رمضان

ramazan-2018-800x428

مرة أخرى يهل علينا شهر رمضان المبارك ، و مرة أخرى يهل علينا و أوضاع الأمة الإسلامية في تراجع مستمر ، و مرة أخرى نجدد الدعوة إلى اعتبار \و وضع هذا الشهر الفضيل : شهر انطلاقة جديدة ، نحو مستقبل جديد …

رمضان في أظهر صوره هو شهر حرمان الذات من الملذات ، و في أبطنها : شهر التهذيب ، و في صورته الأفقية : شهر التجديد … فكيف تكون هذه الصفات الثلاث صفاته في آن واحد ؟

تخبرنا العلمانية بأن غاية الإنسان هو الاستهلاك ، غايته إرضاء الذات … و يحدثنا رمضان يعكس ذلك الحديث تماما

تنطلق العلمانية من تصور أن الوجود عرضي ، لا قانون فيه إلا السببية ، و السببية لما كانت وسيلة تمكن ، كانت الغاية من وجود الإنسان في هذه الحياة هو التمكن ، و التمكن بهذا الشكل المطلق : هو نسب المتمكن عليه إلى الذات ، و هذا النسب هو ما نطلق عليه : الاستهلاك ، و بالتالي فإن غاية وجود الإنسان بالنسبة للعلمانية هو الاستهلاك …

إلا أن هذا الافتراض يعيبه أنه يقع في دائرة مغلقة ، إذ لو افترضنا أن غاية الإنسان في هذه الحياة ، فإنه من حيث أن المعنى النفسي للاستهلاك هو البقاء ، فإن غاية الاستهلاك هو البقاء ، أي أننا نبقى من أجل البقاء ، أي أننا موجودون لكي نبقى موجودين !

و لهذا السبب يهذبنا رمضان ، فبحرمانه لنا من الملذات ، أي بحده من استهلاكنا ، يخبرنا بأن غاية وجودنا ليس البقاء ، و إنما هي غاية أعلى من ذلك … فرمضان يقطع التوتر العالي و المستمر للاستهلاك ، و بالتالي يخفض من توتره ، تاركا بذلك فسحة لقيم أعلى لتحتل مكانا لها في خارطتنا النفسية و العقلية

و هذا هو وجه التهذيب فيه

هذا الوجه الذي ينقلنا من مستوى الاستهلاك ، إلى مستوى أعلى : هو مستوى البحث عن غاية أعلى … تلك الغاية التي لم تتضح بعد

إن رمضان بقطعه توترنا الاستهلاكي المتعالي المستمر ، يخبرنا بوجود قيم عليا ، فوق مستوى السببية ، تستحق أن تكون غاية للوجود … و هذا انطلاقا من نقض التصور الوجودي العلماني في لبه … هذه الغاية التي يبحث عنها بعض المتذمرين من ضيق مادية الحضارة الغربية العلمانية ، فتجد بعضهم يهب نفسه للأعمال الخيرية ، النافعة للبشرية ، و بعضهم ينعزل عن العالم في عالمه الصوفي !

فإذا كان واضحا أن الانعزال الصوفي ضربا من العبث ، لأنه من غير المنطقي أن نتواجد في عالم مادي ثم ننعزل عنه ! إذ لابد من وجودنا في عالم مادي ، العالم المادي الذي من العبث أيضا أن نغرق في استهلاكه ! أن يكون لهذه الوسطية غاية أعلى من هذا و ذاك

فإن العمل الخيري لن يكون أحسن حالا منه … لأن قيام مستغن ببعض الأعمال الخيرية ، التي ينتفع بها البشرية ، سيكون فيه بعض التناقض العبثي من وجهين : أما الأول ، فهو كون أن السعة التي تمكن المستغني من القيام الأعمال الخيرية ، هي في الحقيقة : سعة ناتجة عن منظومة رأسمالية علمانية ، غرضها الأول و الأخير تحقيق مستوى أعلى مستمر من الاستهلاك ! …

و الثاني ، أن سعي المستغني لمساعدة المعوز ، مبني على قاعدة أن المساعدة ، مساعدة الإنسان ، أو حتى الحيوان و الجماد ، هو غاية السعادة ! … و بالتالي إما أنه يساعد الإنسان ، و بالتالي تتكون شبكة اجتماعية إنسانية ، مبنية على نفس القاعدة ، فيكون لسان حالها : الإنسان يساعد الإنسان ، أي يغذي الإنسان ! و بالتالي عدنا إلى نقطة الاستهلاك … أو أن الإنسان يساعد الإنسان و غير الإنسان ، فقط لكي يساعد ، أي لكي يسعد نفسه فحسب ، و بالتالي هو يغذي نفسه بالسعادة ، و بالتالي عدنا إلى نقطة الاستهلاك !

خاصة أن كلا الاحتمالين قائم في ظل المنظومة العلمانية المادية الاستهلاكية !

و بالتالي فإن الغاية لابد أن تكون في مستوى أعلى من المستوى الهيوماني ، مستوى لا تكون فيه الغاية مجرد إسعاد الذات ! سواء بالتصوف أو بالتصدق !

إن الغاية لابد أن تكون مطلقة من الغرضية الأنانية الإنسانية الاستهلاكية ، و هذا هو التهذيب الذي يريدنا رمضان أن نرتقي إليه …

هذه الغاية التي نتجرد فيها و بها من كل النوازع الذاتية ، حتى نصل إلى غاية منطقية لوجودنا ، ففي النهاية : الغاية تطلب المطلق بالكلية … أي أن غايتنا لابد أن تكون مطلقة ، و هذا الطلب للغاية المطلقة ، نطلق عليه : “العبادة”

أي إننا موجودون هنا كي نعبد المطلق … و من البديهي في عقيدتنا الإسلامية أن الله هو المطلق الواحد الأحد ، و غيره : مخلوقون متعلقون به

هذا هو الدرس الذي يريدنا رمضان أن نتعلمه في شهر القرآن ، الإخلاص في عبادة الله ، أي أن نضع غايتنا هو طلب المطلق بكل تجرد من النوازع الذاتية

إنه و كما تمكن رمضان من تغيير متعلقات الثلاثية (المادة ، الإنسان ، الله) النظرية ، فجعل الله محور الوجود ، بدل ما جعلته العلمانية ، حيث جعلت الإنسان محور الوجود … فإنه سيتمكن رمضان أيضا من بناء انطلاقة جديدة ، مبنية على عقيدة الإسلام

ذلك أن الانطلاقة الأممية ، أو الحضارية ، يشعلها فتيل : ديني ، إذ إن الحراك الحضاري في جوهره ، هو عمل اجتماعي لأجل رسالة معينة ، أي غاية معينة …

و كما رأينا سابقا ، نقف اليوم على فشل الغائية العلمانية الغربية الهيومانية ، و هذا الأمر يتطلب منا تجديد الدافع الحضاري ، و الذي يفضي حتما إلى نشوء حضارة جديدة ، تكون عقيدة الإسلام المنزهة لله وحده … هذه الانطلاقة حتما ، ستزيل الليل الأسود الذي تعيشه الأمة الإسلامية تباعا و لزوما

و عليه فإن رمضان ، يدعونا بمنعه علينا ملذات الحياة و حده استهلاكنا ، يدعونا إلى تجديد غائيتنا في الوجود ، الذي ينجم عنه ضرورة : رفع ظلمة حاضر المسلمين لزوما …

إنه يدعونا إلى عبادة الله وحده ، في كلية وجودنا !

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .