الرئيسية / احدث التدوينات / الأدب الإسلامي ومفهوم المنفعة (1)

الأدب الإسلامي ومفهوم المنفعة (1)

441

الأدب الإسلامي هو ذاك الأدب المسئول ، الذي خلاصة ما يصبو إليه هو تعمير الأرض ، أي الكاتب الإسلامي هو خليفة الله في الأرض . أورد هنا ما ذكره الدكتور نجيب الكيلاني حول المفهوم الشامل للأدب الإسلامي :

تعبير فني جميل مؤثر .. نابع من ذات مؤمنة .. مترجم عن الحياة والإنسان والكون .. وفق الأسس العقائدية للمسلم ..باعث للمتعة والمنفعة ..محرك للوجدان والفكر .. محفز لاتخاذ موقف والقيام بنشاط ما

إن النغمة التي يعزفها الأدب الإسلامي باستمرار : كلمة “منفعة” ولا يحتفي بالشكل الجمالي وحده إذ يرى فيه علة ، ولا بالمضامين الفكرية الفاسدة فهي ليست برسالة الإسلام أي لا يؤمن بالجمالية المنحرفة ، ويسلط الأضواء على التردي والانحراف بغرض التقويم لا بهدف التبرير والتماس الأعذار . هنا النقطة التي جهلها الأدب الإسلامي هي الموازنة بين المنفعة “التقويم” والعبث ، وبين المنفعة والتبرير ، فحتى في الإسلام هناك المسلمون حقا وهناك المنافقون ، أي أن التقويم مسألة ينبغي أن يجتهد فيها المتلقي أن يستقي من العبث ما ينفعه”الشكل” ومن التبرير ما يجد به في عمارة الأرض.

أن يتسع المفهوم الإسلامي ليشمل أن هناك معنى للآداب المضربة التي لا تفعل غير أن تزيد المتلقي أسى وحيرة وهذا ليس تشوه ولا معنى وأسى وحيرة أخرى كما يصوره المفهوم الإسلامي فيشمل ضمن ما تحويه كلمة منفعة “العبث والشقاء” فقد يكون الحل ليس معالجة وإنما إثبات أنك لست وحيدا ” وهي أيضا علاج” فالعلاج بمزيد من التخبط والحيرة يؤكد للمتلقي ” أنك لست وحيدا في هذا التيه بل هناك في جهة ما من الأرض من يشاركك ” وفي ذلك عزاء وتسلية أي منفعة . فالكتابات المضطربة هي وليدة لحظات ضعف أو نقص لا ينبغي أن يغفلها المفهوم الإسلامي .

فالكاتب الإسلامي ليس نبيا لا يخطئ وإن كان منهم أنبياء خالصين فهناك ضعاف نفوس قد تتمكن منهم نزواتهم ، هنا على المتلقي أن يتحرك ، أن لا يبقى ساكنا كالقشة تحركها الماء والهواء .

يحضرني هنا ذاك المشهد برواية حفل الهالوين لأجاثا كريستي ، مما دار بين المحقق وصاحبة الحفل :

” – يجب ألا ننسى أن هؤلاء الشباب يكونون في مقتبل حياتهم ويحتاجون إلى إتمام دراستهم وإعطائهم الفرصة لكي يحيوا حياة طيبة

ـ سمعت هذا الكلام من رجال مفروض أنهم أكاديميون ويشغلون مناصب كبيرة

ـ إنهم يعطفون على الشباب بسبب سوء التربية المنزلية أو انهيار الأسرة

سأل بوارو باهتمام : إذن فمن رأيك أنهم يحتاجون شيئا آخر غير السجن؟

ـ العلاج السليم

قال بوارو : ألا تؤمنين بالحكمة القائلة …. وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه

امتعضت مسز دريك قليلا وقال بوارو : هذه الكلمات إسلامية

ـ نحن ينبغي ألا نأخذ مثلنا من الشرق الأوسط

ـ يجب أن نقبل الحقائق للجينات ومن بين الحقائق التي يقررها علماء الأحياء أن تصرفات الإنسان ترجع إلى التكوين المبدئي للجينات فالقاتل في سن الرابعة والعشرين كان قاتلا في سن الثالثة أو الرابعة وكذلك الحال بالنسبة لعالم الرياضيات والموسيقي الموهوب “

هي ليست دعوة للتشتت داخل المذهب الواحد  وإنما تبيان لمرونة المفهوم الإسلامي بتقبله الالتزام التام والمضطرب ما دامت الغاية التي يصبوان إليها في السمو بالإنسان والمجتمع واحدة .

في حوار مع ف.س.نيبول “نشر بخفايا الكتابة الروائية” : هل تعتبر الكتابة الشيء الأهم بالنسبة لك ؟

أجاب : بلا شك في ذلك نعم ، لم تعد لي طموحات أخرى غير الكتابة  . لهذا السبب يزعجني المرض خلال هذه السنوات الأخيرة لأنه يفرقني عن وجودي الأساسي عن الطاقة التي تنشطني بلا شك لن أعود أبدا الشخص الذي كنته لكن لا تظن أني سأصير حتى من أجل هذا ناسكا

أما البرغوثي : “معيار السلوك عندي ليس الصحيح والخطأ وليس الحلال والحرام بل الجمال والقبح هناك صحيح قبيح لا أمارسه ولا أتبعه حتى لو كان لي كل الحق في ممارسته واتباعه وهناك أخطاء جميلة لا أتورع عن ارتكابها باندفاع ورضى ولكن دائما للرضى ما يشوب الرضى ما الذي قبل أن تستقر بداياته انقضى

النفور الديني واضح لدى الكاتبين ، الأول “لكن لا تظن أني سأصير حتى من أجل هذا ناسكا” هل هو خوف من الالتزام !! أما البرغوثي فولعه بالشكل واضح حينما يقول “بل الجمال والقبح” ومعنى الجمال هنا أشبه بالموقف التبريري لمسز دريك “العلاج السليم“. وبعيدا عن جنس الرواية البوليسية الذي لا يأبه كثيرا بالشكل ويهتم للحقائق المجردة أن يؤمن بلجيكي “وهنا لأول مرة أنتبه أن ديانة هيركيول بوارو لم توضح بأي كتاب” ب” وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه” بينما يصدر عن شخصية مسلمة ” أخطاء جميلة لا أتورع عن ارتكابها “هذه الأخطاء الجميلة “كجمال لحظات في ضوء القمر تلك التي خطها موباسان” هي التي يجب أن يحفل بها الأدب الإسلامي لا أن يقف محاولا تحليل الأدب العربي وما جابه شخصياته العربية المسلمة من تأثر بفلسفات غربية أو انصياع لنزوات ذاتية أثرت على المفهوم الجمالي الإسلامي عله يؤثر عليها بل يقبلها مسلما ” فهو يفعل ذلك في حال التقويم”  .

وليس الغرض من المثالين السابقين بيان أن القرآن حق وانه صالح لكل زمان ومكان ” وهو كذلك فعلا” وإنما إيضاح أن التأخر بالآخر باق ما بقيت الحياة وأن القبول والأخذ ينبغي أن يتم دون مساس بالمنطلق العقيدي . وما دام هذا الأدب صادر عن ذات مؤمنة بالله فهي أقدر على تحديد أبعاد وصياغة معنى ” أخطاء جميلة” .

وهذه ليست دعوة للانصهار فيما يسمى ب ” أدب أمريكي مسلم ” بل محاولة لاستيعابه، فتصور د/مهجة قحف في مقالها ” الأدب الأمريكي المسلم حقلا ناشئا” : “تصوري عن الأدب الأمريكي المسلم أنه تركيبة مرنة من ثلاثة عوامل : تأليف مسلم وما يتضمنه هذا العامل ـ رغم غموضه وفضفاضيته ـ يحول دون توسيع مجاله إلى حد الميوعة حتى لا يشمل أي عمل عن المسلمين ينجزه مؤلف لا صلة له البتة بالهوية المسلمة على غرار روبرت فريقنو بروايته عن بائس مسلم  متعصب في أمريكا . إن ما يتجلى في هذا الأدب هو الإسلام كمفهوم ثقافي لا كمفهوم ديني فالكاتب “المسلم المرتد” يظل مسلما في تصوراتي فأنا لا أهتم بدرجات الالتزام والممارسة الدينية بقدر ما يعنيني ” الأسلمة الأدبية “وما الأسلمة الأدبية سوى تحوير لمفهوم الأدب الإسلامي الموضح أعلاه

 

عن مريم خميس

mm
كاتبة من السودان