الرئيسية / احدث التدوينات / عزلة الحكومات الأفريقية

عزلة الحكومات الأفريقية

1200px-Africa_satellite_orthographic

بقلم: محمد سالم مهدي

الآن نرى الفقر أقرب إلينا من أي وقت مضى؛ ليس في السودان وحده و إنما في عموم البلدان الأفريقية و خصوصًا تلك التي تمتلك معتقدات راسخة بشأن إدارة حياتها..و هي ليس معتقدات تنبني على فهم أو تحليل و إنما قائمة على الأهواء و الصدف.

لقد رأينا جميعًا السقوط المتتالي للحكومات الأفريقية في الآونة الأخيرة؛ من حكومة يحي جامع إلى حكومة موغابي و من ثم إلى حكومة السودان الآيلة للسقوط لابد…أو التي سقطت و لكنها تتكئ على حائط غير لائق بها..أو لا يشبه تجربتها في تركيبته السياسية؛ فالكل يعرف شكل و نوعية التركيبة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية للدول التي تساند الحكومة السودانية الآن و هي دول لم تخض ذات التجارب التي خاضها السودان فتجاربها مختلفة بشكل كامل؛ و ليس هذا ما يهم.

المهم فعلا و الواجب مناقشته؛ هو التذبذب الغريب في تعامل تلك الدول المساندة و ذلك لكونها لم تمتلك هذه الحالة المدنية المتقدمة عبر خوض التجارب القاسية و التكون البطيء؛ و إنما امتلكتها عبر آليات من عالم آخر..وعي آخر..دول أخرى ذات أجندة.

و هذا ما ساهم كله في انعدام حالة السيادة الوطنية في تلك البلدان؛ وهكذا نرى بوضوح بلادنا (و لا نقول الحكومة لأن هذه العلاقات و شروطها و ديونها؛ ستعوق حتى الحكومات الديمقراطية المنتخبة التي ستأتي)..نرى البلاد تستند على”حيطة مائلة”.

و في سياق آخر فإن مسألة العلاقات الدولية لا ينفع فيها هذا القفز غير المفهوم والذي هو بلا بوصلة..ففي كل مرة نجد الحكومات الأفريقية تتقلب في علاقاتها مع مجتمع السياسة العالمية، وهذا من جانب، و من جانب آخر فإن هذه الحكومات بسبب ضعفها الاقتصادي و القانوني المدني و التعليمي أيضا؛ لا تستطيع التعامل مع العالم بروح الانفتاح و التسامح و ذلك لأنها تشعر بالدونية..أو هي حقًا دون المستوى السياسي المحترم و لذلك تعيش تحت رحمة هذا المزاج السياسي العالمي الذي قد يلفظها و يقصيها تحت أي لحظة.

النتائج القاتلة:

مشكلة هذه الحكومات أنها تدمر النظام الاجتماعي و تجعل الوعي الوطني غير مستقر و مفكك، و لا يعي الدور المنوط به فعله و ذلك في كل المستويات؛ فحتى المواطنين الذين ينشطون في حقل التفكير السياسي يصيرون غير آبهين لمشروعاتهم و ذلك بعد أن تصير كل برامجهم هي ردة فعل لأفعال هذه الحكومات الشمولية و هذا ما نلاحظه واضحًا هنا في السودان و جنوب السودان و مصر و دول أخرى ذات حالات مشابهة.

و هي-الحكومات الشمولية- تجعل الإنسان /المواطن ضعيفاً؛ و بالتالي محطمًا أمام الوعي العالمي المتقدم و التنافسي.
فالإنسان الذي تنتخبه الحياة كمثل أعلى؛هو الذي يتحمل مسؤولية نفسه كاملة و يتواصل مع العالم بسيادية من أجل التحقق و الحصول على أكبر فرص ممكنة؛ و ذلك على المستويين الفردي و الوطني العام.

*مشكلة الحكومات الشمولية ليست في كونها تعطل الحرية و مناخها فحسب؛ و إنما تكمن في تدمير التوق الإنساني للتحقق، و في تفكيك و محو المشروعات الجادة التي تعمل بهدوء من أجل التغيير..و لقد ظهر هذا واضحًا في تجربة الشعوب الأوربية كلها؛ فهي بسبب القمع و الشمولية التي تعرضت لها تحاول أن تبدو و كأنها غير مسئولة عن المجازر الاستعمارية التي ارتكبتها في ما بعد.. و هي لمدة طويلة كان مواطنوها يتحققون على حساب آخرين و علينا ألا ننسى هذه النقطة المركزية في علاقاتنا مع العالم اليوم.

و في جانب آخر.. أنظروا ..أنظروا..أنظروا إلى التحركات الإسرائيلية و الاستجابة التي تلقاها لدى الكثيرين…إن مجرد تعرض اليهود للتجذير و الحرق من قبل النازيين؛ صار مبررًا لاحتلالهم دولة فلسطين ذات الحدود المحددة و المعروفة لجميع الدول.

و بالطبع ليست هذه نقطة أساسية؛ فالمقصد هو توضيح شكل الآثار التي تبقى في تجربة ووعي كل شعب و تعمل على تشكيل مزاجه و صياغة قانونه العام/الدستور…ذاك الدستور الذي من ضمن مواده كيفية التعامل مع الدول و كيفية تصنيفها(متقدمة/غير متقدمة/مأمول في تقدمها/كانت متقدمة/كانت مستعمرة و لا تزال).

و صحيح أن دولًا كثيرة قد تجاوزت تلك الذكريات البشعة وحسبتها كأي تجربة و صراع إنساني كان لا بد من حدوثه لأجل اكتساب خبرة التطور؛ و لكن شعوب كثيرة و محسوبة على المدنية و التقدمية لم تستوعب هذه التجارب القاسية على نحو إنساني..فهي إلى اليوم ما زالت في زوالها و مشروعاتها اللامشروعة بحسب القوانين البشرية المحددة في ميثاق 1948 لحقوق الإنسان.

*و على حكومات الشعوب الأفريقية أن تتعامل بجدية مع هذا الصراع..و أن لا تتعامل و كأنها ليس طرفًا فيه؛ فالحقيقة الأكيدة أن هنالك صراع عالمي يقوم بجانب المصالح على أشياء أخرى؛ كالعقائد و الديانات و المزاج الثقافي المشترك.. و كذا على الشعوب “المشملة” أن تعي أنها طرف في الصراع حتى و لو بعد حين.

*و وسط كل هذا فإن الخطاب السياسي التفصيلي أمر مهم؛ فالسياسة ليست أدبًا و موسيقى حتى تخاطب الناس بالتعميم و التجريد.

و إن الدخول في السياسة و التكتل الحزبي من أجل ممارستها؛ يتطلب مشروع تفصيلي محدد كالذي يقدمه ايمانويل ماكرون و الرئيس الألماني فرانك شتاينمير و غيرهم من أصحاب البرامج المحترمة.

و نلاحظ على النقيض؛خطابات تعميمية مثل خطاب عمر البشير و الرئيس الفلبيني و خطاب الرئيس المصري السيسي و خطابات كثيرة أشبه باللاخطاب لأنها لا تعترف أن هنالك مخاطبين/مواطنين أصلًا.

و كل ذلك مما يعطل المسألة السياسية و الوطنية كلها و يجعل العالم غير مفهومًا لنا..و غير معروف الاتجاهات.. و يجعلنا في عزلة..عزلة تامة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة