كنغر

طلال

     استيقظ من النوم وكان محتضنا كلبه، ورغم أنه كان قد نام في خور إلا أنه إبتسم لما رأى زمردة حبيبته السوداء ذات الأنف الأفطس، قبلها على خدها مقلداً نجماً سينمائياً يفعل مثل ذلك، حتى الآن لم يقبلها على فمها لأنه لم ير ممثلاً هندياً يفعل هذا.

     كانت زمردة تحب أن تمارس معه دور الزوجة، وكأنها تلعب لعبة حلوة. عمرها 12 عاماً لها ثديين صغيرين، مثل فأرين سمينين، هو يفوقها بعامين، ويرفض بشدة أن يسميه أحد، لهذا لقب بالكنغر، لأنه بارع في القفز، فلديه قدمين ضخمتين للغاية، وللمفارقة تحملان جسداً هزيلاً ومتداعياً، ولكن لصاحبه إرادة صلبة وقوية. كان اليوم جمعة، ذهبت زمردة للمسجد للتسول، بينما هو وضع عدته أمامه ليمسح أحذية المصلين، النقود في جيبه كثيرة، فهو يملك الآن ثلاثة آلف جنيه نقداً، ولكنه لا يعلم ذلك، لأنه لا يجيد العد بعد المئة، يقول لزمردته أنه يريد أن يستأجر بها دكاناً لتبيع فيه هي الشاي، أو يشتري عربة هايس ويعمل بها بنقل المواصلات.

    كان دائماً ما ينصت لخطب الجمعة، إذ يحكي الإمام عن أنبياء يفعلون أموراً خارقة، مثل إحياء الموتى، وضرب البحر بعصا لينشق إلى نصفين، لكن شيئاً واحداً أحبه بخصوص الأنبياء، أن لهم أتباع وأصحاب يؤمنون بهم، وهو يتمنى أن يؤمن به أي أحد.

     لم يكن هناك حذاء يناسب قدميه المفلطحتين، لهذا كان يبدو نوعا ما معاقاً، زبائنه الذين يخرجون من مكان يدعوهم للنظر إلى الفقراء، لا ينظرون إليه مرتين، وبعضهم يفاوضه حتى يتنازل عن جزء من أجرته الزهيدة أصلاً، وكانت زمردة تكره هذا النوع من الناس، وتشعر بالغيظ عندما ترى أن كنغر تنازل عن أجرته المستحقة.

    بعد صلاة العشاء يعودان إلى الخور، يستقبلهم الكلب سعيداً هازاً ذيله وماداً لسانه بمرح، ثم يجلس ثلاثتهم تحت النجوم، ويتناولون العشاء معاً، وأحياناً يكون سمك ومرات شوربة كوارع، وأحيانا طلب فول رهيب من (عمر بوش). ثم على سجادة رثة قديمة تفوح منها رائحة البخور وأقدام المصلين، فقد أخذاها من الجامع بعد أن قرر المسؤولين عنه تجديد سجاده. في تلك الليلة حلم كنغر بصوت إمام المسجد وهو يحكي قصة سليمان وزواجه، وأثناء ذلك كان يرى زمردة عارية تمشي نحوه، وتلتصق به ثم إستيقظ وسائل لزج ودافئ يبلل فخذه، أحست بحركته وسألته: “في حاجة يا صحبي؟” أجابها بلا، ونامت متوسدة ذراعه.

    لقد بقي لعشرة دقائق ينظر للنجوم، ويصغي لصوت الشاحانات التي لا تسير إلا ليلاً، ويفكر أنه أصبح رجلاً. تذكر أنه صادف زمردة قبل سنوات، عندما كان يعمل في جمع القوارير البلاستيكية والبرطمانيات، وجدها في مكب كبير للنفايات تبكي بجوار جثة امرأة سوداء نحيفة، ورائحة براز تفوح منها، لقد ماتت بسبب الكوليرا. أمسك كنغر بيدها وأبعدها عن الجثة، حينها نظرت إليه وكفت عن البكاء، فقد رأت في وجهه براءة وقوة. سألها:

    – المرا الميتة دي بتعرفيها؟”

    هزت رأسها تعني لا.

    – “إسمك منو؟”

     أجابت وقد شعرت بالفزع عندما إنتبهت لقدميه المفلطحتين والمغبرتين، والتي فيها جراح صغيرة متقيحة (زمردة) وعندما أخرجها من أرض النفايات التي على ما يبدو أن زمردة تاهت فيها قال لها:

      – ما عارفاه وين؟ طيب أرح معاي.

     ومنذ ذلك اليوم أصبحا يعيشان معاً، كانت زمردة هي صحابة فكرة أن يترك العمل في جمع قوارير القمامة، وأن يعمل بدلاً من ذلك ماسح أحذية، كانت هي التي تفكر في المستقبل وتراه دائماً جميلاً ورائعاً، أما هو فلم يكن يفكر في المستقبل كثيراً، وعمل بمشورتها لأنه يحب رؤيتها سعيدة.

    عادا إلى مسكنهما، سماء الليل يكسوها سحاب رهيف، تأمل قدميه المفلطحتين وتذكر كل المصاعب التي واجهته بسببها، والمتاعب التي نجا منها بسببها أيضاً. والآن جاءته المتاعب، ثلاثة شبان طوال حتى طريقة مشيهم تنم عن خطرهم وحبهم للمتاعب، إنحنى نحوه أطولهم بينما كان رفيقاه يتعاملان مع الكلب الشرس. ” اديني القروش العندك، أنا عارف إنت خاتيها وين، بس جيبا.” 

    الكلب يزداد شراسة، ويحاول أن يستعدي جيناته التي ورثها من أسلافه الذئاب، وينقض على أحد الفتيان، وبدلاً من أن يعض ذراعه علقت أنيابه في كم قميصه، فبدأ يحاول أن يحرر أنيابه من الفخ النايلوني لكن من غير فائدة. لمعت سكين بطول عشرة سنتمتر في الظلام، وإنغرزت في عنق الكلب، الذي أصدر عواء خافتاً ومثيراً للشفقة، ومات.

     ألجم الخوف زمردة، وفكرت لوهلة أن تهرب، تمنت لو يقول لها كنغر أهربي لتهرب. أدخل كنغر يده في جيبه وقال: “هاك ليها واقطع وشك من هنا.” كانت رزمة كبيرة من النقود ثقيلة، بحيث تبث السعادة في نفس حاملها، أخذها منه قائد العصابة الذي كان يكبره حجماً وطولاً، وبينما هو يبتعد نظر إلى زمردة، ولعله قال لنفسه لا يزال الليل في أوله، أمسك بها من شعرها، ودس يده إلى صدرها، ووجد نهدين صغيرين مثل حبتي ليمون، بقوة مزق ثوبها الرث أصلاً، كانت زمردة تبكي وتنتحب، فقط كانت تعرف أنه لا فائدة من الصراخ. إقترب الشابين من كنغر ليحميا قائدهما، بينما هو يبدأ في إغتصاب زمردة.

     هناك شيء يخافه كنغر عن نفسه، أنه قادر على إيذاء الآخرين، ويمتلك قوة جبارة لذلك، تجاهل الشابين ومشى حيث جثة الكلب، وحملها إلى حضنه، ووضع فم الكلب بجوار فمه، ثم سحب كنغر من فم الكلب لسانه وبدأ يمضغه ويبتلع ما يأكله، لم يدري الشابين هل يشعرا بالتقزز أم بالخوف، فتراجعا، وتقدم كنغر منهما وفمه ملطخ بالدم، وعيناه سوداواين ولامعتين، إلتفتا نحو قائدهما، والذي كان يحاول أن يدخل شيئه داخل زمردة، والتي كانت لا تستقر على حال. قفز كنغر في رأس أحدهما، وأداره بقوة مئة وثمانين درجة، أما الآخر فقد أدخل يده كلها داخل فمه اقتلع لسانه. وبحجر كبير حطم رأس قائدهما، بحيث تحطم رأسه مثل بيضة، وبعدها وقع مغشياً عليه بجوار زمردة.

    في اليوم التالي تخلصا من الجثث بحرقها في مكب القمامة الكبير، لكن لم يعد كنغر كما كان صبياً على وجهه براءة الطفولة، بل أصبح وجهه بشعاً يشبه وجه الكلب، وبأسنان طويلة بيضاء لامعة. لكنه لا يزال يعمل ماسح أحذية في ذلك المسجد الكبير، ولم يكن الناس يهتمون بوجهه، بل لو نظروا إليه لا يرونه، إزدادت زمردة طولاً، ونهديها اللذين كانا بحجمي الليمون أصبحا بحجمي الشمام، كان لهما ثديين عظيمين مقارنة بجسدها الرشيق، لم يشعر كنغر قط برغبة في مضاجعتها، كان يظن أن رفقتها فحسب مشبعة.

    في الخريف يهربان من المطر إلى أي شيء مسقوف يحميهما في المطر، كانا أحيانا ينظران إلى بعضهما ويتفاهمان بلا كلمات، وكأنهما إخترعا لغة خاصة من الصمت، ذات صباح خريفي ملبد بالغيوم رأها ترتجف من الحمى، وبعدها بدأت تسهل بشكل حاد.

    حملها كنغر على ظهره، وقد ملأته بالخراء والقذارة، حاول الناس أن يمنعوه من دخول المستشفى الخاص والفخم، فأراهم رزمة النقود، وقد كانت كبيرة وهائلة. وضعوها في عنبر خاص، وأدخلوه هو لحمام ليستحم، وتم فحصه هو الآخر. وبينما هي في الحجر الصحي ذهب هو إلى السوق، وإشترى لهما ملابس أنيقة. قال لها: أنه سيستأجر لهما منزل، حتى لا تمرض مجدداً.

     بعد أن خرجت من المستشفى قادها للبيت البسيط من الجالوص، الذي أستأجره لها، وكان بالقرب من المحطة، حيث ستعمل هي ست شاي، بينما سيعمل هو ماسح أحذية. في حوش منزلهما وعلى عنقريب مفروش بالبرش كان يمارسان الحب. ذات يوم انجبت زمردة أربعة جراء صغيرة يشبهون كنغر كثيراً. كانوا الجراء الوحيدة التي لها شهادات ميلاد، وقد يكون لها في المستقبل رقم وطني وجوازات. هل سيحب الوطن وجوههم التي تشبه وجوه الكلاب، لا يهم. كان كنغر يحلم أن يتعلموا الانكليزية ويسافروا إلى كندا وأستراليا.

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .