مفتاح نجاة!

ce8fb75c59dd0afc028c402ae863c15c

بقلم: نوف عائض

أخذ مفتاح الغرفة التي استأجرها ليومين من الرجل الواقف في الاستقبال والتفت حيث أشار له بأن يتبع رجلا آخر يقوده إلى مكان الغرفة في الطابق الثالث صعودا مع درج ضيّق يكاد أن يبتلعه الظلام. مشى خلفَهُ صامتا وفي يده حقيبته التي تكدّست بها مخاوفه وثيابه وأوراقه الهزيلة التي قادته إلى هنا لإثبات حق ليس متأكدا منه..

وجد نفسه يقف أمام الباب مباشرة بعد أن فاجأه صوت الرجل قائلا: “باب غرفتك.. وذاك المصعد .. سيعملُ خلال ساعات” وأشار قريبا من الدرج الذي انتبه لتوّهِ أنّه اجتازه. هزّ رأسه ثم أشار نحو الباب وقال:” وهذه غرفتي، ولن يطرق عليّ الباب أحد.” اصطنع الرجل ابتسامة لتُغطي استغرابه وقال:”للضرورة..أو إذا طلبتنا..” وخطى نحو الدرج مسرعا واختفى.

وقف أمام باب الغرفة يتأمل المفتاح المستقر في كفّه..لا يشبه مفتاح باب بيته، ولا مفتاح باب بيت أهله..كان غريبا كأحد بلا ذكريات سيصطحبه ليومين..أدارهُ في الباب ودخل.. كانت الغرفة معتمة، وستارة تهتز على النافذة التي تحاول استطلاع وجه هذا الزائر الجديد..أغلق الباب خلفه وأدار المفتاح فيه، ظل يضغطه بين إبهامه والسبابة..وخوفه القديم يفتح بابه الموارب..المفاتيح التي تخونه وتأبى أن يخرج من قمقم الأمس المظلم.. المفاتيح التي تتكسر أسنانها لتولد على الحواف شفرات تخترق طمأنينته وتُلقي في دربه حرابا خفيّة تترصده وتغرق روحه في التوجس والوجل..تجاهل صراخهُ الذي انبعث صداهُ من البعيد، ذاك الطفل الذي خانه المفتاح، وخانته الأسماع، فتهشّمت روحهُ في غرفة مظلمة اتخذها والداهُ مخزنا للأشياء القديمة.

شدّ على يد حقيبته فغاص وجهه الطفل في رماد ذاك الزمان وخبا نحيبه، و وضع حقيبته قريبا من خزانة مغلقة في زاوية الغرفة، قعد قربها مسندا ظهره للجدار، كان البساط أمامه بلا لون، يشبه قضيته التي أتى ليثبتها، له أرضٌ هنا، وليست له أرض أيضا..نفى أباهُ أن يكون باع أرضه، ولكنه وجد في أوراقه ورقا بالبيع و ورقا بالشراء وورقا بالبيع مرة ثانية.. نفخ في الهواء فابتعدت تلك الأرقام والحروف عن عينيه.. أسرّ لنفسه أن الكوكب كله لا يعنيه لكن أمّه ستصرخ فيه إنْ لم يأتِ لها بحقهِ وحق إخوته.. فكّر في إخوته، وسأل طيف أمّه: “ولِمَ لا يأخذ أخوتي حقّهم بأنفسهم؟!” فأجابته متذمّرة: “لأنّك الأكبر قال للبساط والنافذة: “ليتني الأصغر! أو ليتني لستُ هنا!” وأخذ يحدّق في الأرض هاربا من وجوه أمه وإخوته وصاحب العمل الذي يشّد على يدّه كلما رآه قائلا:”عليك أن تكمل”

نظر إلى السرير، شعر بالتعب عندما فكّر في القيام من مكانه لينام عليه، فتح حقيبته فتسللت أوجاعه فتوسدها وألقى نظرة نحو المفتاح على الباب ثم أطبق على تعبه عينيه وأخذ النوم بيده إلى مكان بعيد..

أيقظه صراخهُ وهو في مصعد العمل الذي اختار أن يمازحه من بين زملائه ليتوقف به في منتصف المسافة بين مكتبه والباب الخارجي..رأى وجوها ملأتها أفواهُ ضاحكة في سخرية..رأى كلمات تتدلى إليه ليتعلّق بها وينجو.. رأى نفسه مكبّلا في الغرفة القديمة والمفاتيح كلها تذوب في السديم..و والداه بعيدا في زيارة امتدت دهرا..

انتبه إلى الباب أمامه، وبين أصبعيه ملمس مفتاح غريب..المكان ليس بيته..ليس بيت والده..ابتسمت له النافذة فتذكّر الشّقة التي استأجرها..

كانت الساعة في هاتفه النقّال تخبره أنها العاشرة والنصف ليلا، نفض كوابيسه عن مرقده،ابتلع ريقه وقال لأمْنِهِ الذي لاذ بالفرار: “تعال..الكوابيس لا تعود مرتين..” وأغمض عينيه وفي قلبه طيف أمل لنوم مطمئن..

أيقظهُ الطفل في الغرفة القديمة، يهزّهُ صارخا به ليبحث عن مخرج..يقفز من مكانه.. يدله الباب عليه، يألف المفتاح فيديره خارجا دون أمْنِه..منتعلا الدرج الذي نفرت من أركانه أحلام المستأجرين الهاربة..وفي الطابق الثاني رأى بابا، ناداهُ خوفه فارتمى يفتحه قبل أن ينقض عليه ويأسره..ففغر فاه عن كهف طويل أمسكت به أشباحه وألقت به نحو القاع..

في الصباح ألتف الناس حول جثة وجدوها في غرفة المصعد..سأل أحدهم هامسا مستغربا: “ما هذا المفتاح الذي في يده؟!” أجابه المفتاح بلا صوت: “أنا مفتاح نجاته!”

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة