الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: الطرفة والمأساة في رواية “حرب الكلب الثانية”

قراءات: الطرفة والمأساة في رواية “حرب الكلب الثانية”

دهب

مقدمة قد تُحذف

 ما بين الماضي السحيق والمستقبل الملبد وراء تكة الساعات، بحور تعج بحيتان الطرف وتماسيح المآسي. ولكن أن يُقصر النهار الى سويعات وتتداخل الفصول ثم يصبح منبع الأمل الوحيد هو الإنسان العالق بين مطرقة الطرفة وسندان المأساة، فذلك يعني ان الأمر أكبر من أن يُختصر تحت مسمى (تغير زمني).

مدخل 

من المضحك جداً، ان تبدأ قراءة في رواية كهذه بالجُمل التقليدية للقراءات الأدبية ( تدور احداث هذه الرواية حول…) ( تتمحور قصة الرواية في….) ( تقع الرواية الصادرة عن دار….. في…) فهذه التعبيرات في ظل رواية قائمة على تحطيم السائد والكفر بالمعقول في هذا الكون، تنسف فكرة القراءة من أساسها، لذلك سأحاول أن أكون غريباً بقدر ما يتيح لي خيالي المتواضع، فرواية تبدأ بتمهيد صاعق يخبر فيه راويها العليم بما جري من ماسي لهذا العالم في الماضي القريب، لا تحتاج قراءتها الى مدخل، لذلك سأنسرب كيفما اتفق الى عوالم الرواية العجيبة.

قد يفطن القارئ الحصيف الى ملهاة صاحب “القميص الأحمر” ذلك الجار الذي لم يتجاوز دوره في الرواية ممارسة التحريض الطفولي الساذج، وهو بذلك يبدو بلا فائدة، ولكن الطرفة في موقفه الساذج نفسه، وذلك عندما ينكر هويته الأساسية في خضم المأساة التي ولدها تحريضه الطفولي؛ تلك الهوية التي يعرفه بها الجميع؛ إبتداءً من بطل الرواية، القراء، إبراهيم نصر الله، و ليس انتهاء  بصاحب الجلد والرأس “الراوي العليم”. رغم كل ذلك يصر  الجار الوقح على انكار قميصه الأحمر بل أنه يغالي في الانكار عندما يدعي بأنه لم يرتدي  قميصاً أحمراً في حياته وقتما خاطبه جاره البطل بـ”صاحب القميص الأحمر” عقب المعركة الصغيرة. هذا المشهد سيجعل  ذات “القارئ الحصيف” يتجاسر ليزعم بأن: “المأساة” هي وليدة  السذاجة، بينما “الطرفة” تولدها حيرة الالغاز المستعصية.” على الرغم من أن جسارة هذا الحصيف ستهلكه لو طبقنا منطقه هذا على مآسي “حرب الكلب الثانية” العديدة القادمة.

حسناً؛ دعونا من مأزق القارئ الحصيف، ولندخل الى عوالم إبراهيم نصر الله التي نسجها حول مأساة “حرب الكلب الثانية”. الذين يعرفون عوالم نصرالله الأدبية لن يندهشوا من تماديه في الخيال لدرجة إدعاء غياب الشمس عن مجرة التبانة، فالرجل يكتب حول الأسطورة دائماً، ليس لأنه يحس بعمق المأساة الإنسانية القائمة على التوسع، وإنما لأنه أختبر عمق المأساة المتمثلة في التهجير القسري، لذلك بات مؤمنا بأن الحياة دائماً ما تحتاج للأساطير لتصبح قابلة للتعايش، ففي رواية ” حرب الكلب الثانية” التي حصلت على جائزة البوكر العربية لهذا العام في الشهر المنصرم، بنا رجل المآسي كل شيء على نحو أسطوري، لذلك لم يكن مبالغاً عندما اسفرت طيات الرواية عن واقع غارق في محيط من المأساة.

تبدأ الرواية بمشاهدة غريبة لفيلم وثائقي مسرب عن الماضي، فليم مخيف وصادم، تظهر احداثه كشاهد منطقي على خراب العالم، وهنا يجب أن نتوقف للحظة، ففي الأفلام الوثائقية عادة ما تبدو الاحداث مقبولة على مآسيها، لأنها منزوعة فتيل المفاجأة، ولكن في فيلم الكلب هذا تبدو الاحداث أكثر جموحاً وصدمه. فأقصى ما يتوقعه مشاهدو الأفلام الوثائقية من مآسي هو تقرير طويل ومفصل عن عدد الضحايا والخسائر المادية، ولكن أن يفجّر أحد أفراد الفيلم بدبابته شققهم فذلك ما لم يرد حتى على خاطر ابليس الذي وزهم على المشاهدة!.

ولكنه تمهيداً جارفاً لبؤس أكبر يحيكه لنا “الراوي العليم” في الرواية مع مرور الأيام الفوضوية بساعاتها المرعبة، ولكن قبل أن يسوقنا راوينا العليم كالنعاج الى عوالمه يحق لنا ان نسأل الأخ المشاهد  المنكوب المسمى “راشد” سؤال ملح : ما هي الجدوى من التلصص على أحداث ماضي هو أس البلاء الذي تعيشه؟ 

  بعدها، يشق البناء السردي للرواية طريقه بنسق بديع أول الامر ثم يبدأ بالترهل والحشو نوعاً ما في أواسط الفصول، متماوجاً بين الضعف والقوة في الحبكة الدرامية، وبين الهذيان والصحو في التصوير، ليصل الى قلب العالم الداكن الذي يصوره، ما لفت انتباهي أكثر هو: تحامل الراوي العليم الواضح على اللون الأسود، فقد ورد زم السواد في أكثر من ستون موقف خلال أحداث الرواية، التي لم تبرر لنا فنياً جنوحها الى ذلك التحامل.

الطرفة والمأساة، هما الحدان السرمديان للواقع في رواية “حرب الكلب الثانية”؛ تتمحور احداثه بينهما، تنمو وتموت، ما بين الطرفة والمأساة عبثية الحياة اللاهية، عبثية الوجود الخديج ، الوجود الهش، أما ما خرج من بينهما فهو الحدث الغيبي المبجل، ذلك الادهم الجميل، عديم المكان، قد يكون تحت المأساة، أو فوق الطرفة، أو خارج عالمهما، من يدري!، ربما أنبأنا بكنهه نصر الله في حرب الكلب الثالثة.

في رواية ” ذاكرة شرير” يتمرحل ” أدم كسحي” في سلم الحياة الى أن يصل الى قمة الدرج، فمنصور الصويم أدهشنا عندما أحال مأساة المرضى في حوش العلاج الى طرفة وجد فيها بعد سنوات  بعض مشعوذي الواقع من قليلي الحيلة والبصيرة خدعة مجدية لخدع العوام الذين لا يصغون الى ذكريات الأشرار الملبدة في طيات الكتب، وهنا تبرز مفارقة بإمكاننا التعامل معها كطرفة، وهي قدرة بطل رواية نصر الله على الظهور على قمة الدرج أبداً، فلم يعرف “راشد” اسفل السُلم ابداً، فهو ظهر كنجم معارض، يهابه كل رجال “القعلة” ، لشدة تماسكه وشجاعته المعضدة بالذكاء الحاد، ومع مرور “الأوراق” بقي ” راشد” كما هو فيما يخص أمر نجوميته حتى بعد أن عبر الجسر ملتصقاً بسور القلعة.

ربما تساءل قاريء “حريص” عن هده “القلعة” المزعومة. حسناً؛ سأجيبك برغم تكاسلك عن الذهاب الى ارض الرواية والتحقق من ذلك بنفسك؛ القلعة ياعزيزي هي المؤسسة الممسوخة للدولة في الانقلاب الكوني الذي تنبئنا به الرواية؛ حيث ان الدولة في خضم ذلك الزلزال الكوني استطاعت التخلص من مساحيق الفضيلة وادعاء الإصلاح الكاذب لتكون “قلعة” شريرة وواضحة؛ ليس للأوغاد فيها ابتسامات صفراء ولا احتفالات نفاق.

 مفارقة أو “طرفة” أخرى: عدم اندثار ظاهرة “الخطّابة” عند الزواج على الرغم من تطور العالم الذي تظهره لنا الرواية، ففي عالم يزرع رقائق الكترونية داخل أجساد الصغار لمراقبتهم، وجدران تطرح الأسئلة، وهواتف غير مرئية،  كنّا ان شاشات التلفاز  في ذلك العالم تبث افلامها بمشاهد رباعية الأبعاد. ففي ظل عالم بكل هذا التكاشف أظن وجود عادة “الخطّابة” عند الارتباط الزوجي يتجاوز مرحلة الطرفة، ليصل الى مأساة، مأساة حقيقية ربما لم ينتبه لها السيد الراوي العليم من فرط حمم المآسي التي يصارعها من أجل العيش بأمان داخل روايته.  

 في خضم ذلك العطب الذي أصاب مجرة التبانة، تبدو الأشياء غامضة أكثر مما ينبغي، لذلك عمل بطل الرواية على ثنائية ترويض/ تجميح نفوس الناس الهائجة من جراء جائحة الهلع التي اصابت الجميع، والطرفة الأخيرة التي نختم بها قرائتنا المأساة هذه هي:  أن “راشد” أصبح طبيب نفسي، وقاتل محترف في ذات الوقت، لذلك قتل نفسه ثلاث مرات، مرة بنفسه، وأخرى عبر توجيه أهوج نصح به نفسه، أما الأخيرة ففي سبيل التحقق من هوية نفسه.

 أما أخرة الاثافي: فهي، المبدئية والشرف الزائف الذي دائما ما يحاول صديقنا “الراوي العليم” ان يلصقه بشخصية بطله حتى فتكه بضحاياه وخداعه المسفر، وبذلك غرق كل من صديقنا “الراوي العليم”  كراوي، والسيد إبراهيم نصر الله كمدبر وممول فكري في بحر “الملهاة” .

وأظنكم ستوافقوننِ الرأي إن زعمتُ بأن “الملهاة” هو التعبير المحايد عند اختلاط الطرفة بالمأساة.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان