الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: أزيز*

بريد القراء: أزيز*

معاذ

بقلم: معاذ أحمد أبو القاسم

(1)

      ذات نهار قائظ، تتلظى فيه الأرض من الشمس وتتلوى؛ فرت منه الكائنات، وجفت أغصان الشجر وبدت عارية. هوت أقدام جنود مدججون بقوة عند مدخل البلدة الصغيرة، تراصوا عند منحدر مختبئين بحذر. أخرج قائدهم منظاره، وبدأ بالتمعن والرصد. كانت الطرقات خالية من العابرين، والمقاهي والسوق من المتكئين. أعطي إشارة للتأهب ثم وضع ذلك الشيء الحديدي على كتفه، أغمض عينه اليُسرى، وحاول التركيز على الهدف بعينه الأُخرى المتعطشة للدم، حدد المسافة بدقة حتى لا يُخطئ؛ فهذا قد يجعله محل سُخرية وسط من هُم أقل منه رُتبة. تحسس ببطء وتأني زناد سِلاحه، وهو يرتكز بثبات تام دون أي رجفة، ولا يبالي بما نز من عرق علي جبينه. يتأكد أن الفريسة في مرماه، لقد وقعت في شِباكه، ويُحرك إصبعه. جسم مُحمر إنسل من فوهة دائرية طويلة، يئز للخلاص الذي ناله أخيراً؛ فقد تم حجزه لفترة طويلة داخل رِحم أُمه. يتحرك بسرعة، يُسابق الضوء، يخترق ذرات الهواء ويُقاوم الجاذبية.

     تُظلم الدنيا في العالم الماورائي، صوت رعدي يشق سكونه السُرمدي، تنفطر السماء وتنحسر، يخرج منها ثعابين سوداء، تتلوى وترقص في الفضاء، فاتحة فكيها ومُظهرة أنيابها، ترشح سُماً في الفضاء فيتحول من فوره إلى نار حارقة. تتجمع وتُشكل جسداً ضخماً يذوب ويتماهى مع تلك الطلقة، إنها اللحظة التي إنتظرها طويلاً؛ رغم أنه بالكاد يخلع عنه قناع آخر سلب به إحدى الأرواح، يسيل لعابة من فرط النشوة، متعطشٌ هو للدماء، للدمار، سادي في تعامله، تُفرحه المأساة والشحوب الذي يتركه على الوجوه التي سلب منها أحدهم. ضحكة صاخبة تخرج من حنجرته، تزلزل الكون، يصيب الرعب كل من سمعها، فقد ذاقوا ويلاتها كثيراً. ينطلق المعدن نحو الهدف الذي خُلق من أجله.

(2)

     صبي يلاعب جروه أمام باحة منزلهم الطيني، والده متكئ يتبادل الحديث مع زوجته. يلهو الطفل، يركض الجرو من حوله ويثيره ذلك لضحك أكثر. تبتسم الطلقة اللاهثة نحوه بمُكر. تخترق جمجته، تترك ثُقب كبير وراءها. صرخة مكتومة تملأ حنجرته، لا تجد سبيلها للخروج. ينزف الجسد بشدة، يحاول الزحف نحو والديه لكنه يعجز؛ لقد إستولى عليه ذلك المُقنع.

     فزع أهل القرية لصوت الطلقة، وتسلل الرعب لنفوسهم، فها هي الحرب تطرق أبوابهم. فجع الأبوين، نَفِقَت سعادتهم وإنزوت في رُكنٍ قصي، إنقشعت سحابة ما. إنهارت الأم الثكلى إثر المُصيبة؛ فقد كان وقعها كبيراً عليها. جن جنونها، مزقت ثوبها، لطّمت خدها، تمرقت على الأرض، وأطلقت العنان لحنجرتها، إلى أن تلاشى صوتها تدريجياً. طيف أبيض له ملامحها وملامح طفلها صعد نحو الأعالي.

     تقدم المسلحون وهم يطلقون ناراً كثيفة كلما اقتربوا من البلدة، ساد الهلع والخراب، وتناثر الجمع ما بين قتيل وجريح وهارب، وتصاعدت أدخنه الحريق. صارت البلدة رماداً. إبتسم الجُندي في تعالي، كبَّر، وكبَّر زملاءه خلفه، ثم تحركت الدبابات نحو القرية. كان مُلثم الوجه منتصباً قُرب المدافع. أخرج سِيجارة، تأملها بين سبابته ثم أشعلها، وبدأ منشرحاً بين شهيق وزفير. أدخنة كثيفة تتراقص للأعلى، تتشكل كسحب، لتتحول ببطء الي طائرات حربية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* جاء هذا النص في المرتبة الثالثة في مسابقة قصص على الهواء التي تقدمها مجلة العربي الكويتية – عدد مايو 2018

وقد أردفت لجنة التحكيم:

” يقدم الكاتب صورتين بقدر ما بينهما من تنافر وتباعد بقدر ما ربطهما الدم، الضابط السادي المتعطش للدماء باسم الدين، الذي يهمه أن يجيد التصويب أكثر من التفكير في الروح التي سيزهقها بلا جريرة، والأسرة البسيطة التي يلعب طفلها مع جروه في سعادة لاهية عن شرور الدنيا، ثم تكون الطلقة ذات الأزيز الوحشي هي التي تربط إلى الأبد الضابط الوحش والطفل الملاك، الذي تخترق الطلقة جمجمته ليكون أول شهيد في القرية قبل الهجوم الكاسح عليها.

الرسم البسيط والواضح لكل من الصورتين كان قادراً على توصيل فكرة القصة دون أي تدخل من الكاتب، وهو ما حرص الكاتب عليه لولا عبارة أعتبرها تفسيرية وزائدة، هي “متعطش هو للدماء، للدمار، سادي في تعامله، تُفرحه المأساة والشحوب الذي يتركه على الوجوه التي سلب منها أحدهم. ضحكة صاخبة تخرج من حنجرته، تزلزل الكون، يصيب الرعب كل من سمعها، فقد ذاقوا ويلاتها كثيراً”.

القصة برغم بساطة لقطيتها، إلا أن تركيب اللقطتين معاً هو ما رسم حياة كاملة قائمة على فكرة التضاد الأزلية بين الخير والشر. “

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة