الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رِواية (رُوحْسَد) والمُغايَرة في رُوح الرِّواية السُّودانية المُعاصرة

قراءات: رِواية (رُوحْسَد) والمُغايَرة في رُوح الرِّواية السُّودانية المُعاصرة

موافي

      لطالما كان الأدب الجيِّد بالنسبة لي – كقارئ – وربما لكثيرين، يرتكز في مظهره على الأسلوب الجاذب والنَّسَق المُتقَن، وفي جوهرهِ على المِحور الخفي والملعوب بحرفية، ما يجعلك تركض خلفه وأنت لاهث ومُثار، أيضاً الفكرة ذات النظرة الحكيمة والعميقة للحياة. هذا الأدب في مُستواه الجيِّد الذي يمكن أن يُدهِشني. ما يُبهر أكثر في الخَلق الأدبي بعد ذلك، هو القُدرة البِنائيَّة الفريدة للرِّواية، الابتِكار في الأسلوب، في شكل العِمارة الفنيَّة لسَرد الحِكاية، القوالب الجديدة والفريدة والمختلفة، والتي تُلعب بأصابع الكاتب الخلَّاق كالعرائس، تلك القوالب المختلفة التي تتحرَّك خُيوطها لتتقاطع وتجتمع في الأخير لخدمة مِحور الحكاية الواحدة.

     حينما إنتهيتُ من قِراءة (رُوحْسَد) الرِّواية الجديدة الطازَجة، والخارجة لتوِّها كبِيتزا ساخنة من الفُرن، لكاتبها محمد الطيب، وقبل أن تتلقَّفها المكتبات وأيادي القُرَّاء النِّهِمة للرِّوايات دائماً، أحسستُ وأنا أتسكَّع في صفحاتها الأوائل، بأنَّ الذي أمامي عمل مُغاير بلا شك، عمل فريد وجريء، بالنسبة لي كأقل تقدير؛ كقارئ ومهتم بروايتنا السُّودانية. عمل يجعلك تتوقف لحظة عن القراءة وتقول: “يا للجمال!”

     من المُؤكَّد أنني لستُ بناقد، ولكن، ومن باب الادِّعاء بأنني قارئ ذوَّاقة لا بأس من بعض مُلاحظاته، والتي يمكنكم – يا سادة – بكل بساطة أن تسمعوها مِني بأذُنٍ، ومن ثَمَّ، ودُون اكتراث سلِّموها للأذُنِ الثانية، ومنها: إلى الهواء، وأُكُن شاكِر.

     أُدرِكُ أنَّ مثل هذه القِراءات تُفسد أحياناً عليك – كقارئ – مُتعة إكتشاف غياهب الرِّواية بذاتك فيما بعد، لِذا، ومُراعاةً لهذا الحدث، سأُشير بصورةٍ عامة لبعض المُلاحظات، والتي تتعلَّق بالشَّكل العام للرِّواية.

1/ صوت الرَّاوي:

      اعتَدنا في كثير من الرِّوايات السُّودانية على صَوت (الرَّاوي العليم)، المُدرِك لكل ما يجري، كشخص آخَر يعيش داخل ذوَات الشخصيَّات، ويفضحها في عملية السَّرد. الرَّاوي العليم، تِلك العَين التي تلمَح كل شيء كانَ صغيراً أم وكبير، كل حركة، كل فِعل شائن أو حميد، إنه الرَّقيب اللَّصِيق دائماً لشخصيَّاتهِ. في (رُوحْسَد)، نلحظ مَوت هذا الرَّاوي العليم، فمنذ البداية، يظهر لنا صَوت آخَر، صوت (الرَّاوي – الشخصيَّة)، وها هو إذن أول الشخصيَّات الأربَع التي تتبادل هذا الصوت، (سليم الصوفي): “هذه السجون مجرَّد قُمامة، بل البلد كله مجرَّد مكَب كبير للزِّبالة. لو كنتُ في بلاد تحترم حُقوق الإنسان، لما أُجبرت على هذا”. عبر هذه الافتتاحيَّة إذن، نُدرِك أننا أمام صوت (راوي – شخصية). الصَّوت الأول هو صوت (سليم الصُّوفي)، سجين، قاتل، له ماضٍ قاتَم يجعلك بصورةٍ أو بأخرى أقرب للتَّعاطف معه. الصَّوت الثاني (كوثر)، مُستقِلة برأيها نوعاً ما، جميلة، وإعلاميَّة ناجحة وطمُوحة، خيَّبت الحياة ظنَّها في الحُب والحياة الزوجيَّة، أيضاً زوجة خيري عبد العزيز (الشخصيَّة المِحوريَّة). الصَّوت الثالث (رَونَق)، فتاة جميلة، مُتحرِّرة، تاهَ عنها دِفء الحياة الأُسريَّة، تكتشف بطريقةٍ حَدْسِيَّة أنَّ الرِّوائي الشهير (خيري) كاتب (إيلات) له عِلاقةٍ ما بأمها التي هربت ولم ترها طِيلة حياتها. إذن هؤلاء الأربعة مُجتمعين: سليم، خيري، كوثر، رونق، يتبادلون صوت (الراوي – الشخصية) طِوال مجريات السرد، حيث لا وجود للرَّاوي العليم، ولا توجيهات الكاتب الأخلاقيَّة وموقفهِ من الحياة، كل شيء هو حِكراً للشخصيَّات، ليس هناك ولو مُجرَّد شَق صغير يُمكِّن (الرَّاوي العليم) من حَشرِ أنفِه، لا فُرصة، نأسَف، كل شيء مُحكَم يا عزيزي.

2/ الأسلُوب البِنائي والنَّسَق:

     نجد في الأسلوب البِنائي، والنَّسَق الأنيق الفريد الذي اتَّبعهُ في كتابته لروايته (رُوحْسَد)، وأنها كعمل مُتكامل، يُعد واحد من الطَّفرات الجديدة والحداثويَّة فيما يتعلق بتاريخ روايتنا السُّودانية، لا سِيما تلك المُعاصرة منها. حيث أن القارئ للرِّواية السودانية، بديهياً سيلحَظ لمثل هذه الطَّفرات والأساليب الكِتابية الجديدة. مثلاً، الطَّفرة الكتابية لعمل في حجم (جُمجمتان تُطفِئان الشمس) لمُنجد باخُوس: روعة ذلك الأسلوب (الواقعي – الفنتازي) الجديد، اللغة الشاعِريَّة المُدهشة، وتلك اللُّفافات (الرَّكيزة البِنائيَّة للرِّواية) والتي تظهر وتتبخر بعد قراءتها. كل ذلك يُشعِرك أنك أمام لا رواية عادية، وإنما قصيدة ملحمية أسطورية طويلة. لا شك عمل فريد وفنان، وطفرة لا تخطئها عينٌ ملاحِظة. في (رُوحْسَد)، في هذا المُبدَع الأدبي، قُسِّمت فيه الفصول لثمانية، كل واحد من هذه الفصول تجزَّأ لأربعة أجزاء، شكَّلت البِنيَة العامة والواضحة كمَجرى يتدفَّق عبرهُ السَّرد. الأجزاء الأربعة في الفصل الواحد تبلورت عبرها شخصيات الرِّواية الأربع الرئيسة بصورة فنانة، كان خلالها (خيري عبد العزيز) الشخصيَّة التي مثَّلت سُرَّة السَّرد، التي ربطت بين الأجزاء الأربعة فيما بينها، ومن ثَمَّ، بين الفُصول الثمانية. ما هو مُدهِش أيضاً، هو خَلق رواية أخرى وليدة لراوٍ آخَر مُبتكَر داخل الرِّواية الأُم. (خيري عبد العزيز) هو ذلك الرِّوائي الآخَر المُبتكَر، والذي بدورِهِ يَبتكِر عبر روايته (طِين لازب) شخص آخَر، نكتشِف فيما بعد أنه ليس سوى خيري ذاته، جسد تخفى خلف ظهره، صدىً لماضيه ومأساة حاضره عبر ابتكاره شخصية رسّام مُشرَّد، إختار أن يقضي عمره على هامش المجتمع، وأن يقف بعيداً، هناك، بالضفة الأخرى للحياة، حبيساً لماضيه، لنوستاليجيا مُزمِنة وقدريَّة، أسيراً لِطَيف حبيبةٍ تلاشت من حياته كالدُّخان، ضحية المُفارَقة بين الـ(رُوحْسَد)/ الرُّوح بنقائها وملائكيَّتها، والجسد بوضاعتهِ وشهوات طِينه اللَّازب، (خيري/ الرَّسام) لم يكُ يُدرِك أنَّ الحياة لا تسير إلا وهي متأرجِحة بينهما. إذن (طِين لازب)، الرِّواية الطِّفلة التي تتبلور عبرها ملامح الرِّواية الأم، إبتكار فنان ولائق، خُطَّ بطريقةٍ مُحكَمة ليمُاهي خط الرواية الرئيس.

3/ الوصف وبناء المشهد:

     كل شيء كان مَقِيساً بدقة، الكلمات والتعابير قد استخدمها محمد الطيب بطريقة لائقة، وبحسب ما يقتضيه المشهد، دون زيادة أو نقصان، دون مبالغة أو إجحاف في حق المشهد. إذا أخذنا على سبيل المثال الجزئية المُتعلقة بـ(سليم الصوفي): المكان، أحد السجون، حيثُ القذارة والوَضاعة، (هذه الأسِرَّة الحديديَّة الصَّدِئة، التي تفوح رائحة العَرَق من فِراشها، تصلح للاستخدام البشري. ثم يأتي هذا الجو الخانق، وزخَّات البَعُوض التي لا تنتهي)، ثم الانعِراج لوصف حال السُّجناء الحَذِرين بطبيعة الحال في تعاملهم مع الآخر، والسَّجانين البالغين الخِسَّةِ والوَضاعة وما إلى ذلك. نجد أنَّ الوصف جاء مُوجَزاً، مُقتَضَباً لِما تتطلَّبهُ الحالة التي تخدُم المِحور العام للرِّواية. وصفاً مُنضبطاً ومَقِيساً بدقة: لا زوائد أو إستِفاضة في وصف حياة السجن العبثية كما هو الحال في (الفناء الملعون) لإيفواندُريتش أو (مذكرات من البيت الميِّت) لدستويفسكي. كان وصف حياة السجن إذن مُعبِّراً عن الحالة النفسية السيِّئة والعصبيَّة للسَّجين (سليم الصُّوفي)، وبمثل هذه الدقة في البناء الوصفي (النفسي – المكاني) جاءت بقية الأجزاء الأربعة داخل الفصل الواحد من ضِمن الثمانية فصول المُكوِّنة للرِّواية. كان خلالها الكاتب مثل عامل الحديقة، مُهتماً بالتَّشذِيب، مُراعِياً بلياقة حصيفة: لجَريان الأشياء في خدمتها لمِحور الرواية.

4/ المِحوَر:

    (رُوحْسَد)، نلاحظ فيها أنَّ النهايات جاءت مفتوحة، النهايات التي أشبه بفمٍ فاغِر متروك بإهمال. حيث كل الأجزاء الأربعة خلال الفصول الثمانية جاءت نهايتها مفتوحة مُشرَعة للمُخيِّلة وتأويلات القارئ. وأن إقحام القارئ كشريك في العمل الرِّوائي هي لفتة واعية من الكاتب ومُراعية لفِطنتهِ وشَغل ذِهنهِ بأحداث الرواية. بمعنى آخر (لا – مجانية السَّرد)، أوضح هذه النقطة: كثير من الروايات السودانية تُخلق عجينتها بطريقة بسيطة وتقليدية، حكي تقليدي ومُعتاد، بداية ونهاية واضحة، شَربة ماء دون عناء من القارئ أو إجتهاد للسعي وراء محور الرواية، كشفهِ وربطهِ بالأحداث الجارية. وأنَّ تفسير كل ما يجري بصورة تقريرية، وبناء حكايات صغيرة داخل جسد الرواية تكون ذات أبعاد واضحة، ونهايات مُتوقعة بيسر؛ ذلك لأنَّ يد الراوي العليم بكل ما يجري، تتدخل دائماً، ولا تترك القارئ وشأنه (وبسبب… لأنه كان… وحتى يكون الأمر أكثر وضوحاً… إن العلاقة بين وبين… ولأنه كان شخصاً…) وغيرها من الأشياء التي من الواجب تركها لمُخيلة القارئ، الحالة التي يكون فيها الكاتب شفُوقاً على القارئ، شفقة فائضة وغير مُبرَّرة. لعلَّ بتركها هكذا خفية، تَضفي على الحكاية معنىً وجوهراً كامناً يكُن أكثر متعة حين ندركه وحدنا، عبر مُخيَّلاتنا التي تعمل وقتها كمِرجَلٍ مرِح. إن معظم روايات الكاتب الياباني (مُوراكامي) مثلاً، تمتاز محاورها بهذا الألق المدهش ذو السِّحنة الغامضة والغرائبية، فينتابك الإحساس حين القبض على اللحظة التي تبدأ فيها بفك ملامح ذلك المِحور الغريب والفنتازي للرواية، بأنك فعلاً قارئ مُتميِّز ولمَّاح، فتحُس حينها بالمتعة والتفرُّد وكأنك الوحيد الذي فهم الرواية، كأن موراكامي لحظتها يضُم ذراعيه لصدره وينظر إليك بغِبطة. هكذا إذن يجب أن يُكتَب الأدب الجيِّد، الأدب الذي يُحفِّزك لأن تقرأ وتقرأ، الذي يُشعرِك بأنك قارئ جيِّد ومُتميِّز، الأدب الذي يكون كالمُقبِّلات وفواتِح الشهيَّة، الأدب الذي يجعل منك شريك في العمل، حيث أن التفسير لكل شيء، والنهايات المكشوفة والواضحة، يجعل مُخيَّلة القارئ خاملة وكسولة، كعجوز يأتيه الطعام حتى مكانِه. الكاتب يجب أن يكون جريئاً، وأن يكون مُجرِّباً ومُجدِّداً، الكاتب الذي يَنشُد الفَردانِيَّة، والمُبدَع ذا الطَّابع الحداثوي والخلَّاق، ذلك هو الرِّوائي المُغامِر. ففي زمن الرواية الكلاسيكية، في القرون الوسطى بأوربا كانت الرواية (سرد مغامرة) كما يقول جان ريكاردو، بينما الرواية الحداثوية (مغامرة سرد). إذن، دعونا نتفق على أنَّ قراءة أيَّ رواية من إحدى مُتعِها العظيمة، تلك الدَّهشة التي تمتلكنا بينما نقرأ، ذلك الشعور بأننا مُميَّزون ونفهم بطُرِقنا الخاصة ما يُلمِّح له الكاتب، الكاتب الذكي، الكاتب المُغامِر، الذي يرمي لنا الحجَر، ومن ثَمَّ، نلتقِطهُ نحن. فالأدبُ الجيد، تماماً: كاللٌّعبة والمغامرة.

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .