فأر المكتبة

457f17ddd525e233b17dfff30267d3d9--art-pastel-pastel-paintings

منذ شهر مضى بدأ ينتابني شعور بأني لست وحدي داخل غرفتي الضيقة، أحس بان هناك رائحة غريبة تملأ المكان، وأصوات خشخشة خفيفة تصدر من تحت الأثاث المُتراكم، ومن ناحية مكتبتي الصغيرة تحديداً.حاولت جاهداً معرفة مصدرها، وتمييز الصوت الغريب، لكني فَشلت. 

تضاعف إحساسي بالأمر بعدما وجدت فضلات غريبة ذات أحجام صغيرة  بمقدار حبة القمح، مائلة إلى السواد وشكلها شبه مُستدير، وجدتها بالقرب من الرّكن الأيسر للمكتبة وجوار السرير الذي أنام فيه. وحينما راقبت هذه الأماكن جيداً تأكدت من أنه فأر. فأر له أسنان بارزة مثلي تماماً، يحرك رأسه بعصبية مفرطة، مُعتمداً على أربعة أطرف صغيرة في حركته، ينزلق بسرعة على الأرضية السراميكية؛ تساعده نعومة السطح على ذلك.

خفيفاً في حركته ينتقل من أسفل الدولاب الخشبي ويعبُر من تحت سريري إلى داخل المكتبة بمرونة عالية، مطلقاً صوته المميز ( صو صو صو ). وأنا أراقبه بإعجاب؛ وكأنه يقدم نفسه لي، يتكرر هذا الأمر مرتين في اليوم.

صرنا نألف بعضنا البعض، فعندما افتح المصباح الكهربائي صباحاً يطل برأسه الصغير ويلقي عليّ تحية الصباح. يختبئ بعدها ولا أراه مجددا. وحينما اخرج إلى عملي اترك باب الغرفة موارباً والذي اعتدت أن أغلقه، فلربما كانت له عشيقة يريد مقابلتها أو أهل يودُ زيارتهم.

وحين عودتي في المساء أجده يمارس نفس قلقه القديم، ينزلق على الأرض بخفة، يحرك رأسه الصغير بتوتر، يشمشم الكتب والأحذية، يقضمْ قضمات متوالية من الأوراق التي يجدها حوله. 

في الأيام التالية انتقلت العدوى إلى أبعد من ذلك، حيث بدأ يقضم الكتب، وكان أول ضحاياه كُتب لأنطون تشيخوف، ومن بعده كِتاب الأعمال الكاملة لكافكا، ثم رواية ظل الريح لصحابها كارلوس زافون، ثم انتقل إلى ألبرت كامو وتحديداً روايته الطاعون. يقضم أطرافها حين أغيب، ويختلس النظر إليّ وأنا أقرأ، وكثيراً ما قَضم من ذات الصفحة التي أقرأ فيها.

فكرت مرةً في مخاطبته والتحدث إليه، ولم أجد سوى أن أقول له (صو صو صو) هذه المناداة التي اختزل فيها كل تعابيري الخاصة نحوه، فبها ألومه على غيابه، أو أُظهر له حزني، وبالطبع أمازحه.

مرت أيام ونحن على هذا الحال، حتى فقدته صباح الأمس لأنه لم يُلقي عَليّ تحية الصباح؛ قَدّرت أنه ذهب لمكان ما وارتضيت بهذا التفسير، راقبت الكتب الموجودة أسفل المكتبة فوجدتها سليمة وخالية من القضم. لم أجد فضلاته في مكانها المعتاد، حتى عند المساء لم أجدها أيضاً، في المكان الذي أعدت عليه. لم أجد أثرا لقضمتاه على الكتب. وحزنت لذلك كثيرا. 

وفي مقبل الأيام لاحظت فيني أشياء غريبة فعندما ادخل الغرفة انزلق انزلاقا على أرضيتها السراميكية، علاوة على ذلك اقضم أجزاء كبيرة من الكتب بدلاً من قرأتها، وحينما نادت عليّ أختي الصغرى أجبتها بـ( صو صو صو).

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

*النص الفائز بالمركز الثالث ضمن الدورة الخامسة عشرة لمسابقة احمد بوزفور بالمغرب. والذي تم اختياره من ضمن 421 نص شاركت من 22 دولة. 

وذلك بعد أن أسدل الستار عن فعاليات مهرجان مشرع بلقصيري الوطني الرابع عشر للقصة القصيرة. حيث احتفت الدورة بالناقد نجيب العوفي  وذلك أيام الرابع والخامس والسادس من  مايو 2018. 

وقد كان المركز الأول من نصيب الكاتب والقاص العراقي/ عقيل فاخر الواجدي عن قصته (لا ذاكرة للوطن ).

والمركز الثاني من نصيب الكاتب والقاص المغربي/ كريم بلاد عن قصته ( الكأس ).

حيث تكوّنت لجنة القراءة من القاصّين:

-احمد بوزفور.

– المصطفى الكليتي.

– عبد السلام الجباري.

– رشيد شباري.

المسابقة تنظمها جمّعية النّجم الأحمر للتربية والثقافة والتَنّمية الاجتماعية بمشرع بلقصري.

 

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان