الرئيسية / احدث التدوينات / رحلة البحث عن الطيّب.. في رمضان

رحلة البحث عن الطيّب.. في رمضان

536955989

على الهامش

غربة واغتراب جيل..

طيّب..

يبدو أنه حان وقت فعل تأخرّ قيامي به لأيام…فعل كنت أخشى من ردة فعلكم تجاهه، خشيت أن أبدو كئيبة أو سخيفة أو أي شيء آخر ليس معتادًا مني يصبح غير مقبولاً منكم…

لذلك آثرت الصمت واحتفظت بأفكاري لنفسي، كنت أعلم أن ما بداخلي موجع، وصادم، وكنت أعلم أن الصمت ليس حلاً.. بل المواجهة أو كما قال لي صديقي محمد حجاب عندما تحدثنا عن الأمر وعما يوجعني: خرجيه وميهمكيش حاجة“..

بقيت بعيدة لبعض الوقت، أبحث عن الطيّب، وها أنا ذا… أتيت من رحلتي تلك كي أصحبكم معي فدعونا نمضي إلى هناك، حيث أنا، وحيث بدأت أفكاري … 

بين جنبات اللغة بحثت عن الطيّب فوجدت أن:

 الطيّب في اللغة هو كل صافي النفس نقي السريرة… هو كل رائق.. كل ما خلا من الأذى والخبث، كل ما خلا من الحقد والغلّ، كل ما كان متسامحًا.. الأرض الطيبة هي الخصبة النماء، وأن الطيّب هو كريم وشريف الأصل والمحتد…. وفي النهاية الطيّب كل ما هو خير وبخير.

في رمضان والمناسبات، اعتدنا أن نهنئ بعضنا البعض بتمني الطيّب من الخير، أصبحت جملة كل سنة وأنت طيّب معتادة اعتيادًا ربما فقدت معه معناها الحقيقي… على الأقل هكذا أصبحت أراها.. 

فها هو يوم يمضي من أيام رمضان، يوشك على الرحيل ليأتي اليوم التالي من أيامه ولم أهنئكم بعد، لم أشارككم فرحة بقدوم رمضان، لأن رمضان لم يعد هو رمضان الذي أعرفه، لقد رحل إلى غير رجعة، الفرحة ظلّت تتناقص شيئًا فشيئًا، لم يبق منها إلا شذرات متفرقة ننثرها ونبتهج اعتقادًا منا بانتشارها وكثرتها، ولا هي كثيرة، وليست بمنتشرة كما نعتقد… 

لقد ذهب الطيّب وقت أن أصبح النسيج الاجتماعي الذي يربطنا مرتقًا، واهيًا، باهتًا… ذهب الطيّب وقت أن أصبح هناك توصيفات أخرى تجمع المصريين سوى أن يكونوا مصريين! ذهب الطيّب عندما أصبحت انتماءاتنا الأيديولوجية والفكرية حاجزًا بين قبولنا لبعضنا البعض، ربما حاجزًا غير مرئيًا لكن له بالغ الأثر علينا وعلى حيواتنا.. ذهب الطيّب عندما اتسع المدى فلم يعد الأمر قاصرًا على رفض المصري للمصىري واختلافه معه، بل تخطاه لرفض المصري لغيره، ورفض غيره له، وأصبح انتماء الجنسية حائلًا آخر في العلاقات الإنسانية، وأصبح نوع الجنس حائلًا هو الآخر. تعددت الحوائل، والرفض واحد.. اتسع مداه ليخلق هوة سحيقة بين هذا وذاك وتلك وهذه… وجميعهم إنسان، أو هكذا أعتقد… 

لا زلت على إيماني بالبشر، وبقدرتهم على صنع التغيير، لا زلت وسأظلّ على محبتي لهم، رغم ما يسوءني من طبائعهم وشمائلهم، أعلم أننا بين ساحتي الأبيض والأسود نسكن منطقة الظلال الرمادية، أعلم أن دواخلنا تحمل مزيجًا من تلك الظلال، كما أعلم أنني مثل الجميع، تنازعني نفسي وأنازعها.. لست بأفضل من غيري ولن أكون، إنما اخترت ما أريد أن أكون عليه وسعيت لتحقيق هذا وأواصل السعي، علّني أبلغ ما أريد.. 

كان خياري الإنسانية، كما أراها وكما استشعرها، وكانت أداتي هي محاولة الاتساق مع ما اخترت أن أكون عليه…  وبين تأملٌ وآخر كنت أواصل الاقتراب من الإنسان الذي أبحث عنه واكتب لأجله، وكّلما اقتربت أوشك الاتساق على الهروب مني، ربما فرارًا، وربما ترقبًا، وربما سخريةً، فكيف أحسبني متسِّقة مع ما أكتبه وما أفكر به، وفي لحظات المحكّ الحقيقية أجدني على شيء من الضيق أو الإحباط أو الغيظ، فما أعتقد أنه أمرًا مسلّمًا به، أجده منكورًا مرفوضًا، أو متجاهلًا.. فيتنامى داخلي الشعور بالغربة، غربة أدرك تمامًا أن سببها الحقيقي هو كما أخبرني ابن جيلي أحمد يوسف وكما يراها:

“مشكلتنا ليست سياسية، بل ثقافية في المقام الأول والأخير“.

لا يفتأ صدى تلك الجملة أن يتردد داخلي، لأن توصيفه المختصر هو أدق تشخيص لحالة مستعصية يعاني منها أغلبنا، أو من تأثيرها عليه… 

إن مجتمعاتنا تعاني من انفصام فكري  مخيف، تتضح معالمه ليس فقط في الحوارات التي ندّعيها ثقافية، ولا في النقاشات النخبوية، إنما أيضًا في تفاعلاتنا اليومية الحياتية المعتادة، هناك بركة آسنة راكدة في أعماقنا، بالكشف عن مكوناتها أحسب أننا سنجد خليطًا من نقائص بشرية جُبِلنا عليها، -لا ننجح في الفكاك من براثنها ربما لأننا لم نحاول بما يكفي، وربما لأننا تواءمنا معها-، وتأثيرات ثقافية فكرية وعقائدية زُرِعت بداخلنا رغم ما تحويه من قيم فاسدة ومغلوطة تفتقد للجانب المعنوي والحس العاطفي الذي يغلفه ذاك الطيب الهارب، والذي تم استبداله بذاك الإطار السلعي السعري الاستهلاكي، الذي يُثمّن كل قيمة ويمنحها سعرًا جامدًا جافًا متهافتًا لتحقيق مكاسب قصيرة المدى، نلمسها بأيدينا لا نستشعرها بدواخلنا، لتبدو كل قيمة سطحية وتافهة وليبدو فهمنا نفسه للأمور وكما أخبرني صديقي ومعلمي الروحي مدحت الخشاب يومًا:

“إن فهم معظمنا للأفكار وربما للحياة ليس إلا مجرد انزلاق على الأسطح”.

ذلك الانزلاق ينتج عنه الإحاطة لمامًا بالنذر اليسير من معرفة، وبوجود تلك البركة الآسنة بدواخلنا، تتعاظم في مخيلتنا تلك المعرفة، وتبدو كما لو كانت عميقة وهي أبعد ما تكون عن هذا لكنها أوهامنا تلك التي تحرك دوافعنا، وتمنحنا شعورًا زائفًا بامتلاك ما لا نملك، وادعاء ما لا نكونه، وواقع الحال أننا لسنا إلا أبعد ما نعتقد أننا عليه…

في رحلة بحثي عن الطيّب، اكتشفت أن اللا… هي الرابط المثالي بين علاقتنا بالقيم والمعاني، ورؤيتنا لأنفسنا من خلالها..ليبدو ما يسبق أغلب تلك المعاني لفظة اللا، ويتضح سمتنا الفعلي مقترنا بتلك اللا التي ترادفه وترافقه في أجواء من البين بين… ومناخ أقل ما يوصف به أنه ضبابي… واكتشفت أننا لا نغير أفكارنا بسهولة، إلا إذا كانت وللأسف كتعبير أصبح من مترادفات هذه الفترة: تصبّ في المصلحة؛ وأن تلك المصلحة تتضح أهميتها ما دمنا على شيء من راحة البال، وعدم المساس بمكتسبات حصلنا عليه وادّعينا ملكيتها حقًا خالصًا، وإن لم نمتلك يومًا قيمتها الحقيقية بالفعل.

هنالك؛ أدركت لماذا فرّ الطيّب هاربًا، لا يلوي على شيء، ولا يطلب شيء، فلا مكان له بين ظهرانينا، وربما نحن نعلم منذ أمد بعيد، أن لاطيّب هنا، ربما بعض بقاياه، ربما ذلك الأثر كأثر الفرحة الذي نتمسك بشذراته ننثرها ونلقفها سريعًا كي لا نفقدها، ونلصق الطيّب بتهنئة فاترة مهما كان صدق حرارتها التي نعتقد بها… 

أخبرتكم ذات مرة عن ذهاب رمضان إلى غير رجعة بالنسبة لي، وآسفة أعترف أنني لم أعد أبحث عنه، لأنني أعلم أنه لن يأتي، في ظلّ ما نعيشه وما نحن عليه… وأن رمضان الذي يزورنا كل عام ليس إلا بين بين.. ليس إلا لارمضان…

وها أنا ذا وأنا في حالتي تلك؛ أبحث عن الطيّب، كما أدركت لماذا لم أجده، فهمت لماذا لا أجد رمضان، حيث ارتبط غياب رمضان لدي بسنوات مضت بعد ثورة يناير2011؛ حدث شيء ما لا أدري ما هو تحديدًا وإن اتضحت معالمه في تعاملاتنا، التي اتضح معها مزيج من عنصرية المصريين التي تتفاوت درجاتها، كما تتفاوت درجة اعتزازهم بوطنيتهم لدرجات تخطت الوطنية وأصبحت شوفينية من نوع خاص، حيث ارتبطت الوطنية بنزعة ضدّ الآخر، وربما كان الآخر هذا شريكًا في نفس الوطن، يحمل نفس الجنسية والملامح والدين، حدّ الاختلاف تجاوز كل الخطوط الحمراء ليصبح الاختلاف في الرأي وحده مبررًا قويًا للرفض، رفض الآخر فقط لأنه له رأيا يخالفني، وفكرًا يختلف عن ما اعتنق من أفكار.. وأحسب هذا أصدق دليل على تلك السطحية الناتجة من ذلك القصور المعرفي الذي انعكس بشكل ما ليصبح قصورًا معنويًا وإنسانيًا أيضًا..

فما الذي ينتجه الانزلاق على أسطح المعرفة! سوى سطحية ما نمتلك من معرفة!

حسبت أنني اكتشفت شيئًا، ولزامًا عليّ أن أشارككم إياه، فقررت العودة من رحلتي، بين خطوة وأخرى ترددت في القدوم من هناك، لأخبركم باعتذاري عن ترديد التهنئة التي بلا نكهة.. رغم أنني صادقة أتمناها من القلب، لكنني كلما نظرت حولي وأطلت النظر، تساءلت بوجع، عن أي طيّب أتحدث، وعن أي طيّب أبحث! وأي طيّب تقصدون!

واقترن في وجداني ارتباط اللاطيّب واللارمضان. ففي أيام رمضان الأولى، كشفت بعض الأحوال عن حقيقة ما فكرت به. سأتوقف معكم عند بعضها، وأخبروني بعدها إن كان هناك طيّبًا هنا؟!

ما هو الطيّب في القيل والقال عن الزواج الملكي في بريطانيا وعن ملامح الأميرة ميجان وأصولها وجمالها وفستانها و و و …؟! إذا كنا في رمضان نواصل السخرية من الآخرين لأية أسباب واهية أو حقيقية، مع كونها ليست مبررًا للسخرية، فكيف كنا نفعل هذا في رمضان ومع قيمة ما يعنيه هذا الشهر -تشدقًا وصخبًا بلا معنى- وإذا كان هذا حالنا في رمضان! فكيف بنا الحال وماذا نفعل ببعضنا البعض في شهور السنة؟

ما هو الطيّب في إعلانات دعائية أفكارها تتردى بين إثبات قيمة اللا تلك التي وصفتها، فعندما أجد نموذج إعلان بطلته نجمة من الكبار تتحدث عن الأسماء الكبيرة، وقيمة اسم الكاتب الكبير الذي يدفعها لقبول العمل، وعن العريس ابن الأصول الذي ربما نتغاضى عن أصله، لوسامته، وعن الأسماء الكبيرة في المدارس والجامعات والماركات و و و لتستكمل منظومة الكبار بالشركة العقارية التي تخطط وتنفذ المشروعات الكبيرة! 

عندما استغربت فكرة الإعلان، وما تعنيه من تفاخر كريه؛ وجدت نفسي لا أجد مبررًا للمعنى السخيف الذي نقله الإعلان ولم ينتبه له صانعوه، ولما يعنيه من نوع ما من الطبقية الغريبة والتي بلا معنى، ولكنني تذكرت أن واحدًا من كبار أصحاب رأس المال في مصر، وصاحب مبادرة واحد من المشروعات الخيرية الكبيرة قال إن مصر ليس فيها فقراء، ياللسخرية، ياللتناقض، ويالها من حالة اللا مستعصية بلا علاج… 

لكنني أقنعت نفسي أن هناك بعض التناسب بين ذاك الخبر وهذا الإعلان، وأقنعتها أيضًا أنه في ظلّ ذلك التوصيف فلا معنى أن أفكر في الطبقية! فيبدو أنه عالم الكبار فقط، وأن ذلك الاستفزاز الذي شعرت به ليس له معنى. فلا فقراء.. ولا طبقية.. ولا مشكلة في أسعار المترو أو سعر الكاجو … وليبق الكبار..

أهذا هو شهر رمضان الذي تنتظرون وتعايشون وتتلقون بشأنه التهاني ترفقونها بالطيّب الذي يختلف عن الذي عرفت!!

ربما هو نوفو رمضان، بالتأكيد هو هكذا باقتران طعام يوصف بالصحي لأنه يحمل اسمًا وطنيًا -أيًا كانت ما تعنيه لفظة وطنية- يكن سببًا في ارتقاء روحي بحسب ما أخبرنا واحد من كبار النوفو دعاة، الذين أفرزتهم قيم مجتمع سطحي ينزلق أفراده على الأسطح ويدّعون امتلاك المعرفة والتديّن وصفات أخرى ينسبونها إلى أنفسهم مالهم بها من سلطان، ولا لهم عليها سلطان، مجتمع يحيا حالة اللا ويعتقد أفراده أنهم طيبون، أو لا زالوا طيبين!

وربما تتبدى تلك الطيبة التي يعتقدون في ردود أفعالهم تجاه الرجل -بغض النظر عن سفه ما أخبر به، وضعف ما برر به- إلا أنه وللحق، إن ردود الأفعال ضدّ الرجل والتي تتناسب مع ما صرح به أثبتت بالفعل أننا في رمضان آخر، أو في لارمضان.

أصابتني الحيرة، هل سأكون مخطئة إن لم أهنئكم! أم سأكون مخطئة إن لم أخبركم ما أفكر به..

كان عليّ أن أراجع نفسي مرة أخرى، وأذكرّها أن هذا ليس برمضان، وهذا ليس بطيّب، وتلك حالة اللامعنى، ونحن في عالم الكبار.. الذي له لا أنتمي..لا أدّعي أنني على صواب، ولن أتشبث برأيي إن وجدت ما يغيره.. ولكنني لم أستطع الخروج من تلك الحالة، فقد تملكني الشعور بالوحدة، والغربة، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تعداه باكتشاف أن حالتي تلك، ربما تمس غيري يستشعرونها مثلي، وأن الأمر ربما يبدو كما لو كان جزءًا من غربة جيل واغتراب بالوطن، خشيت أن أكون واحد من هؤلاء الذين يعتقدون أن أفكارهم دومًا صحيحة، وأنهم لا يجانبهم الصواب بدواخلهم أو لعقولهم يقترب، خشيت أن يكون الغرور قد أصابني، وأنني اعتقدت بأنني أمتلك من المعرفة ما يمكنني من تأكيد ما أقول، وأنني في النهاية وقعت في فخ الانزلاق على الأسطح، والاعتقاد بما لا يدعمه الدليل.

ربما أكون قدآثرت الصمت، وحاولت اجتناب التساؤل؛لكنني لم أستطع منع نفسي من السؤال…

عن أي طيّب تتحدثون؟!

أعتذر فلم أقل كل سنة وأنتم طيبون….وأعتذر فلن أقول كل سنة وأنتم طيبون..

ولكنني سأقول:

كونوا كما تشتهون…. كونوا بخير… كونوا طيبين.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .