الرئيسية / احدث التدوينات /  بريد القراء: لم أكن ماعزاً بما يكفي

 بريد القراء: لم أكن ماعزاً بما يكفي

8af83207b159f5880eb1c420fb3bc2e9

بقلم: علاء الدين احمد إبراهيم

كما في كل يوم، يشد الليل رحاله إلى قريتنا الصغيرة التي ترقد بهناء بين سفح الجبل والغابة الموحشة. أسدل الهدوء ستائره، وأحالت كتل الظلام القرية لرسم كرتوني هادئ الطباع باللونين الأبيض والأسود، يعلوهُ صفحة زرقاء رقيقة من السماء الصافية التي تحمل بأحشائها قمرا خجولا لم يجرؤ على أن يرسل ضوءه أو بالأحرى جنودهُ الأشاوس لفض كرات الظلام المحتشدة والتي أحكمت قبضتها على كل زقاق بالقرية؛ كما المستنير الذي لا يملك حيِّلة تكفيه لتمزيق قناع العتمة الذي البسه الطاغية لشعبهِ المغلوب في أمره.

                        
فالساعة والنصف التي أمضيتها مستلقيا على الـ«عنقريب» لم تسعني للامساك بخيوط النوم والتجديف بأنهُر أحلامي الوردية. كنت مختليا بنفسي بغرفتي، افعل ما اعتدت على فعله كل يوم قبل الخلود إلى النوم، استرجع بذاكرتي شريط الأحداث المختلفة بيومي كما الماعز الذي يجتر الثمار والأوراق ولحاء الأشجار التي التهمها بوقع النهار، ثم ها هو الآن يتفحصها ويعيد ترتيبها بالطريقة التي تروق لجوفه عندما يهدأ الليل ويسود الصمت والسكون. احلل حماقاتي التي ارتكبتها خلال النهار، أعاتب نفسي على هذي وتلك، كذلك لم انس أن أضفي على نفسي بعض عبارات الإطراء والمدح على تصرفاتي التي اتسمت باللباقة والحصافة في بعض الأحيان خلال يومي الحافل بالتناقضات، مع العلم بأنه لا يختلف كثيرا عن بقية أيامي التي اقرب ما تكون إلى النسخ الكربونية ليوم واحد منها إلى الأيام المختلفة.

وفي خضم تلك المعمعة التي تدور رحاها بين نفسيَّ اللوامة والأخرى العمارة بالسوء، لم ألبث أن اسمع الكلب العجوز الذي كان يرقد على احد جانبي باب الحوش الكبير يكسر بنباحهِ الأجش جدار الهدوء الذي يطوق القرية، أخذت حدة النباح تتضاعف بتدريج متزامن مع صوت وقع أقدام على الأرض، بدأ الصوت يقترب رويدا رويدا من باب الحوش الكبير حتى تلاشى تماما أو خُيِّل لي ذلك في لحظة ما. أما الكلب فما زال هو الآخر يمارس عادته المفضلة عندما يرى شيئا غريبا بالليل وكل الأشياء عنده غريبة بوسط الظلام. وقبل أن انهض من العنقريب اخذ صوت منادٍ يختلطُ مع نباح الكلب العجوز، كان الصوت ينادي باسمي، فإذا به صديق لي يقيم بالقرية المجاورة لقريتنا، يستغرق الذهاب إليها في غالب الأحيان نصف ساعة مشيا على الأقدام، جاء مهنئاً لي ومبارِكا، فقد سمع خبر تخرجي من الجامعة.

تحدثنا كثيرا ولوقتٍ متأخر من الليل كما يفعل كل صديقين افترقا لمدة طويلة كهذي التي بيني وبين صديقي. نصف أحاديثه لم تبتعد إلا قليلا عن الأرانب والدجاجات البرية التي اصطادها الأسبوع الماضي بالغابة أما النصف الآخر من مجرى حديثه اقتسمه بين «رقصات الفرنقبية، والكشوك، …الخ» والفتاة التي طلب يدها للزواج فتعثر عملية زواجه بها لأسباب لم يفصح عنها بوضوح. حكى عنها بالإسهاب الذي أخذني الحنين فيه لأن احلق بذاكرتي لأبعد حدود الذكريات، فانا لم أرها منذ سنوات طويلة أي قبل التحاقي بالمدرسة الثانوية بأحد المدن الكبيرة، فهي لم تكن فائقة الجمال كما يبالغ في إطرائها ووصفها لكن كما اعرفها، يكفيها فقط أن ترتدي «رحطها» الأسود لتظهر ما جاد الله لها من نحول خصر واستدارة أرداف يفتتن بها شيوخ وصبية القرية على السواء. فالرحط هو لبس نسائي يصنع من ﺳﻴﻮﺭ ﺍﻟﺠﻠﺪ ﺗُﺮﺑّﻂُ ﻋﻠﻰ ﺳﻴﻮﺭٍ ﺟﻠﺪﻳﺔ أخرى ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻨﻬﺎ تطوق بخصر ﺍﻟﻔﺘﺎﺓ التي لم تتزوج بعد.
وفي لحظة ما، بدأ النعاس يداعب جفوني بحنان مغريا عينيَّ على النوم لكنها كانت تغالبه بقوة وعزم في أحايين كثيرة. فصرت اسمع نصف ما يقوله وافهم ربع ما سمعته، وأجيب على الربع الذي ادعيِّت فهمهُ بلا مبالاة. عندما توارى الليل وراء خيوط الشروق الذهبية، استيقظنا على صوت أمي عند باب الـ «قطية».
وبعدما فرغنا من مهمة إفراغ كوبي الشاي بجوفينا، ولم تجد توسلاتي له بعدم الرجوع لقريته بهذا الوقت المبكر أو بالأحرى قبل تناول وجبة الإفطار على اقل تقدير، لمحت بوجهه أشياء لم استطع تفسيرها بطريقة تروق لذهني، خُيِّل لي وكأن شيئا ما حصل لكن لم استطع تحديده على وجه الدقة، اغلب الظن هو أنني ربما قلت ما ضايقه أو ما لم ترُق لنفسه خلال حديثي معه البارحة عندما كنت مترنحا بالحافة بين النوم واليقظة. وما زلت إلى هذه اللحظة أتقلب على سريري، أمارس عادتي المفضلة لكن بأحلامي هذه المرة، أكثر ما أتمناه هو أن اجتر من ذاكرتي حديث البارحة لتتسنى لي فرصة تفحّصه وإعادة ترتيبه بالطريقة التي تروق لصديقي، لكنه رجع إلى قريته مبكرا تاركا لي باب التأويل مواربا.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة