الرئيسية / احدث التدوينات / روسيا 2018 : المهارة في الرياضة وحدها لا تكفي”الجمال مهمٌ كذلك”

روسيا 2018 : المهارة في الرياضة وحدها لا تكفي”الجمال مهمٌ كذلك”

368

لقراءة الموضوع الأصلي اضغط ( هنا )

يعبر ليونيل ميسي بقدميه خاطفًا وسريعًا حين رواغ وتسلل بين أربعة من مدافعي أتلتيك بيلباو قبل أن يلتف مسددًا الكرة في الشباك على بعد ثمانية عشر ياردة (16 مترًا) والذي يعد واحدًا من أجمل أهدافه العديدة،وكذلك كان أداء يلينا شوشونوفا الذي أحرزت فيه المجموع الأفضل في نهايات الجمباز في أولمبياد 1988. ولكن لو أن ميسي اندفع بالكرة متجاوزًا الحارس من الزاوية لا ما عد ذلك شيئًا مميزًا:فطالما عبرت الكرة الخط وفقًا قوانين اللعبة فلا تهم الطريقة التي أحرز فيها الهدف. في المقابل فإن كمال أداء شوشونوفا في الجمباز هو ما سمح لها أن تحرز العلامة الكاملة.

 

يبرز هذان المثالان الفروق التي وضحها فيلسوف الرياضة ديفيد بست في كتابه:الفلسفة وحركة الإنسان (الصادر سنة 1978)بين الرياضة ذات الهدف والرياضة الجمالية. ففي الرياضة ذات الأهداف هناك أهداف قابلة للقياس تؤدي للفوز كمثل تسجيل الأهداف أو عبور الخط المحدد.أما في حالة الرياضة الجمالية كالجمباز مثلًا أو التزلج الفني على الجليد أو الغطس بعد القفز من اللوح فإن ما يحدد النتيجة هو التحكيم الموضوعي للخبراء، بل إن البعض حتى يتساءل عن إذا ما كانت الرياضة الجمالية رياضةً أصلًا لأنها تتضمن تحكيمًا.

 

لربما كان هذا النوع من الشك والارتياب غير مُستحق، فالجمباز، والتزلج الفني، والتزلج على الثلج، والتزلج على اللوح، والركمجة، والغطس بعد القفز من اللوح لا زالت تتطلب الالتزام بمعايير موضوعية، فالدرجات الممنوحة للمتسابقين ليست ممنوحة بناءً على الميزات الجمالية كالألق أو الجمال أو التأثير العاطفي ولكن بناءً على سلسلة من الحركات التي يجب أن تؤدى بالترتيب وبناءً على قواعد محددة. فلربما قرر لاعب الجمباز أن يستخدم قوسًا كدعامة في رقصة جميلة ولكن ذلك لن يضيف أي نقطة لما يحرزه حيث أنه خارج عن قوانين رياضة الوثب. فقوانين رياضة الوثب تحدد كم عدد النقاط الممنوحة أو المخصومة لنجاح حركة معينة أو فشلها، وليس هناك أي نقاط ممنوحة للجمال أو الإنطباع العاطفي،ولذلك هناك نوعٌ من الأداء الجمبازي يترك الجمهور في نشوة تفشل في جعل صاحب الأداء يربح المنافسة:الجمال الذي يعجب الجمهور ليس أحد معايير التقييم.

 

لذا وحتى في الرياضة الجمالية ليس الجمال بحد ذاته ما يُحسب، بل هو ظهور نوعٍ محدد من المهارات هي ما تربحك الميدالية الذهبية، و مع ذلك فهناك صلة بين ما يعتبر بالمجمل مهارة وما يُعتقد بأنه جميل. لربما أخطأ الفيلسوف الأمريكي بول زيفّ الذي أعلن في كتابه المعنون بـ: ضد الجمال (المنشور سنة 1984) أن الجمال لا يهم في الرياضة بادعائه عدم وجود علاقة إطلاقًا بين الاثنين. فالسقوط على الأرض مهما كان متعمدًا لا يقيم في الرياضات الجمالية لأنه لا يكافئ المهارة وكذلك أن تكون بشع المظهر. وتكمن المشكلة في الحكم للفصل بين الأفعال ضعيفة التنفيذ (البشعة)الصعبة و بين المنفذة ببراعة (الجميلة) ولكنها سهل، ففي الرياضات الجمالية تُمنح نقاط أكثر بالمجمل للأفعال الأخيرة، ولكن بعض المخصصات ممنوحة للمراحل الأصعب.ففي رياضة الغطس بعد القفز من اللوح على سبيل المثال سيحدد المتنافسون صعوبة الغطس الذي سيؤدونها، فكل غطسة تستحق عددًا محددًا مسبقًا من النقاط (كلما زادت صعوبتها كلما زاد عدد النقاط)، والنقاط الكاملة مبنية على الغطسة الأفضل وتخصم النقاط من أي شيء أقل منها. وسيحاول الغطاسون عامةً تأدية أصعب الغطسات التي برعوا فيها ليكسبوا العدد الأكبر من النقاط.

حتى في الرياضات غير الجمالية حيث يكون الفائز هو من حقق هدفًا معينًا كإنهاء السباق أولًا أو إدخال الكرة في الشبكة فهناك وجود لعلاقة بين المهارة والتقدير الجمالي.صحيح أن كل هدف في كرة القدم يحسب مماثلًا لغيره لكن المعجبين يقدرون المهارة التي تؤدي إلى هدف أكبر من ذاك الناتج عن تحسس عرضي بغض النظر الاستعراضات من قبيل “هدف الشهر”.

 

بينما ترتبط المهارة عادةً بالجمال إذا ما كانت المهارة أصلية فإن لها ظهورًا أكبر حتى حين لا تحقق الغرض المحدد. وكان الفيلسوفان تيرزا لاسيدرا و ستيفين مامفورد قد طرحا فكرة أن صفة “العبقرية” يجب أن تُعد نوعًا جماليًا صحيحًا في الرياضة، وحدد كلاهما خمس صفات للعبقرية الرياضية:الإبداع، الابتكار، الأصالة، الحرية، وخلق الإلهام للآخرين ليتبعوه مستشهدين بالأمثلة التالية:دييغو ماردونا، شوشونوفا، جان بوكلوف، ديك فوسبوري. حيث أظهر ماردونا رؤيةً و وعيًا غير مسبوقٍ في كرة القدم، فكان قادرًا على شق طريقه بلا أدنى جهد واضح بين لاعبي الفريق الخصم وبسيطرة تامة على الكرة. أما أصالة شوشونوفا فكانت في تطوير حركات ربط جديدة بين مجموعة حركات الجمباز مما منح ألقًا و سلاسةً لعمل روتيني لم يره أحد قبلًا. بينما طور بوكلوف وفوسبوري تقنيات مكنت قدرات الإنسان المحدودة قبلًا أن تُصبح فوق الوصف، فبوكلوف بابتكار وضعية حرف V في التزلج على الجليد، و فوسبوري بحركة إعادة الرأس إلى الخلف قبل القفز المرتفع أو ما يُسمى بـ “تأرجح فوسبوري”.

كان لاسيدرا ومامفورد على حق طبعًا باقتراحهما حول كون العبقرية هي الميزة الأكثر جمالية في الرياضة. فأنت قادرٌ على الفوز سواء في الرياضات الجمالية أو غير الجمالية باكتساب النقاط المحددة بقواعد معينة ببساطة، لكن جمال الأداء الأصيل الحقيقي يستقر في ذاكرتنا.هو ذاك الجمال الذي يهم فعلًا في الرياضة وهو الذي نحتفي به بحق.

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .