الرئيسية / احدث التدوينات / روسيا 2018 : ملذات المرات الأولى”في مديح كأس العالم 2002 “

روسيا 2018 : ملذات المرات الأولى”في مديح كأس العالم 2002 “

2017_8_4_16_55_37_708

في ربع نهائي الكأس .. وفي مباراة ماراثونية امتدت لركلات الترجيح بين إسبانيا وصاحبة الأرض كوريا الجنوبية .. يتقدم اللاعب الإسباني خواكين للركلة قبل النهائية .. يبدو قلقًا وغير واثق .. يتردد قبل وصوله للكرة، يركلها فيصدها الحارس .. ينصدم الأسبان بينما يصرخ الكوريون فرحًا .. يمشي خواكين ناظرًا بوجهه القلق الخائب إلى الأرض .. ألتفت أنا بنفس النظرة لصديقي بجانبي وأسأله:

“هسة خواكين دا ناس إسبانيا حيعملو ليو شنو؟!” ..

فقال صديقي بثقة .. “حيقطعو ليهو راسو” !!

كان صديقي جادًا فيما يقوله، وكنت أنا جادًا في تصديقه .. كانت أعمارنا ما بين الثامنة والتاسعة، بمعنى أنه هذه أول مرة نشاهد كأس عالم .. وتقريبًا أول مرة نشاهد كرة قدم أصلًا! .. خصوصًا بهذه الجودة وهذا التشجيع والشغف واهتمام الناس بها .. فاهتمينا معهم أيضًا .. لذلك حين رأينا صدمة الإسبانيين بعد ضياع ضربة جزاء خواكين كان العقاب المكافئ لها هو قطع رأس اللاعب .. وأتذكر أني لم أنم مرتاحًا لعدة أيام وأنا أتخيل خواكين مقطوع الرأس ..

يقول الأدباء أن القراءة الأولى هي القراءة الحقيقية والأصدق .. أما الثانية فهي مجرد تذكر وانحياز لتفسير ما .. كذلك النظرة الأولى .. الحب الأول .. السماع الأول لأغنية ما .. التجربة الأولى لفعل أي شيء .. حتى القبلة الأولى .. كل المرات الأولى التي لا تعود أبدًا ولا تتكرر.. بل تظل تبحث عنها في كل ما يليها من مرات .. “ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان”.. كذلك كان كأس العالم 2002 بالنسبة لجيلنا من مواليد أوائل التسعينات .. فقد أتانا في أعمار الثامنة والتاسعة والعاشرة .. أي في بداية وعينا بالأشياء وبداية تماسك ذاكراتنا .. فترة الطفولة الأولى التي لا نستطيع فيها التفريق بين الواقع والخيال والحقائق والخرافات .. فنشاهد فيها العالم بكل جوانبه ومراياه وأساطيره وحكاياته ونصدقها فورًا ونعيشها .. فاصطدمنا في هذه الفترة بكأس العالم واهتمام الناس به .. ثم شاهدناه بنفس الطريقة التي كنا نعيش بها في تلك الأيام .. مشاهدة امتزج فيها الواقعي بالسحري .. فكنا نبالغ في ردات فعلنا .. نحتفل بالأهداف أكثر مما يجب .. نحزن مع خيبات الخارجين ..  وكنا نشجع البرازيل .. وكنا نراهم حفنة من الأبطال الفضائيين الذين جاؤوا ليلاعبوا فرق الأرض .

تميز كأس العالم 2002 لم يكن للأسباب التي أسلفت ذكرها فقط .. بل أيضًا كان مبثوثًا على القنوات المفتوحة فيشاهده كل الناس من بيوتهم .. “وكان ذلك آخر عهدنا بالبث المفتوح قبل بداية عهد التشفير” .. لذلك نتذكره الآن على أنه آخر الأيام الجميلة .. هذا البث المفتوح خلق من كأس العالم طقسًا داخل كل بيت .. يشاهده الرجال والنساء معًا ويعيد الناس ضبط توقيتاتهم عليه ومواعيد الوجبات والطلعات .. وجعله كذلك موضوعًا رئيسيًا في ثرثرات النساء وتغلب على شغف الشباب والرجال بالكشتينة وحتى كبار السن تجده موضوعا في جلساتهم .. وبالتأكيد كان الهم الأعظم بالنسبة لنا نحن الأطفال .. شاهدناه في عشرات الأماكن .. كنا دون قصد نشاهد كل مباراة في بيت مختلف .. فتجدنا شاهدنا المباراة وأفرغنا مطبخ البيت، بعض المبارايات شاهدناها في دكاكين، “وأتذكر بعض الصبية الذين يستغلون انشغال سيد الدكان ليدخلوا ويأخذوا بعض الحلوى” ..أما نحن فحلاوتنا كانت أن تفوز الفرق التي نشجعها .. فمع أيام الكأس الأولى كان يؤرقنا سؤال وجودي .. (من سأشجع في كأس العالم؟) .. ليس الفريق الأوحد فقط وإنما في أي مباراة علينا أن نشجع طرفًا فكيف سنختار .. كان كل طفل يحل هذه المعضلة بطريقته .. بينما كنت أنا أراقب الحلول وأحاول البحث عن حل لي .. أحد أصدقائي كان يؤجل التصريح بالفريق الذي يشجعه حتى بداية الشوط الثاني .. ثم يختار الفريق الأفضل ويقول أنه يشجعه .. أما ابن خالتي مثلًا فاختصر الأمر بقوله .. (أنا أشجع المنتصر) .. نسأله من هو المنتصر .. فيقول .. (أيا كان المنتصر فأنا أشجعه) .. كنا أطفالًا ولم نفهمها كخدعة .. بل هي حيلة ذكية منه بأن يهزمنا جميعًا حتى قبل بداية المباراة .. لذلك الكثيرون اعتنقوا هذا المذهب وصرحوا بأنهم يشجعون المنتصرين .. وذلك أسميناه حزب “المنتصرون” .. والحقيقة كنت أحسدهم جدًا على موقفهم .. فهم يشاهدون المباراة بكل هدوء ولا يعانون من أي قلق .. وكل نتائج المباراة في صالحهم .. لذلك هم مطمئنون جدًا .. لكني لم أستطع الانضمام إليهم .. فلم يكن يعجبني الاطمئنان هذا .. كنت أحب أن أعاني أولًا قبل أن أنتصر .. لذلك ولكي أعاني أقل اخترت تشجيع فريق البرازيل .. “والذي كنا متأكدين من أنه سيفوز في أي مباراة” .. وأتذكر مباراتهم مع انجلترا في ربع النهائي حين تقدمت انجلترا عليهم بهدف .. أتذكر دهشتي الكبيرة وكأن أحدًا أيقظني عن حلم .. كنا جميعًا مندهشين جدًا .. كيف يمكن لفريق أن يتقدم على البرازيل وحد صفر .. كدت أن أبكي !

أيضًا كأس العالم 2002 كان متميزًا في تفوق الفرق غير الأوربية على الفرق الأوربية الكبيرة .. وبالأخص تألق الفرق الإفريقية والآسيوية .. فكوريا الجنوبية أخرجت إيطاليا وإسبانيا، والسنغال هزمت فرنسا حاملة اللقب وأخرجت السويد من دوري ال16 بهدف كامارا الذهبي المشهور ….  “ومن لا يتذكر هدف هنري كامارا” .. كانت المباراة في شوطها الإضافي الثاني، وكانت كل هجمة تلوح بنهاية المباراة نسبة لقانون الهدف الذهبي في ذلك الوقت، يلمح الحاج ضيوف كامارا متقدمًا نحو المرمى فيغمز له الكره بخلفية جميلة .. يستلم كامارا الكرة ويدخل ضربة الجزاء ويمر من لاعب ثم يرميها في الزاوية البعيدة للمرمى .. أعتقد أن كل إفريقيا قامت في تلك اللحظة المجيدة .. كل دول العالم الثالث والثاني احتفلت بذلك الهدف ذا النكهة التحررية .. بذكريات الاستقلال وبطعم الاستعمار العكسي .. حتى المعلق الإماراتي عدنان حمد صار يهلل ويكبر ويردد في الشهادة ..  السودانيون احتفلوا به في الشوارع والبيوت والنوادي وما زالوا يتذكرونه إلى الآن .. أما بالنسبة لنا نحن الأطفال فأولا زاد من إيماننا وتديننا ! وصرنا متأكدين أن السنغال فازت لأنهم مسلمين !.. بعد أن كنا نظن أنهم يفوزون بالسحر الذي اشتهر به الأفارقة!! .. فقد قيل أن الحارس الأوربي رأى الكرة التي تتجه نحوه أسدًا لذلك ارتمى بالجهة الأخرى .. أما بالنسبة لتفوق كوريا الجنوبية على إيطاليا وإسبانيا فقد كنا نعزوه لأنها صاحبة الأرض والجمهور .. ومن المحرج ألا يفوز صاحب المكان .. خصوصًا أن رئيس الدولة كان يحضر مبارياتهم في الإستاد فيتبرر في رؤوسنا لماذا يركض لاعبي كوريا بسرعة .. لكن لا أحد منا يسأل لماذا تفوز البرازيل .. كنا نعلم مسبقًا أنهم حفنة من الأبطال الفضائيين الذين أتوا ليلاعبوا فرق الأرض ..

أهداف ريفالدو مثلًا .. خصوصًا ضربة جزائه ضد تركيا والتي حين اقتربت الكاميرا من عينيه كان ينظر بتركيز للجهة التي سيرمي فيها الكرة .. فاشتهر باسم هدف “النظرة” .. أيضًا أهداف روبرتيوكارلوس المشهورة بمعارضتها لقوانين الفيزياء وهدفه الصاروخي في الصين .. مراوغات رونالدينيو الذي كان مجرد لاعب بديل لكن ملامح الأسطورة بادية عليه .. ثم انطلاقات وأهداف الظاهرة الأعظم رونالدو .. والذي مع كل هدف يسجله كنا نتهامس بأن لا أحد يستطيع تسجيل الأهداف بنفس طريقته .. هذا الفريق العظيم جعلنا نقدسه لكنه مع كل مباراة يعطينا أسبابًا أكثر لهذا التقديس .. حتى المباراة النهائية ولتي قطعت الكهربا في شوطها الأول مما جعل شوارع قريتنا ممتلئة بالباحثين عن مكان ليشاهدوها فيه .. ما زلت أذكر الطريقة التي امتلأت به برندة أحد الدكاكين الذي يحوي كهرباء .. البرندة أيضًا عارضت قوانين الفيزياء في ذلك النهار إذ اتسعت لأضعاف حمولتها من الناس .. كل هؤلاء حظوا بمشاهدة رونالدو الذي أتى بتسريحة غريبة ضاعفت فينا نحن الأطفال يقين أنه كائن فضائي .. كل هؤلاء حظوا بمشاهدته وهو يدخل هدفان في شباك فريق ألمانيا العنيد ثم يرفع كافو كأس العالم .. وينتهي أول وأجمل كأس عالم أشاهده .. الأول الذي سأظل أتذكره دائما وسأظل أبحث عنه في كل كأس عالم يأت .. وأتساءل .. هل لأنه فقط كان الأول .. أم لأننا شاهدناه في تلك الفترة السحرية من طفولتنا .. أم أنه كان فعلاً بتلك الروعة !

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .