الرئيسية / احدث التدوينات / فِراش مُفخخ بالتخيُّلات

فِراش مُفخخ بالتخيُّلات

ميرغني

      يَصُبّ في رأسي هَدير مُوسِيقَى قادِم من الـ ساوند كلاود، بيّنما يرتَعِش هاتفي النّقال في يدي رِفقة بؤبؤ عيّني الذي لا يَكفّ ابدًا عن التحدِيق في هذا العالم الأزرق، الذي أعتَقَلنا داخِلَهُ مارك زوكربيرج بوقاحةِ ديكتاتور مَقِيت, وفي هٰذه الأثناء، بجُهدٍ عسيرٍ، أُحاول أن أكتبَ أيّ شيء يُرمم الشُقُوق التي أخذتْ تتمدّد في جسدي، قبلَ أن يتسرّب منها ما لا يُحمد عُقباه، إنّهُ لأمر ثقيل عليّ؛ أنْ أكتُبَ مُرغَماً، أكاد أدوخُ مع الحركةِ الدائريةِ للأفكار المُبعْثرة، التي تلتهِم مُؤَخِرة رأسي المُخدر بالموسِيقى، إنَنِي مع هذا الكم الهائِل من المُوسيقى، الهادِرة البكماء في آنٍ واحد، أشعرُ أنني كآلة عود معطُوبة ، كبيانو مُحطّم ، كَناي بلا ثُقُوب! شيءٌ ما يَئنّ مثل كلب جرِيح بداخلي كُلّما هممتُ بالكتابة رغماً عن أنفي، فلماذا يا تُرى أدفعُ ثمناً باهِظاً وقاسياً لِسلعة بلا جدوى؟!

     أفكرُ في نهاية مقبولة لهذا العبثْ، ولا أجد، لكن لا بُد من الكتابة، كي أُبدد الوحشة الثقيلة التي تُسيطر عليّ، ماذا عن ريـتـا؟ تلك الحبيبة الـ(   )الإفتراضيّة التي تنمو في رِحم الغيب بُبُطء فاجع، يردد خاطري: “في عالم مُوازي أنا عالِم فيزيائي مغمُور، أنفقَ عُمره في حِساب الكتلة الهائِلة من الطمأنينة، التي تضُخها ريتا في مفاصِل الحياة؛ لاحقاً بعدِ عِدة سنوات حصلتْ ريتا على جائزة نوبل في الفيزياء.”

     حسناً، ماذا بعد؟ يا لها من حِيلة سخِيفة، أنْ تَستدرِج الحرف لموت أنيق في حافة الأسافير، أو حياة مُمِلة في ذاتِ المكان، أترك لِخاطري حُرية التجوال في كل ما حولي، أستسلمُ بِمحبة شاسِعة له، وأُحدِث نفسي:

    كُلَّ يومٍ قبلَ النوم تبدو الأشيّاء كأنّها خُطط مُعدّة مُسبقاً، شيءٌ ما فينا يُنفِذُها بِدقة، يبدأ الأمر بتفكير لا نهائي في نهايةِ مطاف، وسيمة كالموت في فنزويلا مثلاً، مثلاً، كالفناء دونَ مُقدِمات تلاشي مُفاجئ للجسد، ثُمّ تحليق الروح إلى حين ثمّ مُتلَازِمة العذاب اليومي المُستمر، الغوص في الأشياء التي تدعو إلى الكآبة والبُؤس والشقاء والعذابات، والأشياء التي تؤرِق الفِراش، أقصد تِلكَ الأشياء التي تدعو الوسائد إلى الحُمّى المُتَفجِرة النابِعة من الجسد المُتهالك، ثُمّ القلق، تحويل وضعية الجسد إلى اليمين، ثُمّ اليسار، ثمّ اليمين، ثُمّ اليسار، ثمّ النظر إلىٰ السقف بِحدّة تُقاوِم الظلام، تبحثُ عن رُؤية، لا شيء عدَا العتمة الدائِمة، لكِن البصيرة تجعلني أُبصِر الأجساد تتساقط مِن السقف المُنهار، أصدِقاء عابِرِين، زُمَلاء عمل، سائِقي حافلات، وسيّدات الشاي، والبقيِة مِن سُكان العالم البائِس المتشظي. كُلّ العالم يسقُط، تتكفل المروحة بتشتيت الأجساد بعد تقطِيعهم إلى أجزاء عدِيده في الفراش، أيَادي وأرجُل وجماجم، ثُمّ حرائِق غابَات هائِلة، تندَلِع في غُرفة 4×4، ليسَ فِيها أيّ نبات مُطلقاً، دعك من الأشجار، إنفِجار بُركان في الزاويّة، ثُمّ زلزال عظِيم يُعيدني من الإيغال في مداخل النوم إلى إستيقاظ كامل!

    أهرُب إلى خواطِر اُخرى، وأُفخخ الفِراش بالتخيُّلات:

     *في مقدِيشو تُجّار بيّنهم عِراك وسِباب بسبب موقع جيّد في مُنتصف السوُق.

     *في أديس أبابا الدُّخان المُتصاعد من حُبيْبات القهوة يُمِد العابِرين بالنشاط.

     *في الخرطُوم مُتَشرِّد يختار أنْ يَمُوت بالتسمُم بدلاً عن الجوع، تسِيل دُمُوع رِفاقِه ممزُوجة بِمادة السلسيون.

     *في كاليفورنيا إحدَاهُنّ تدلِف إلى ملهى ليلي عازمة على التخلُص مِن كُلّ دِيون أسرتها.

    *في باريس إفريقي يقِف أسفل برج ايفيل، دونَ حبِيبِة قلبِه، التي إلتهمتها أسماك القِرش أثناء هروبِهم من جحيم دولَتِهم الأُم، يَقِف مُتبلِداً دون أنْ يبدأ بِالصُراخ أو البُكاء.

    *في القاهرِة شباب مُسلّحون، في مُقتَبل العُمر، يستولون على أموَال العابِرين بشارِع الهرم، بعدَ مُنتصف الليّل.

     *في نيودلهي عِصابات تقْتَسِم حِصَصها مِن مُخدِر الكوكايين.

     *في أمستردام طالب لُجوء سيَاسي يتحرّش بِهولندِيّة، والسُلطات تُعِيدُه إلى الحُدُود.

    *في روما مُشجّع كُرة قدم يرسُم حبيبتهُ على ذِرَاعِه، في كُلِّ مرة يُحرِز نادِيَّهُ هدف يُقبّل ذِراعَهُ بِحَمِيميه مُذهِلة.

الآن…

    جسدي كلوح ثلج في خط الإستواء؛ ذوبان كامل يبدأ بإنهيار الجُفون، ثُمّ يتدفق عقلي إلى أسفلِه، أكاد أشعُر بِمذَاقهِ المُقزِز، لكن العناية الإلٰهيّة أنقذتني حينَ تلاشىٰ لِساني كشيء لمْ يكن، تَبِعَهُ في الذوبان بقيّة الجسد المُلتَهِب المتشظئ، ثُمّ في لحظة تُعادِل الإلتفاتة يتكّاثف جسدي إلى لوح ثلج في كامل صلابته.

    ذوبان، ذوبان، ذوبان، ذوبان، ثم تكّاثف، ثم ذوبان، يا للآسى، تحّولت إلى معمل علوم متى التبخّر؟

عن ميرغني طه

mm
كاتب من السودان