الرئيسية / احدث التدوينات / عمرو خالد وفن الرهانات الخاسرة

عمرو خالد وفن الرهانات الخاسرة

عمرو

إذا كان الجميع طيبون حتى تتقاطع المصالح الشخصية مع النوازع الأخلاقية؛ فمن هذا المنطلق يمكننا القول بأن جميع رجال الدين من أولياء الله الصالحين حتى تتقاطع اراءهم وفتاويهم واجتهاداتهم الدينية مع المصلحة الشخصية والتي قد تكون مجرد منفعة مادية أو شهوة الظهور الدائم في كل مكان ولفت الأنظار أو مداهنة نظام حكم بما لا يتسق مع ما ألفه الناس منهم، وفي عصرنا الحالي وبعد ثورة الربيع العربي تحديدًا وظهور وسائل التواصل الاجتماعي أسقطت عن هذه التقاطعات ورقة التوت فأضحت ترى للجميع رؤيا العين فشهدنا تهاوي الكثير من الشخصيات التي كانت رموزًا يشار لها بالبنان قبل سنوات قليلة، ليس أولها عمرو وخالد ولا أظنه – للأسف – سيكون الأخير .

منذ ظهور عمرو خالد لأول مرة في العام 2001 عبر برنامج ونلقى الأحبة المذاع على قناة اقرأ والداعية المصري مثار جدل لا يتوقف إلا ليبتدئ من جديد . إذ أن سيل الانتقادات الذي ابتدأ من السؤال عن مؤهله من العلم الشرعي الذي يمنحه حق الوقوف والتحدث مرورًا بإسلوبه وطريقة طرحه وليس انتهاءا بشكله الحليق، كانت دومًا تُعبِر عن نفسها بمراجعات قدمها كثير من العلماء ترواحت ما بين الناصحة والمشنعة بالرجل، لكن كل هذه المآخذ لم تزد عمر إلا قبولًا لدى الشباب الذي أفتتن بكسر التابوهات للاسلوب الدعوي الكلاسيكي، المُبتلى بسندان الخطاب الجامد المحفوظ، ومطرقة الوعظ البكائي الذي يُذِكرك دومًا بسوء الخاتمة، وتوافد على محاضراته بالآلاف في كل مكان ذهب إليه خالد، لدرجة أقلقت الجهات الأمنية في مصر قبل أن تخيره في 2002 بين التوقف عن الدعوة أو مغادرة مصر، ليتجه خالد إلى لبنان ومنها إلى لندن بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري  .

لم يقلل هذا الابعاد من شعبية عمرو بل زاد في تأجيجها لدى الشباب، فيما واصل هو نشاطاته الدعوية عبر قناة اقرا ومشاريعه التي كانت تستهدف الشباب بصورة خاصة مثل ” صناع الحياة ” والذي لاقى تفاعلًا مميزًا في كل الدول العربية وغير العربية وقد ساعد عمرو أكثر أن هذه الدعوة لاقت ترحيباً لدى كثير من رجال الاعمال العرب.

في رمضان 2005 قدم عمرو برنامجه الأشهر – حسب وجهة نظري – ” على خطى الحبيب ” متناولًا فيه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ بداية الدعوة والصعوبات التي واجهها مستنبطًا منها العظات الاخلاقية والسلوكية بطريقة عرض لاقت رواجًا لافتًا لدى الشباب، رغم ان الانتقادات كانت ولازالت تلاحق الرجل مؤكدة على أنه مجرد حكّاء بارع يستدل باحاديث ضعيفة ويقدم مادة تعتمد في تأثيرها على الأداء التمثيلي الخاص به أكثر مما يليق برصانة المادة العلمية، إلا أن البرامج تواصلت في رمضان من كل عام وكذلك القبول والتأثير حتى اختارته مجلة تايم الأمريكية في عام 2007 كأحد أكثر الأشخاص تأثيراً في العالم، وكان ترتيبه الثالث عشر .

رحلة الهبوط :

قرر عمرو خالد العودة إلى مصر في 2010 في تحرك فسره البعض على أنه صفقة بينه وبين الحكومة المصرية من أجل تحسين صورتها أمام العالم أثناء الانتخابات المصرية، ورغم نفي خالد لذلك إلا أنه أطلق عبر فيس بوك دعوة إلى لقاء جماهيري مفتوح بالإسكندرية مساء اليوم التالي. مما جعل الشكوك تتزايد حول ” نية البحث عن مكان جماهيري له ” من قِبل عمرو و ” شبهة التوظيف السياسي ” من قِبل الحكومة .

ثم جاءت ثورة يناير والتي كانت الفترة التي شهدت ضبابية مواقف لكثير من الأشخاص الذين كانوا يحظون بإعجاب الشباب، من رجال دين وسياسيين وفنانين، لكن بالنسبة لعمرو خالد فقد كانت حالة الضبابية أكثر حدة؛ فالرجل أصبح مهووسًا بكل ما يمكن أن يبقيه تحت الضوء، فقام بتأسيس حزب مصر المستقبل عام 2012 ثم استقال منه – بحسب عمرو – لأسباب سياسية من جهة ورغبته في التفرغ إلى الدعوة من جهة أخرى. ثم اتجه للتأليف الأدبي فكتب رواية “رافي بركات وسر الرمال الغامضة ” وسط عاصفة من الانتقادات والسخرية التي طالته في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن كل هذا باعتقادي يعتبر من المتشابهات التي يصطف وراءها الناس بين مهاجم ومدافع، وكان واضحًا ان عمرو خالد لازال يراهن على شعبيته لدى الشباب فتمنحه طاقة الظهور مجددًا كأن شيئًا لم يكن، حتى جاءت قاصمة الظهر بالنسبة لخالد حين خرج في تسجيل مشهور قبل فض اعتصام رابعة فيما بدا أنه تحريض واضح للجيش بالتدخل واستخدام العنف .

بعد وقوع المجزرة البشعة لم يكن يخفى على الكل أن عمرو خالد يعيش أصعب مرحلة في مسيرته كداعية أو نجم مشهور – إن شئت الدقة – ولأن انقلاب يوليو 2013 لم يمنحه حتى ترف الضبابية التي منحتها له الثورة كان على عمرو أن يقرر أي الفريقين سيختار، وفي أي جهة سيقف، جهة المؤيدين التي كانت تحصل على الحماية من قبل العسكر بشرط المداهنة لها قليلًا والتطبيل لها كثيرًا، أو جهة المعارضين التي كان مصيرها السجن أو الفرار من وحشية المرحلة، وكان جليًا أن خالد راهن على شعبيته وقرر الاصطفاف في صف المؤيدين، لكنها كانت مقامرة غير محسوبة العواقب في ظل الوعي الذي تفتق بعد الثورة ومساهمة مواقع التواصل الاجتماعي في تزكيته، فلم تعد طريقة طرحه القديمة تجد نفس القبول لدى الشباب المسكون بقلق الأسئلة، وعدم استقرار الإجابات .

كل هذا لم يردع عمرو أو يقنعه برهانه الخاسر ليعيد حساباته إذ واصل الرجل ارتكاب الهفوات تلو الهفوات التي كانت تزيد من تآكل شعبيته وذبولها، ولا يبدو لي أن ما قام به قبل أيام عبر ظهوره الفاضح مروجًا لمنتج استهلاكي هو الأخير، فطريقة الإعلان المبتذلة بتوظيف الدين لمنح تأصيل شرعي للسلعة التي يروج لها، ومن ثم ظهوره المشتت والمُستجدي في فيديو الاعتذار الذي نشره على صفحته الرسمية على الفيسبوك بعد أن حذف فيديو الاعلان عنها، تكرس فكرة مفادها أن هذا الرجل الذي يعيش في برج عاجي يفصله عن معرفة طبيعة وعي الشباب الذين يخاطبهم الآن قد استنفذ كل رهاناته الآن وأضحى مجرد ظاهرة آلت للأفول .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .