء عليه وتدعك ثم تدعك إلى أن تقيح جلدها وبدأ يبصق دماً، أوجعها ذلك، فتحولت إلى غسل الجرح القديم الذي أنفتح نهاراً بسكين عمها، ما أن انتهت خرجت من النهر، همت بالطيران، لكنها لم تقدر، إستفرغت سائلاً دبغاً يختلط بالصديد، أغمي عليها، ليستمر الحلم من مكان آخر، لم تكن فيه موجة هواء ناعمة، بل تحولت إلى ظل؟

     عاشت البنت سنوات بعد ذلك كما ينبغي أن يكون عليه أي ظل، ثمة ما يقلقها بصورة مفجعة، ذلك الفرق بين موجة هواء ضعيفة والظل، فبالنسبة إلى البنت ثمة فرق كبير بين الأثنين، فرق لم تتخيله حتى هي نفسها قبل أن تجرب الشيئين، فحين كانت موجة هواء كانت تطير بحرية، تزور الحقول، وتستلقي على صفحة النهر القريب، بل كان لها حلم بأن ترى أنهاراً بعيدة، وتعبر محيطات العالم وبحاره، لكنها اليوم ظل فقدت حريتها وشعورها بالأهلية، فالظل لا يعدو كونه نتيجة، ليس ذلك فحسب، لكنه محض أثر جانبي لا فائدة منه ولا قيمة له، على الأقل بالنسبة إلى ما تحياه البنت.

     ثلاثة سنوات عاشتها البنت كظل لا يلتفت ناحيته أحد، صباح أحد الأعياد كان موعداً مهما لأسرة البنت، فقد لاحظوا وجودها للمرة الثالثة طوال حياتها كلها، فالمرة الأولى حين ولدت وكانت مصحوبة بالقلق من الأم والتأفف من جانب الأب، ويوم تكور صدرها كانت تلك ثاني مرة، وصباح هذا العيد حين تحدث إليها ابوها والسعادة تتطاير من عينيه، وهو يخبرها بأنه وافق على تزويجها لأبن أحد التجار الكبار، أعز الأصدقاء إلى قلبه، لم ينتظر إجابة، أمرها وأمها بالإستعداد لإستقبال أهل العريس هذا المساء المبارك.

    فرحت الأم وانفجرت حنجرتها بالزغاريد، ثم شرعت تجهز إبنتها في ما يطلق عليه عملية تجهيز العروس، سيل من التعليمات عن طريقة معاملة الزوج، صفات الزوجة المطيعة، كيفية رعاية الزوج والإهتمام به، ثم شرعت بتلقين البنت دروساً عن تربية الأطفال، وكيفية المحافظة على شرف الأسرة برعاية البنات، دون السهو عن حقيقة أن الشيطان يجد متعته الأساسية في التلاعب بالنساء، البنت صامتة تحرث الأرض بعينيها، وتتأمل الفراغ دون أن تحرك ساكناً، شريط حيواتها ينعاد بصورة مكبرة على زجاج عينيها، تذكرت أوقات كانت فيها موجة هواء ضعيفة، أوقات عاشتها كضوء، فترات عاشتها كظل لا يلوى على شيء، ولا يعدو كونه مجرد وليد ينتج عن تلقيح الضوء للأجسام. صوت الأم يستمر بلا توقف، تحاول تعبئة رأس بنتها بدليل الزوجات المحبات المخلصات، ما دفع البنت إلى الشعور بالقرف والغرق أكثر في تفاصيل أحد أحلامها الكثيرة، تذكرت أنها في حلم ما كانت ناراً مستعرة تلتهم كل شيء في طريقها، تأكل كل ما في متناول ألسنة لهبها المجنونة بدأت بأخوتها، أباها أمها ثم عمها الذي مضغته سريعاً وبصقته ميتاً مشوياً بصورة كاملة، الجيران، الحي، وأصابع القابلة، إلتهمت الجميع، وحين ذابوا وهم يصرخون، توقفت البنت/ النار، وتجشأت بصوت مسموع يشبه عواء ذئب في البرية، تفاصيل الحلم تسترجع نفسها بوضوح أكثر كلما إستمر صوت الأم في التدفق.

    فجأة تندلق جرة جاز الموقد القديم على الأرض، تتسلق النار ممسكة أطراف ثوب البنت فجسدها، تخرج من المطبخ راكضة في فضاء الدار، تزغرد وتردد أغنية منعت مراراً من تكرارها، بحجة أنها غناء لا يشبه بنات الحسب، رقصت بقلب مشرع، في حين وقف جميع من في البيت مشدوهين وغير مصدقين أو قادرين على القيام بأي شيء، شعرت البنت لأول مرة خارج الحلم بأنها حرة كاملة الأهلية، وقتها رددت: “كنت موجة هواء لم يشعر بها أي أحد، أصبحت ظلاً فكان الأمر أسوأ، فها أنا الآن ناراً، أنا النار التي ستأكل شيء.”

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان