الرئيسية / احدث التدوينات / قراءة في نص “الحرب” لبيرانديللو

قراءة في نص “الحرب” لبيرانديللو

luigi_pirandello_2

تلزمنا أولًا العودة إلى ملامح الأدب الإيطالي إبان فترة موسوليني ولا ريب أن الحرب تركت أثرًا صاخبًا واضحًا بخيال الكتاب اﻹيطاليين ، فقد جاءت نصوصهم ذات مضامين اجتماعية واقعية وما عادوا يهتمون بزينة الكلمات بدءًا من العنوان الصاخب الواضح حتى آخر النص ” بقصتنا هذه” ، فقد سيطر الموضوع فقط على الأقلام . وواضح ذلك أشد ما يكون الوضوح حينما استعار الكاتب أسماء الشخصيات بصفات ك “تنهد الرجل الذي سافر ابنه إلى الجبهة في اليوم الأول من الحرب وقال ” كانت تكفي الإشارة باسم ولكن الموضوع متمكن حتى النخاع من الكاتب .

الاستهلال مشبع بالإرهاق إلى آخره رغم اقتضابه ، بدءًا من انتظار القطار إلى استواء المرأة بالعربة ، شكل المرأة ، هواء العربة الفاسد ، أنين الزوج ، حتى ليبدو على القارئ ـ مع أنه لا يفعل غير فعل القراءة ظاهريًا ـ أنه أجدر بالرثاء من المرأة .

الحرب الدائرة بالنص هي ليست تلك الحرب الخارجية هناك بالجبهة من أجل الوطن ، وإنما الحرب الداخلية للشخصيات ، محاربة الشعور بالفقد ، مرارة الحزن . وقد برع الكاتب في نبشه وانتشاله للسطح ومن ثم تعريته بالكامل . أدار لويجي دفة الحرب بأسلوب جميل :محاولة الزوج إثبات أن حاله أوهن من بيت العنكبوت من الآخرين التي دفعت بالمسافرين إلى التباري في أن يظهر كل منهم أن مصابه أجل من الآخر ، عدا واحد ! ثم بروز الأسئلة العدمية وليدة اللحظة ” هل ننجب أبناءنا من أجل منفعتنا ” “هل نفكر في الوطن عندما ننجب أبناءنا ” . ثم صمت الآخرين وعدم مجاراة السؤال والاكتفاء بالرد المقتضب :

” أنت على حق . إن أبناءنا لا ينتمون إلينا . إنهم ينتمون إلى الوطن “”

“صحيح تماما … صحيح تماما”

كأنما يمور بداخل النفس أبلغ من المجاراة .

إن محاولة الجواب على السؤالين والارتكاز عليهما كمفتاحين لقراءة النص كفيل بأن يفسد هالة الحزن التي توشح النص بالكامل .

وقد كان لاستخدام لويجي لعنصري الزمان و المكان بعد آخر في تأجيج هالة الحزن ، وقتامة الصراع فالوقت :صباحًا ، والمكان عربة قطار “درجة ثانية” معبقة بالهواء الفاسد!

وما يزيد الهالة قتامة تلك اﻻشارة الخفية التي استخدمها “كان خمسة مسافرين قد أمضوا الليل فيها” مع أن عدد المسافرين الذين شملهم الصراع ثلاثة وكأن العدد لم يذكر سوى لبيان مقدار فساد الجو

انتهى الصراع بين الأطراف ” رجل مزهو بوفاة ابنه ، زوجان ابنهما في طريقه إلى الجبهة بعد ثلاثة أيام ، رجل بعث ابنه إلى الجبهة مذ أول يوم ، رجل أبناؤه الخمسة بالجبهة ” بسؤال بليغ :

إذن هل مات ابنك حقًا !

كان السؤال موجهًا إلى ” الفيلسوف” صاحب الأسئلة ” لكن الكلمات خذلته ” فالدموع التي سكبها ردًا ألغت إيمانه السابق الصادق ! بانتماء الأبناء للوطن .

ولنتأمل غرابة السؤال ، رصاص الكلمات التي أصابت الطرف الأخير في مقتل ” فالحرب الداخلية هنا سلاحها الحرف ” فالزهو بالموت في سبيل الوطن والفخر على الملأ بمثل هذا الحظو جعلا المرأة التي بعث ابنها للحرب بعد ثلاثة أيام في حيرة من أمرها فبدا سؤالها له كأنها تسائل ذاتها ، ما يفسر عامل المفاجأة من قبلها .

“وأدرك فجأة أن ابنه قد مات حقًا” إن كل كلمة سطرت بقدر معين من الحزن . الكلمات منتقاة بعناية لتؤدي دورها ، فالحال حرب ، والساحة صاخبة ، والسلاح صامت . وللإيطاليين الرثاء ولكن من يرثي القارئ !

عن مريم خميس

mm
كاتبة من السودان