الرئيسية / احدث التدوينات / الرواية ما بعد الكولونيالية “رؤية حداثية “.

الرواية ما بعد الكولونيالية “رؤية حداثية “.

56cc6ae29fca02035899910

بقلم: الجزولي إبراهيم 

في منتصف القرن التاسع عشر برزت نظرية الفن للفن ، مفادها أن الفن ليس وسيلة لتحقيق الغايات وجوهرها قطع العلاقة بين الفن والمجتمع وحاجاته . وهي ترى أن التجربة الفنية غاية في ذاتهاا ، هي نظرية لها جذورها وتستقي أسسها الفلسفية من المثالية الكانطية ، إلا أنها تعرضت لوابل من النقد لان الحركة الإبداعية عمومًا متواشجة تمامًا مع الحياة والواقع والبشر وحاجاتهم ولو تتبعنا التاريخ نجد أن الواقع بتعقيداته يؤثر على الفن والأدب ويجعل منهما وسيلة حتى للظلم والقهر، وإن كل حقبة لها تفاصيلها ومبرراتها وقضاياها وحتى نظرية الفن للفن نفسها أفرزتها التفاصيل الحياتية آنذاك .

عندما غزا الاستعماريون العالم كانوا يعرفون جيدًا في قرارة أنفسهم أنهم نهابون جشعون مرضى ولكنهم يتظاهرون بأنهم يريدون تخليص العالم من البدائية والبربرة والتوحش ، وعندما شرعوا في إنجاز هذا المشروع الجحيمي كانت لديهم رؤيتهم الأحادية إلى التطور والرقي في جميع المجالات حتى لتطوير الذات والروحانية الإنسانية ، وكانت لديهم أدواتهم أيضًا ومن ضمنها الرواية للأسف ، إن انخراط الرواية في هذه الأعمال ولو بطريقة ملتوية يحدث شروخ دامية في دواخلنا كبشريين نؤمن بسمو الأدب ووعيه الكامل، إلا أن وجهة نظري الخاصة في هذا الموضوع هو أن الامبريالية كانت حالة شاملة ضبابية ولها تسويقاتها العقلية والأخلاقية مما مكنها من اصطحاب حتى الأدباء في سفينتها الهالكة. في كتابه المتأني الملحاح ( الثقافة والامبريالية ) توصل ادوارد سعيد إلى أن السرد الروائي دعم الثقافة الاستعمارية ، بتناوله لكثير من الأعمال الروائية وتفكيكها بعمق وبصيرة وصبر ” يجب أن نستمر في تذكر أن الروايات تشارك وتساهم وهي جزء من سياسات بالغة البطء لا نهائية الصغر ، توضح وتعزز ، بل ربما كانت من آن لآخر تدفع قدما التصورات ووجهات النظر حول انكلترا والعالم1 .

نحت مصطلح ما بعد كولونيالية في سبعينات القرن الماضي واستخدم في المجال السياسي أولا ، ثم أصبح أكثر شمولية ينطوي تحته كل ما تأثر بالكلونيالية وما يهمنا هنا المجال الثقافي والرواية تحديدا . برغم ما ذكرناه آنفا أن الرواية خدمت الامبريالية يعد سببًا في تشكيل أدب ما بعد كلونيالي إلا أن هناك دواعي عديدة متداخلة ساهمت في بروز هذا التيار أهمها إبراز الوجه الحقيقي للاستعمار وهدم أسسه العاجزة المتهالكة ، ثم إنها نتاج لتلك الوقائع التاريخية ومحصلة لها ، وهناك سبب هو جوهر هذه الكتابة وهو الحداثة ، كما أن هناك الكثير الذي أدى إلى ظهور الرواية ما بعد الكولونيالية (postcolonial novel) “تشير المفردة إلى الرواية التي كتبها أفراد ينتمون للثقافات التي كانت خاضعة للهيمنة الكولونيالية من قبل2 .

عند بروز الحداثة الأدبية في مطلع القرن التاسع عشر كان العالم يمتلئ بالجديد في كافة المجالات وكأنما بدأ لتوه حتى على مستوى الداخل البشري وسيكولوجيته مما أدى إلى ظهور سرد أدبي مختلف يحتمل هذا الواقع الغريب الذي يصعب تعريفه ، كما برزت أيضاً ثقافات غنية فتية وتليدة أيضا لكنها مكبوتة من المركزية الثقافية الغربية ، الطريقة والتكنيكات التي استخدمت في الرواية الحديثة ساهمت في ارتقاء الثقافات المكبوتة هذه وخاصة في حقبة ما بعد الكلونيالية ، لأن الرواية الحديثة تفيض بالتسامح والتعددية والرؤية بأبعاد لم تكن مطروقة كما تؤمن بالاختلاف وتنبذ الأحادية ، كما تشككت في الواقع نفسه ومعناه .

وأيضًا ” الرواية الحديثة ساهمت في تفكيك الهيمنة الكلونيالية الثقافية من خلال الأساليب التي توظف فيها أنماطاً لم يعتدها القراء ، وتعددية الأصوات ، والاهتمامات الوقتية المزاحة ، ومسالة العلاقة بين الفرد والمجتمع3 .

وتخدم الحداثة الروائية أيضًا المشروع ما بعد الكلونيالي بتكنيك إعادة كتابة الروايات السياسية ذات التوجه الامبريالي بإعادة سردها تبعًا للسياق الثقافي المحلي كما يرصد جيسى ماتز ، و ينبهنا أيضاً بأن تركيز الرواية الحديثة على موضوع الوعي ساعد في توفير بدائل مناسبة للوعي الثنائي الذي خلفه العالم الامبريالي .

سعت الشعوب المتحررة لتكوين ذاتها الثقافية الخالصة والمتكاملة ووجد الأدباء أنفسهم أمام وضعية منغمسة تمامًا في الامبريالية مما أجبرهم على تطوير شكل روائي حديث يوازي المرحلة ، إذا اختبرنا موسم الهجرة إلى الشمال وهي رواية تمثل الوضعيات الثقافية وصراعاتها فمصطفى سعيد الغريب الذي نجح واخترق الأوساط الثقافية الانجليزية إلا انه لم يكن يجد الراحة في قرارة نفسه وهذا لأن ذاته مرتبطة بثقافة أخرى وأرض وذاكرة تاريخية فرؤيته للأشياء وللوجود عمومًا مختلفة، وهو يمثل الحالة المشوشة والغامضة التي تمثلها فترة ما بعد الكولونيالية فيرى ذاته متخيلة وغير حقيقية وهذا نتاج الفعل الاستعماري ، حتى في نزقه وجنسانيته المفرطة يستخدم المغريات والعطور المحلية التي تحفل بها ثقافته الحقيقية ، ثم يحصل أن يكون تاريخ ميلاده هو نفس تاريخ دخول المستعمر إلى بلده، هذا الأمر أيضاً يحصل في رواية سلمان رشدي ( أطفال منتصف الليل ) إذ تتزامن ولادة بطل الرواية سليم سيناي مع لحظة استقلال الهند، وهذه دلالة على استخدام تقنية الزمن في خلخلة المفاهيم التي خلفها الاستعمار وان المستقبل مشرع أمام هذه الشعوب رغم آلام الماضي ومآسيه .

إن فك الارتباط و الخروج من الحالة الامبريالية ليس بالأمر السهل والدور التنويري الذي لعبته الرواية الـ ما بعد كلونيالية له أثره رغم التكوين العقلي لمعظم كتاب تلك الحقبة والهجرة القسرية إلى بلاد مستعمريهم واللغة الهجينة، روائيون عظماء لا تسعنا هذه السانحة لتناولهم اثروا الوجود الإنساني بسرد خلاق هادف مؤنسن .

1 ادوارد سعيد – الثقافة والامبريالية – دار الأدب للنشر والتوزيع – ترجمة كمال أبو ديب .

2 جيسي ماتز – الرواية الحديثة مقدمة قصيرة – دار المدى – ترجمة لطيفة الدليمي .

3 نفس المصدر .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة