فرانكشتاين

ايمن

      بعد شهور عديدة من مفارقة عوائلنا، في مدرسة خور عمر الثانوية العامة، ولساعات من غوص أقدامنا في الأوحال الرملية، دون العثور على ضوء السحر، وسط الرائحة الطينية الرائعة، كان علينا تلمس الظلام لإكتشاف بنية الليل السرية، أن نتخيل القطع القاتمة للسلك الشائك، وهي تخرج من مخبئها في الطريق، حيث يسامرك شعور بأنه لا يوجد شيء بعده، ويتناهى إلى سمعك عواء الكلاب، كما لو كانت القرى تتحرك لتُقرب وتُبعد الأصوات، لكنها ما زالت بعيدة، والرياح تنافقنا المسافة.

     اليوم هو الجمعة؛ وبإمكاننا الخروج لزيارة الأقارب، كنا أربعة، إثنان في الأمام يتقدموننا، أنظر إلى الوراء ولا أجد غيري، يُحتمل أن تمطر، ولذلك كان علينا أن نسرع، ونحن نحمل الحقائب الحديدية، لذلك كان عليّ أن أرجع.

     لم يره أحد وهو يتبعني، في ذلك الصباح حيث تأتي السيارات من القرى، ولم تكن سوى ساعات من وصولي، حتى تأكدت بأنه يعرج ويمشي بصعوبة، لم يكن قد أتى من قرى العاصمة التي تتراص كجراء في خاصرة النيل، خلع حذاؤه المليء بالطين، وأخرج غصن شوك كان قد إلتصق ببنطال الشارلستون، في ذلك الوقت كانت الداخلية خالية من ضجة طلائع مايو، وممتلئة بصور الجنرال نميري.

     كنت مرهقاً من حملي للحقيبة المليئة بالكتب، وبسبب قراري الإنسحاب من ذلك الصبح التعب، أغمضت عيني، وغفيت من جراء التعب الجسماني. عندما إستيقظت لم يكن ثمة شخص في الغرفة سواي، كان التوقيت المثالي لإتمام المهمة التي بدأتها، إتمام ذلك الشخص الذي خلقته من بقايا القصص والروايات التي لدي، لأن الكثير من الكتاب ينسى أعضاؤه في القصة، أجزاءاً كاملة من أجسادهم، متعمدين تركها كعظاءات فقدت زيولها، أو يغفلون عنها لينجو السرد، فتحت قصائد أرتور رامبو، وجلست أقرأ، وأخيط أطرافه التي فقدها – لمشروعي، لكنها لم تكن كافية لتغذية الجسد المنذور، يداه وقدميه ضعيفتين مضطربتين، فكيف تقايض الحياة قصائد شخص مقابل أطرافه.

     لأوقات في الماضي، كنت أظن أن هذا مخالف لصيرورة الحكايات، حيث تُترك قصص المعارك بجثثها داخل الكتب، كان ما تقدمه القصص مثيراً لدهشتي، حتى جريدة الحوادث الصغيرة الورق، كيف تتحمل المقتولين، المطعونين بدون أن تسيل دماؤهم من الصفحات، وهل ينام الحرف يا ترى، هل يستريح مغزاه، وماذا لو كانت الكتب الخالية من الكتابة هي ملائكة في عوالم أخرى. أشحت بالكتب التي أمامي من الطاولة، ما عدا كتاب قصة قصيرة واحد لياسوناري كاوباتا، تلك الذراع التي أهدتها الفتاة بإمكاني سرقتها، حاولت منازعتي يدها اليمنى وإستسلمت، فأقفلت الكتاب بسرعة، وكأنها ستعود لإستعارتها.

     الأمر صعب، وبهذه الطريقة يتوجب علي قضاء الإجازة وأنا أحفر في الكتب، يحتاج كائني الشبحي إلى عيني أورسولا العجوز، زوجة خوسيه أركاديو، وقد قطعت ما يقارب الثلاثمائة صفحة، وكانت تقع لأورسولا حوادث غير متوقعة، ففي عصر أحد الأيام، كانت آمارانتا تطرز في ردهة أزهار البيغونيا، فإصطدمت بها أورسولا.

     – حباً بالرب، قالت أمارانتا محتجة – إنتبهي أين تمشين.

     فقالت أورسولا:

     – بل أنتِ من تجلسين حيث لا يتوجب الجلوس.

     وكان ذلك القول صحيحاً بنظرها، ولكنها بدت تلاحظ من ذلك اليوم، شيئاً لم يكتشفه أحد من قبل، وهي أن الشمس صارت تغير موضعها.

     كان كل شيء يمضي بطريقة إستثنائية، كما لو كانت تهيؤات طفل، ولأن هذا الحكي، يحوي حكايات قديمة، لأولئك الذين تركوا مكتوباً – أن الطريق مكتوب، فإنني متأكد من أن أورسولا ماتت وهي تخيط كفنها ببصر ممتد، منتظرة الموت في هيأة قديس.

     عينيها عظيمتين، دافئتين، كادتا تخترقا ورق رواية مائة عام من العزلة، صار فرانكشتاين ينظر إليَ، وأنا أستعير أعضاؤه من ما كتبه الآخرين، أنف من نيكولاي غوغول، غوغول مزعج ترك بطله ينازع على معطف حتى مات، لم يتركني أهرب بأنف كوفاليوف، لكنني ليلة إثر ليلة كنت أواصل قرائتي الغنوصية لما تحت الحروف، راجعتها إلى أن وصلت للهيكل العظمي، ومن خلال ذلك الفم المتكون تحدث معي  فرانكشتاين، تلعثم وكان صوته مثل حركة أوراق، وجلده أصفر ككتاب قديم.

     مرت الأيام، وكنت ما زلت ( جينيور ) غض، كنت أتوغل في جسده، مانحاً إياه براءة ماركوفالدو الريفية، كتفي محمد علي أكبر الضامرتين على سطور كنفاني في موت سرير رقم (21)، وإستعرت له سترة يوزيف ك بعدما أحنى رقبته ليزبحوه. رحت أخلقه تحت شجرة مسكيت بعيداً عن المدرسة، صنعت له أذن خوان بريسيادو التي تسمع الموتى في رواية بيدرو بارامو، التي سمعت الوصية الأخيرة: “إذهب إلى كومالا، لا تستعطه شيئاً، بل طالب بحقنا.”

    هذه الأذن المرعبة، سمعت بيان الإنقلاب العسكري بعد عدة سنوات، وذاقت هجر تجفيف وإغلاق المدرسة حيث خُلق، ونطق كلماته الأولى، وعندما أخذ يكبر، همست له: “خذ منهم ثمن النسيان الذي أذاقونا له.”

     شيء ما وحيد يخيفني في تورطي بحيوات الشخوص التي أقرأها، كانت تترأى لي حقيقة، فمن قتل الشيخ عراب الإنقلاب سوى فرانكشتاين، ذلك الوعد الذي واصل ترديده حينما أفلت يدي وهرب من عالم الناسوت.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان