الرئيسية / احدث التدوينات / روسيا 2018: كأس العالم ذكريات وأحلام

روسيا 2018: كأس العالم ذكريات وأحلام

c62fdbd201d4bf52138f94b52d9ecf52
كرة القدم هي مرآة العالم ..ادواردو غاليانو 

 لعل بطولة كأس العالم هي تنزيل واقعي لمقولة غاليانو، فالبطولة التي تشارك في تصفياتها كل دول العالم بالتقريب، تعكس نهائياتها صورة مصغرة عن العالم، ولو اختلف حجم تمثيل كل قارة أو دولة فيها إلا أن الكل يشكل حضورا، بالمنتخبات أو بلجان التنظيم أو بالحكام أو حتى بالحضور من على المدرجات، تشكل البطولة كرنفالاً ينتظره العالم كل أربعة أعوام. يضاف كل مرة أبطال جدد وحكاوي جديدة انتصارات واحتفالات جديدة وخيبات وهزائم جديدة، وتبقى البطولة حدثًا ينتظره العالم كله لا فرق فيه بين أطفال قرية هندية نائية وموظفي بورصة في إحدى الأسواق الأوربية.

كأس العالم 1998 بفرنسا كان أول كأس عالم نشاهده، كان البث أرضيًا – وليت الزمن يعود، كنا نجتمع في دكان (على)الذي يملك تلفزيونًا بالأبيض والأسود، التلفزيون كان يتوقف أحياناً أثناء لحظات حاسمة في المباراة فيقوم بضربه بأنبوب إطار الدراجة الداخلي فيعود للعمل كأن شيئاً لم يكن مع بعض الطنطنة والشخشخة، كنا شغوفين بالبرازيل ورونالدو الظاهرة – حيث كان معجزة ذاك الزمان – لدرجة أننا كنا نظن أن منتخب البرازيل لا يخسر – على الأقل في حضور رونالدو –  ولكن زيدان ورفاقه قالوا كلمتهم في النهاية، كان الأمر قاسيًا وغير قابل للتصديق بل صادمًا، وخلال أشهر تلت الحدث كنا نتبادل أحاديث عن احتمالية إعادة المباراة وعن السحر الذي استخدمه الجمهور الفرنسي مستدلين بديك أظهرته كاميرات المباراة النهائية يحمله مشجع فرنسي وهي قرينة سحر مكتملة على الأقل لأطفال مدارس.

34193116_1693607034053812_8499988957390438400_n

في العام 2002  تحديدًا كان الحدث عظيمًا بتنظيم البطولة في آسيا (كوريا واليابان) يمكن أن تسمى بطولة 2002 ببطولة الأحداث والمفاجآت ففي المباراة الافتتاحية ذل ضيوف ورفاق المنتخب الفرنسي بطل النسخة السابقة ثم تقدموا في البطولة في أول مشاركة ليصلوا لربع النهائي بأداء مدهش من حاجي ضيوف وساليف دياو وهنري كامارا والأنيق خاليلو فاديجا، كان أداء السنغال خرافيًا بمدربهم الفرنسي المغمور برونو ميتسو، ولكن لم تكن السنغال وحدها من أدهشتنا والعالم حينذاك، فتركيا قدمت أداءً خرافيًا بلاعبين ذوو قيمة عالية ومهارة كالأصلع حسن ساس والهان مانسيز وهاكان سوكور القائد, توجته بالحصول على المركز الثالث بعد تجاوزها للسنغال تحديدًا في ربع النهائي. ولم تكن كوريا الجنوبية بأقل حظًا وأداءً من منتخبي السنغال وتركيا فقد قدمت أداءً لم تخذل فيه مشجعيها بل إنها تأهلت لنصف النهائي عبر بوابة ايطاليا بهدف ذهبي قاتل لاهن جوان هوان – أظنه كان سببًا لإلغاء قانون الهدف الذهبي في كرة القدم.

كانت البطولة تبث نهارًا لفارق التوقيت وتطلب الأمر أن نترجى “المعلم” ليسمح بانتهاء يومنا مبكرًا فالأمر كان يستحق، النهائي كان عظيمًا وهو يجمع ألمانيا والبرازيل، السامبا جاءت بتشكيلة ضمت أفضل لاعبيها خلال آخر ثلاثين عام، بينما ألمانيا وكالعادة فهي منتخب الحضور الدائم والأداء الثابت، اوليفر كان كان يمني نفسه بالخروج من البطولة بشباك نظيفة ولكن الظاهرة رونالدو بقصة شعره الغريبة حينها لم ينتظر حتى انتهاء الشوط الأول ليدك شباك كان،  كان فوزًا خامسًا للبرازيل بالكأس لتحلق بالرقم القياسي، لم يكن رونالدو الظاهرة بأهدافه الثمانية نجمًا وحيدًا في تلك البطولة بل كان رونالدينهو نجمًا صاعدًا آخر وكان هدفه في شباك سيمان احد أجمل أهداف كأس العالم.

 33943927_1693607284053787_246874419526369280_n

 

ثم كان علينا أن ننتظر أربع أعوام أخرى لتعود الكأس إلى أوربا تنظيمًا وفوزًا في العام 2006، ورغم أن ايطاليا فازت بالبطولة إلا أن فرنسا شكلت الحدث الأبرز في البطولة عبر زيدان والذي اعتزل الكرة بعد نطحته الشهيرة، كما أن احد أصدقائي كان قد راهن بهاتفيه في مباراة نصف ربع النهائي بين البرازيل وفرنسا لصالح البرازيل ولكن فرنسا وبعد أداء خرافي من زين الدين زيدان وتمريرة جميلة لتيري هنري أحرز منها هدفًا تأهلت، لم يفقد صديقي المراهن هاتفيه فلم يعز على المراهن الفائز زيادة المصاعب عليه ولكنه كان يردد كلما يلتقيه بداخلية الجامعة ” بالملمتر يا حبيبي بالملمتر ” مرددًا تعبير روؤف خليف على تمريرة زيدان وهدف هنري.

 33944436_1693607464053769_9219952968009252864_n

الحدث الأبرز في كأس العالم 2010 هو البوبوزيلا آلة النفخ الأفريقية التي ملأت المدرجات لدرجة أثارت تذمر لاعبي المنتخبات الأوربية، لكن لا حياة لمن تنادي فهذه هي إفريقيا بصخبها وإثارتها ورقصاتها وكأس العالم تظاهرة ثقافية فلم نكن لنحسب أفريقيا لولا الضوضاء والرقص وألوان إفريقيا التي ملأت المدرجات، الرجل الأبيض وبعد أن خطف الكرة الجميلة من الشوارع للتلفزيون وخطف اللاعبين الماهرين من ميادين الأزقة والحواري باسم الاحتراف كان عليه أن يتواضع قليلا ويلعب كرة في نفس الظروف التي أنتجتها،في جنوب إفريقيا كانت الإثارة في الشوارع والمدرجات تنافس إثارة الميدان كان الرقص حاضرا والألوان والأوشام وأوجه الحيوانات كانت إفريقيا تقول للعالم أنا هنا..

 

لم يكن نهائي كاس العالم 2010 انتصار لإفريقيا – بروعة وإثارة تنظيم جنوب إفريقيا – بقدر ما كان انتصارا للكرة الجميلة ممثلة بمنتخبي اسبانيا وهولندا اللذان قدما أجمل أداء في البطولة ثم لم تخنهما الظروف ليبلغا نهائي كان مسرحا للكرة الجميلة الذي اشتهرتا به، هولندا تكاد تكون رائد مدرسة الإبداع في أوربا بينما كانت اسبانيا بالتيكي تاكا أفضل المنتخبات شمولا وأداءً وللمفارقة فان مبتدع الكرة الشاكلة لمدرسة برشلونا كان هولنديا وهو يوهان كرويف، كانت نقطة التحول في المباراة عندما ارتدت تسديدة روبن المنفرد ناحية المرمى من قدم القديس ايكر كاسياس لتحول مسارها إلى خارج المرمى ومن ثم ليحسم الرسام أنيستا أمر المباراة قبل 5 دقائق من انتهاء الزمن الإضافي، لتفوز اسبانيا باللقب الأول وتحقق نبوءة الإخطبوط بولو الذي صدقت كل توقعاته في هذه البطولة، لربما كان هدف الفوز هذا أجمل وأغلى احتفاء بالرسام أنيستا الذي يكاد يتفق في انه احد أجمل من لعب الكرة في العالم، الأمر عند أنيستا لا يتعلق بالأفضلية بل بالجمال وعند الحديث عن جمال كرة القدم فإننا نتحدث عن أمر غير إحراز الأهداف والفوز، عن هؤلاء الذين يجعلون مباريات كرة القدم لحظات جمال متتابعة لا كصراع يتحدد بالنتيجة، نتحدث عن نوع خاص من اللاعبين الذين يتمنى مشاهد كرة القدم ملامستهم للكرة حتى ولو كان منافسا، اللاعبين الانيقين الذين يتعاملون مع كرة القدم كفن أكثر من كونها حرفة واحتراف، اوكوشا مثلا وزيدان رونالدينو وروي كوستا ولا ننسى الهولندي سيدورف.أنيستا لم يتوج بلقب فردي عالمي ولكن من المؤكد أن كل الألقاب لم تكن لتساوي قيمة كأس العالم 2010 وهو للمفارقة كانت تلك الكأس الأولى لمنتخب اسبانيا، انيستا الذي سيشارك للمرة الأخيرة في كاس العالم سيكون ومنتخبه مرشحا للفوز كالعادة ومن المؤكد انه لن يكون بنفس نشاطه قبل 2018 ولكن من الأكيد هي مناسبة للاحتفاء الأخير به فلو حمل الكأس مرة أخرى فانه سيكون انجاز يصعب تكراره للاعب اسباني – اقصد حمل كأس العالم لمرتين

   33994728_1693607670720415_5834056800613171200_n                                                                                

 بعد إفريقيا كان العالم موعودًا بإثارة أكبر، كأس العالم ستنتقل إلى أمريكا الجنوبية، هي ليست مهد كرة القدم لكنها قارة مليئة بالحياة حتى في كرتها، اشتهرت بنجومها الماهرين داخل الملعب والمشاغبين خارجها لا ابتداءً بماردونا وروماريو ولا انتهاءً برونالدينو، قارة مهرجانات الرقص والحكاوي وعصابات المخدرات، الأكثر إثارة هو أن كأس العالم ستنظم في البرازيل بذاتها، امتلأت شوارع مدنها بالأطفال والمتطوعين الذين ملئوا الشوارع ألواناً مبهجة.

وكما توقع كان كل شيء مثيرا في بلد تعيش على كرة القدم، كأنما الحياة كانت قد توقفت لصالح كرة القدم، الجماهير الفقيرة التي احتلت شوارع العاصمة بلافتاتها صباحًا محتجة على كلفة تنظيم كأس العالم كانت تملأ الملاعب ليلاً لتشجيع منتخبها، هناك وقت للاحتجاج ولكن كأس العالم في البرازيل هو ربما شيء يحدث مرة واحدة في العمر.

 لم يكن منتخب البرازيل من حيث لاعبيه بثقله المعتاد في البطولات السابقة ولكن اليافع نيمار كان يحمل حلم مشجعي العالم ومدرجات ماركانا، ألمانيا كانت تتهيب فرصة أخد ثأرها القديم، ثم حين لاحت الفرصة انقضت على البرازيل بلا رحمة وكانت هزيمة تاريخية للمنتخب البرازيلي أبكت المشجعات الجميلات.

 تعود البرازيل بحلم اكبر وبلاعبين أفضل وربما انضج يراودهم الحلم دائمًا وخلفهم دعوات محبي كرة القدم العالمية بآمال عراض على نيمار وكوتينهو وخيسوس الطفل الذي كان متطوعًا لتلوين شوارع مدينته لتستقبل كأس العالم السابق يجد نفسه هذا العام قائدًا لخط هجوم منتخبه فهل يلون سماء البرازيل بألوان النصر؟

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان