الرئيسية / احدث التدوينات / وهم الأنظمة الاقتصادية

وهم الأنظمة الاقتصادية

مفهوم_السياسة_الاقتصادية

بقلم: أحمد علي

قد يبدو للوهلة الأولى  من عنوان المقال ،أن كل الصراعات حول الايدولوجيا الاقتصادية لقطر معين أو توجه كتلة سياسية معينة ، ما هو إلا عبثية محكمة فرضت علينا منذ أن عرفنا معنى الاقتصاد كعلم . من الغريب أن الاقتصاد الذي نستهلك كل وقتنا بدراسته يختلف تمامًا عن المغزى الرئيسي لمفهوم الاقتصاد .

المنظر والقارئ لتاريخ الفكر الاقتصادي يجد الإجابة الرئيسية ويكتشف أن ما يسمى بالنظم الاقتصادية الأيديولوجية لم تأت إلا تعبيراً عن حاجات ورغبات مجتمعات في حقبة معينة ، وأن النزعة الإنسانية الغرائزية الباحثة عن إشباع الرغبات بصورة مفرطة دون  انتهاء، كانت سببًا في نشأة ما يسمى بالأنظمة الاقتصادية .عندما نرى الرأسمالية وهي مهيمنة على الاقتصادات العالمية ، قد يصل بنا القول (من السهل تخيل انهيار العالم بدلًا من تخيل انهيار الرأسمالية). فالرأسمالية  لم تنشأ كفكرة تهدف إلى حل المشكلة الاقتصادية وتحقيق الرفاه الاقتصادي للعالم ، والدليل على هذا التاريخ ، فالرأسمالية لم تنشأ وفقًا لأفكار منظرين وفلاسفة ،جاءت نتاج “تحقيق الرغبات الحيوانية” (ادم سميث _ثروة الأمم) الرغبة الحيوانية هنا يقصد بها النزعة الغرائزية للإنسان في إشباع رغباته بأي وسيلة وطريقة “الغاية تبرر الوسيلة” (الأمير_نيكولو ميكافيلي).
هذه النزعة الغرائزية لم تر النور إلا مع عصر الكشوف الجغرافية ، فولدت “المركنتيلية” أو ” الرأسمالية البدائية” (كارل هنري ماركس_ رأس المال) هي أول توجه فكري اقتصادي، و هي التي أوجدت الامبريالية التي كانت انعكاس لتحقيق تلك الرغبات بكل الوسائل والطرق. 
اعتمدت السياسة “المركنتيلية”على التجارة في الهند والشرق الأوسط و الاكتناز ، وتكوين الفوائض من المعادن النفيسة المستخرجة من الدول المستعمرة في الأراضي المكتشفة حديثاً. هذه السياسة هي التي دمرت المركنتيلية ، وأهملت استخدام الأرض كعنصر  للإنتاج ، وأهم أسباب الانهيار الأول للرأسمالية البدائية هي التضخم الذي تم نتيجة تعاظم كميات المعادن النفيسة ، هذا الانهيار الأول يمثل تحول مفصلي في الفكر الاقتصادي ، الذي يثبت أن الأنظمة الرأسمالية جاءت من اجل إشباع رغبات الإنسان التي لا تنتهي دون ضوابط لكبح جماح هذه الغريزة الحيوانية.
عند حدوث الانهيار الأول ، تعالت أصوات في فرنسا تنادي بإرجاع الأرض كعنصر إنتاج و ركيزة أساسية للاقتصاد وان الطبيعة هي المورد المنتج وان كل عملية تجارية غير منتجة باعتبار أن الإنتاج في الفكر “فيزوقراطي” هي خلق مادة جديدة ، هذه التحولات هي “الرجوع إلى المهمل” أي الاهتمام الزائد بالتجارة والاكتناز أدى إلى هذا الانهيار الأول.لم تستمر المدرسة “الفيزوقراطية” طويلاً ، حتى جاءت الثورة الصناعية الأولى ، “فوبيا الصناعة” تعاظم الإنتاج ، وانتشرت المصانع في الغرب الأوروبي ، وزادت هجرات العمال إلى المدن الصناعية بحيث تم استغلالهم من قبل أصحاب المصانع ، من خلال تشغيلهم لساعات طويلة بأجر غير عادل ،هذا الاستغلال السيئ للقوة العاملة ، ولد حُنقاً اتجاه الرأسمالية والرأسماليين ، حتى ظهر “كارل هنري ماركس ” بالاشتراكية ، فإذا نظرنا إلى سبب النشأة نجد أن الاشتراكية هي نتاج  عكسي تولد من الممارسات الرأسمالية . هنا يمكن القول أن الرأسماليين كانوا سبباً في ظهور الاشتراكية ، وان الغريزة الحيوانية لديهم هي التي ولدت القوة المضادة والمنافية لهم . 
مازال السؤال مطروحاً  ، هل هناك أنظمة اقتصادية ؟ 
هل التغير في الأسس الفلسفية للنظام تنفي هويته؟
للإجابة على السؤالين ،نطرح تجربة المعسكر الرأسمالي المتمثل في الغرب والاشتراكي في الاتحاد السوفيتي، في بداية القرن الثامن عشر ، بعد اتزان الرأسمالية في أوروبا وأمريكا ، زاد الإيمان بأن دور الحكومة لا وجود له في النشاط الاقتصادي وفقًا لقول الرأسمالية الكلاسيكية (دعه يمر دعه يعمل) ، كان الوضع أشبه باقتصاد عدم التدخل ، على الصعيد الأكاديمي ، برزت نظرية الاقتصادي “جون باتيست ساي ” بان (العرض يخلق الطلب ) أي أن كل إنتاج يجد طريقه للسوق ، في تقديري في تلك الحقبة كان حجم الاستهلاك كبيراً جدًا مما جعل الأسواق في حالة دائمة لاستيعاب المنتجات من المصانع التي لا تتوقف، و مع مطلع 1930 ، توقفت المصانع، وازدحمت الأسواق بسلع لا احد يرغب في شرائها ، ارتفعت معدلات البطالة نتيجة لتوقف المصانع ، عمت الفوضى كل نواحي المنظومة الرأسمالية بما سمي (الكساد العظيم)، يرى المنظرون في الفكر الاقتصادي أن الخطأ كان من الفكر الرأسمالي الكلاسيكي، وان قانون “جون باتست ساي ” هو الذي سبب الكساد العظيم . في تقديري، لم يخطئ”جون ساي” لكن الغريزة الحيوانية لدى الرأسمالية في تحقيق الأرباح ، قادتها إلى الإنتاج بصورة مفرطة، و لم تتدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي وفقًا لمبادئ وأسس الرأسمالية ، لكن التحول الذي طرأ وغير العالم هو تخلي الرأسمالية عن مبادئها، وأهمها تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي ، كانت اكبر هزة لعرش الرأسمالية ، جاءت من الاقتصادي الانجليزي “جون مينارد كينز” مؤسس الاقتصاد الكلي،  قال لابد أن تتدخل الحكومة لترويض هذه الغريزة الحيوانية ، في تقديري ما جاء به “كينز” هو أول قيد على كاحل الرأسمالية اتفق مع (جوزيف ستيغليتز) بان”كينز حفظ الرأسمالية من الرأسماليين” 
وأضيف انهُ فتح جدلا أن الأنظمة لا هوية لها ، الكل قابل للإصلاح والتغير وفقًا لما تقضيه الأوضاع . 
إزاحة مبدأ عدم التدخل ينبئ بانهيارات قادمة للرأسمالية .
استمرت التحولات وفقًا لمبدأ التغير في المبادئ ، عندما أوجدت ألمانيا نظام السوق الاجتماعي الحر، الذي يقوم على مبادئ تقاسم السوق بين القطاع العام والخاص ، توالت الانهيارات والتغير في المبادئ حتى أزمة الرهن العقاري 2008 ، نتيجة لعولمة الاقتصاد ، كل هذه الانهيارات محت مبادئ الرأسمالية .
الآن العالم كله يسعى لإرجاع مجد الرأسمالية عبر إنشاء نظام عالمي يفرض عليك نظامًا رأسمالياً حتى تكون جزءًا من هذا العالم مثل (منظمة التجارة العالمية ، صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي للتنمية…الخ).
على الصعيد الآخر من العالم مع أواخر سنين الاتحاد السوفيتي ، كانت تُطبق المبادئ الاشتراكية سعياً للوصول إلى الشيوعية ، كانت التجارة الخارجية ، مفقودة تماماً في الأنظمة الاشتراكية خوفاً من الغزو الفكري والسلعي من الغرب ، كانوا يظنون أن الانغلاق التجاري سوف يحقق الاكتفاء الذاتي باستغلال الموارد المتاحة ، متناسين الميزة النسبية للتجارة وأثرها على النمو الاقتصادي ،  فمن الغريب أن يظهر الرئيس(ﻣﻴﺨﺎﺋﻴﻞ ﻏﻮﺭﺑﺎﺗﺸﻮﻑ) ، معلناً ، مشروع إصلاح الاتحاد السوفيتي. يرى بعض المنظرين ان المشروع كان نتاج ضغوطات من الشعب و أوروبا، خوفاً من حرب عالمية ثالثة ، هنا أيضاً تفقد الاشتراكية ،إحدى الركائز ،لكن من اجل سد فجوة التجارة الخارجية ، ذات الأثر الحقيقي على الاقتصاد .
من خلال هذا السرد المبسط ، الساعي إلى نفي وجود ايدولوجيا اقتصادية راسخة وثابتة ، وان الكل يخضع للتطور وان الاقتصاد مرن لا يخضع لإيديولوجيات وإنما يخضع لما تقضيه الحقبة التاريخية والعوامل البيئية والاجتماعية .
في تقديري ، أن الاقتصاد هو تحقيق نتائج ، تظهر على كل المجتمع متمثلة في النمو الذي يقود إلى التنمية والرفاهية ، عبر الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة. 
لابد لنا من الخروج من صندوق الأنظمة والايدولوجيا ، المتمترس على مبادئ ، الزمن كفيل بتغيرها ، يجب أن نكون في حالة نقد وإصلاح متواصل ،لتحقيق نتائج اقتصادية تنعكس إيجاباً على كل المجتمع ، ولا تؤثر عليه سلباً ولا على البيئة الاجتماعية  والطبيعية والفكرية .
لتحقيق ذلك يجب إعادة النظر في كل المواقف الايدولوجيا في الفلسفة الاقتصادية ، وان نقدم نقدًا دائمًا لكل تجربة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة