نورا

 

_101277443_p066xbjz

“نورا التي تم عقد قرانها عنوة وهي ابنة الرابعة عشر، ومن ثم تمت مراسم الزواج قسراً وهي في التاسعة عشر، سلبها والدها حقها في الاختيار والقرار، فحضر بذلك ولي الأمر وغاب الرضا والقبول عن مشهد الزواج المزعوم، فكان اغتصاب على ظل ورقة لا قيمة لها مادامت صاحبة الشأن لم تصدق عليها. لتتوالى الأخبار بعدها تحت عنوان “المرأة التي قتلت زوجها”..

 

منذ أن قرأت عن قضية نورا، ترددت في خاطري افتتاحية قصيدة الرائع حميد بصوت الفنان ود جبارة وهو يقول

 

“هيي أقيفن، نورا فيكن؟” 

 

ليكون الرد سريعاً ، صدى الحقيقة بعمق المعاناة “أيوا فينا.. نورا فينا”.

 

نورا ليست مجرد قضية، نورا قُدر لها أن تكون عنوان لقضية، قُدر لها أن ترفع الستار عن أوجاع هذا المجتمع المُتَجمل. هي واقع طفا على سطح مجتمعنا، عاكساً تلك الخبايا الموجعة، تلك القضايا التي طالما سجلت “قيد مستور”.  

 

نورا فينا، في الصغيرات المتحرش بهن من أقربائهن، في النساء المُعنفات داخل بيوتهن، في تلك الفتاة التي اعتدى عليها أحدهم في المواصلات العامة ولم تجد من يسندها، في السيدة التي كادت أن تفقد عينها إثر ضرب شقيقها ولم تتقدم بشكوى، في طيات المثل العقيم “لوكي القرضة وأمسكي فيه”، في القوالب المجتمعية “لبت الرجال”. نورا فينا تحت ظل الوليان والثقافة الذكورية السائدة، نورا فينا ولكن ليس لها صوت، لذا كانت لصرخة نورا صخب، لن يستطع مجتمعنا تجاوزه، فهي شعلة ضوء سُلطت على جرح غائر مستتر. 

إن العالم اليوم أكثر حساسية لقضايا المرأة، وقضايا التحرش على وجه الخصوص، لما يشوبها من تعقيدات نفسيه تجعل الضحايا يميلون للصمت، إلا أن الأصوات أصبحت تعلو، وعلى بعدنا من ذاك العالم إلا أن نورا أخذتنا دفعة واحدة إلي النور حيث انكشفت سوءة المجتمع فقام يلُقي لوماً وتجريماً على نورا عله يُداري ما به، وهو أمر لا يستطيع فعله، فان خطوة تحركناها مع قضية نورا يجب ألا نتراجع عنها.

نورا التي حكم عليها بالإعدام لقتلها من لا أستطيع تسميته زوجها، فتاة يافعة قُتلت فيها الحياة قبل أن تقدم على القتل، لا يستطيع أي منا أن يحكي عن ألمها ولا عن معاناتها، فحكاياتنا فعل الخيال وما مرت به نورا فعل الحياة، أولئك الذين نصبوا لها المشانق حتى من قبل أن ينطق القضاء بحكمه حرى بهم أن يراجعوا إنسانيتهم، ولكنها محاكم البشر منقوصة الرحمة مدفوعة بزيف الأفضلية الأخلاقية. 

الزخم الذي حظيت به قضية نورا إعلامياً لابد أن يؤتي أكله، فهي قضية سابقة في حيثياتها التي جعلتها ملفاً أمام القضاء، وان كن مثيلاتها كُثر إلا أن نورا أضحت قمة جبل الجليد لا اختيارا، حركت بقضيتها ساكن، فرأينا كيف أن نداءات الناشطات والناشطين وجدت صداها عالمياً، لم تعد القضية مختزلة في ذلك العنوان المجحف “امرأة قتلت زوجة”، وبين المدافعين عنها، والمعترضين على ذلك نستطيع استشعار قدر كبير من الانفعال النفسي يحيط بهم، فما بالنا بنورا وهي سيدة الموقف. 

تعتريني مشاعر مختلفة كلما تذكرت نورا، وكلما دندنت قصيدة الشاعر حميد، وأجدني أشعر بمدى حوجتنا لثورة فكرية كبيرة تمنحنا تلك النقلة الإنسانية والأخلاقية التي تجعلنا عندما ننظر لقضية نورا نستطيع أن نرى عمقها الحقيقي، لندرك تباين الأدوار في المجتمع واختلاطها فيتضح لنا من الجاني ومن المجني عليه. وان استطعنا أن نستنطق كل نورا فينا يكن ذلك رهان فائز، وان رأينا النساء في مجتمعنا يمهرن عقود زواجهن بأنفسهن فذلك رهان فائز، كم من رهان وضعت نورا أمامنا، سلام يغشاها داخل زنزانتها، ودعوات خالصات بأن يتم إنصافها

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .