الرئيسية / احدث التدوينات / ابتسامة هاربة

ابتسامة هاربة

Capture

بقلم: حيدر سالم

الأمطار غزيرة، تتساقط ككلمات محروقة من شفاه خشبتها أصابع الصمت، كلمات يابسة، الطقس ينتحب طراوة تلاشت تحت غبار الأزمنة، لا المطر، و لا سيلان السرعة الفائقة يمنح لحظة لدنة إلى قلب ” أبو عباس ” المنسدح فوق كرسيه، رافعًا قدمه اليمنى فوق مكتبه، المحل الذي أسدلت عليه أشباح الزمن ظلالها، فوق جدرانه التي تآكلتها أنياب الرطوبة أو النسيان، الباب الحديدي يكاد يغلق نفسه خجلًا، لم يزره و لا حتى ضجيج المارة، فمحله بات ” أنتيكة ” قديمة، حتى الخشبة التي خطت عليها اسمه” الأصالة بإدارة أبو عباس المصور” لا لون فيها، اسمه الأحمر باهت، أحمر مشلول، لا يشحن العيون بوغزة لاهبة، فمن سيتصور عنده و أحدث صورة التقطها لشاب في ثمانينات القرن الماضي . هذه مزحة من يعرفونه، يضاحكونه بها لكنها الجملة التي تقف في صدره منتصبة كخنجر ساخر، الآن عصر “السيلفي”، الهواتف تلتقط الصور بدقة متناهية، و تخزنها في ذاكرة وسع محله، تلتقط أدق شعرة تنتصب في وجنة فتاة، و لكنها لم تلتقط ابتسامة واحدة ! ، هكذا برر فشل كاميرته إزاء تضاحك الناس عليه . المطر يعزف نفسه على الزجاج، يلوح كصوت بلاستيكي، و كأنه توقف هناك، في الثمانينات، أما الآن فهذا سائل للزينة، يبلل و يعزف لكن بدون صوت و طراوة، يسقط متخشبًا في زمن معدني، الضوء الشحيح يفرش نفسه تحت انعكاسات الأبنية، بين تلافيف الصمت الطافق، يخترق عتمة السكون صوت طفل يتخبط في بركة صغيرة، الشارع فارغ، لا يعرف ” أبو عباس ” من يملأ رأسه الآن و كل العالم صار فارغًا منذ ثلاثين سنة. ارتفع صوت القرآن من الجامع القريب، لم يعتد البقاء على كرسيه طوال اليوم، استكانت زخات المطر، تحولت إلى قطيرات متباعدة، الهواء صاف ، كأن المدى غسل نفسه من أدران هذا العصر، قذارة السرعة، تكنولوجيا الأشباح، لم تسقط كلمة “سيلفي” من شفتيه إلا و هي مبللة بوابل من الشتائم، هذه الكاميرا الأمامية التي قطعت رزقه، لم تكن النقود شاغله الذي نبعت منه اغتراباته المسيجة ، فأبناؤه ينفقون على البيت، لكن الخيط الذي نسجه في ثوب العالم أخذته الرياح إلى مديات قاحلة، مديات سوداء، تأكله اللا إتجاهات داخل هبوب لا ينقطع. لا موسيقى في هذا العالم، فوضى و ضجة تجدد نفسها، كل ذرة ملعونة هنا تصرخ، تنادي صوب إنقاذ لا ينفذ، صرخة تمتد صوب كف قوضها الظلام، الموسيقى لا تعرف طريقها إلى مدينته، مدينة ينخرها وباء مبهم، مدينة الثورة أو علبة الكبريت التي لا تنطفئ / لا تشتعل، علبة الكبريت التي تحرق يديك، و لا تضيء لك إلا تيهك الرابض فوق الخطوات، ماذا ينتظر ” أبو عباس ” من هذا العالم الذي يكبس زرًا وهميًا فوق شاشة ملساء ليؤرخ لحظة، تجمدها في أبدية لا يفتتها الانقضاء، قال له مرة عجوز أثناء تصويره لعائلته في بداية الثمانينات ؛- إنه لولا الأحفاد الذين أصروا على صورة جماعية لما قبل أن يقف أمام آلة مثل هذه ! -، تلك الأداة التي تسجن لحظة ما، تقرفصها خلف القضبان، تصخرها، تشل حركتها، تؤطر الهمسات المرفرفة، الأنفاس التي تشعل المكان بحميمية ناعسة، و دفء فاتر، لكنه لم يكن ليقبل بهذا الحكم المتعسف على كاميرته القديمة، و يقبله على الهواتف الذكية ! ، حيث السيلفي يظهر إعجازه بضغطة طفيفة؛ تجميد لحظة، لا الإمساك بها، بل التمسك بأصداء هروبها، الصورة تلك الأصداء التي تركت مشهدها في سكون أزلي، كان يشاهد الابتسامات التي التقطها، و يعلق ساخرًا على ” سيلفيات ” أحفاده إنها بدون ابتسامة، ( السيلفي يخشب الابتسامات يا أبنائي ! ) ، تذكر العجوز الذي كان رافضًا لالتقاط صورة لولا إصرار أحفاده ، لهذا الإصرار ذاته يمتلك ” أبو عباس ” عدة صور سيلفي، أو عدة ابتسامات خشبية .

وثب ” أبو عباس ” من سباته ، نافضًا غبار الماضي من قدميه، أحكم قفل المحل، متقلدًا كاميرته التراثية مثل كل يوم ، لعله يسمع نداء من فرد تفلت منه رغبة التصوير على الطريقة المندثرة؛ يرفع دثار الغبارات المطبقة فوق عدسة الكاميرا، سار متمتمًا بلعنات لا تنضب، تدفق غضبه نهيرات من العرق المملوح فوق جبينه الأسمر، تذمر من الشتاء الجديد، شتاء لا يبرد الجلد، و يترك للعرق أن يتصبب، كل شيء فقد سماته، المطر بلا صوت، الشتاء بلا برودة ، لا طراوة في هذا العالم البلاستيكي ، هذه الكلمات كانت عزاؤه الهش، العزاء الذي تكسره أي نأمة من واقع فظ .

مضت نصف ساعة على دورانه بين الشباب، ينادي بينهم، ( صورة بالف )، كان ” أبو عباس ” أيقونة التصوير في أيام الجمع، في صلاة الجمعة، ينتسج مع حشود الناس قرب محله، الصلاة التي تقام في مكتب السيد الصدر، شاهد الصورة الكبيرة التي كان صدام حسين مرسومًا عليها قبل 2003، الآن يتوسطها جمهرة أناس يهتفون، يخرجون من مرقد علي بن أبي طالب، يعتلي الصورة من اليمين السيد محمد باقر الصدر، و من اليسار محمد صادق الصدر، بحلق في الصورة طويلاً، كيف غير الزمان ذلك الوجه الجامد، وجه صدام الذي طالما تخيله سرمدياً ؛ بهذه اللوحة الحالية ؟ لماذا لم تتغير الصور التي التقطها ؟ ابتسم وناجى السيد شاكيًا إليه المصلين الذين لم يلتقطوا الصور منذ مدة طويلة، بقي داخل مناجاته، يتهادى فوق ابتسامته التي هربت من بقايا عالم يتداعى، جلس فوق العشب الندي، لم يكن العشب طريًا، الأشياء صلدة، ملفوفة بصلابة عصية على الهدم، أطال النظر إلى المراهقين المدخنين، تمدد مثلهم، فكر في النجمة التي تعاند الغيوم للظهور خلفها راقصة، يهزهزها صفاء يرسم فوق تقاسيمه لحظة هنيئة ، – ماذا لو كانوا يهنئون بلحظة واحدة في هذه الحياة ؟ لو تعتلي ملامحهم ابتسامة طرية واحدة في هذه الحياة ؟ – حمل أسئلته في قلبه أو سلة الخوص البالية، و خرج إلى الشارع ، كانت الأرصفة تضغطها حركة هوجاء بدأت بعد توقف المطر، السيارات تزداد أو علب الريح المتلاهفة، تلوك الشارع بإنارة لا تضيء ! ، الرذاذ يمسح وجهه من خيبة لا تحذفها المعجزات، ما كاد يقطع الشارع حتى على صوت الانفجار فوق هواجسه القديمة ، صار تحت عجين بشري ، الأذرع تتوسد بطن ، حلقت ساقه اليسرى في مكان ما سيعرف بعد سويعات، كانت أضواء ” فلاشات الكاميرات ” من الهواتف الذكية تغرق المشهد ، جميع الشباب الذين نجوا يلتقطون لهم الصور، يؤرخون دمى الموت المتفحمة ، ينطفئ الفلاش فتعلو وجهه ابتسامة هاربة من زمن لا يعود ، يضيء الفلاش فتختفي الابتسامة في ظلام زمن لا ينتهي ، سالت فوق كاميرته قطرة مطر، كانت تعتلي صدره كقلادة فرعونية يسافر بها إلى عالم الغياب، نزلت القطرة كطراوة هاربة من زمن بعيد، طراوة تبلل شفاه العصر المعدني .

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة