الرئيسية / احدث التدوينات / بيانو ديمقراطي (2_2)

بيانو ديمقراطي (2_2)

إدوارد سعيد    

              يتبلور النقد عند ادوارد سعيد كمرتكز مهم جدا فيه يسبح حول مفاهيمه التي يصكها من خلال قراءته للتاريخ و للمجتمعات ويُفَعل سَعيد النقد كأساس لحركة المثقف وكممارسة في آن واحد وكموقف من السلطة بكافة أشكال تمظهرها.

يقول ادوارد ” إن إحدى مهام المثقف هي هدم التصورات الاجتماعية المقبولة1 هي مقولة أراها امتدادًا لمقولة الايطالي أنطونيو قرامشي الذي قال في كتبه (دفاتر السجن) : أن كل الناس مثقفين لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقفين داخل المجتمع . فرؤية قرامشي تستند في فحواها على أن المثقف مرتبط بوظيفة عضوية داخل المجتمع لصيقة بمصالح طبقة محددة أوشركات معينة بحيث يكون نشطاً وأكثر فاعلية مقارنة بالذين اعتبرهم مثقفين لكن لا يقومون بوظيفة المثقف العضوي مثل المعلم و رجل الدين .

كما أن ادوارد سعيد يتفق مع قرامشي إلى حد ما رغم اختلاف الأنساق الفكرية التي يتحرك فيها الرجلين فالأول ماركسي بامتياز وادوارد ينطلق من خلفية (علمانية – ليبرالية )ولكن يظهر اختلافه الواضح و الصريح مع جوليان بندا الذي تحدث عن مسألة خيانة المثقفين ويرى أن المثقفين هم قلة قليلة وليسوا عوامًا يختلفون عن غيرهم في أنهم لا يسعون إلى أغراض محددة بل هم من يتمثل العدالة والخير، وهذا ما نقده ادوارد في انه تصور يخرج بالمثقف عن واقعه الذي يجب عن يعبر عنه، كما ذكر أيضاً في كتابه صور المثقف “هو فرد في المجتمع له دور علني لا يمكن تصغيره إلى مجرد مهني أو عضو كفء في طبقة ما لا يهتم إلا بأداء عمله2 فادوارد عندما طرح نفسه كمثقف وضح كيفية مهامه التي يقوم بها في الشأن العام بجانب أن هذه منطلقاته التي شكلته فله تاريخه وأفكاره التي أسس من خلالها إلى حد تعبيره (الشأن الخاص ) الذي يعنيه ويسعى إلى التعبير عنه للآخرين .

بقدر ما أريد أن أضع أساس مفاهيمي لقراءة ادوارد سعيد أجدني انزلق إلى قراءته بصورة حياتية وهو ما لا أجده مناسبًا لباحث يجب أن يتقصى أوجه الأشياء على حقيقتها المفاهيمية ( اقصد بحقيقتها المفاهيمية هنا الظروف التي شكلت مفاهيم ادوارد فجعلته يدافع عن موقفه منها ففي لحظة تاريخية محددة يتحول المفهوم إلى حقيقة متمثلة أمام الكاتب فينطلق ليضع حججًا عقلانية يدافع فيها عن موقفه ) . ادوارد الذي وصفه بارساميان بأنه رجل نهضة وهو وصف أراه بالمناسب فادوارد جعل الفرد جزءًا من الثقافة كما هو المجتمع فبدل أن تكون الثقافة لصفوة أو مجموعة جعل ادوارد من الثقافة محور تشارك للجميع، وهو ما يوافق وجهة نظر ريموند وليمز في كتابه الشهير( المجتمع و الثقافة ) إن هذا المفهوم ينقلني لان أضع عيني على النظرةالكونية التي توجد في خطاب ادوارد فهو يتعدى الشمولية لينفتح على الكونية كما هو حال صديقه الشاعر محمود درويش .

إن انفتاح سعيد على الكونية يأتي في الأساس من موقفه النقدي للتاريخ وللمعرفة ويتخذ من موقفه العلماني بابًا ليدخله على هذا النقد، وقد يلتبس على البعض أن ادوارد الذي كتب تغطية الإسلام لم يقم بالدفاع عن الإسلام كدين أو كقيم، فهو يرى الموقف النقدي يجب أن يشكل بعيدًا عن الدين كموقف جمالي، “ويتجلى الفرق بين التاريخين في رأي سعيد، المطابق لرأي جان باتيستا فيكو، “في أن الأول يأتي إلى الوجود ثم يتطور في اتجاهات عدة ويتوجه نحو أوجه متعددة حتى إذا بلغها انهار ليعيد العملية من جديد.ويَحدث كل ذلك بطرق قابلة للبحث والتحري لأن المؤرخين …بَشر ويُمكنهم معرفة التاريخ على أساس أنه من وضع الرجال والنساء… أمّا التاريخ المقدَس فإنه من إنجاز الله، ومن ثم يستحيل معرفته” 3 وهو ما حاول ادوارد تطبيقه على الأدب و الموسيقى في دراسته فجعل عازف البيانو الناقد ينسج من الانسنة فعل يدخل على كل تركيب المجتمع بعيدا عن القدسية “فكتاب “العالم والنص والناقد” من أهم كتبه التي يكشف فيها عن رؤيته النقدية في الفصل التمهيدي الذي يحمل عنوان “النقد المدني”. وهو النقد الذي يناهض الأصولية والقمع وانغلاق النظرية على نفسها بما يحيلها إلى دوجما. وهو النقد الذي لا يفارق الحرية في معانيها السياسية والاجتماعية والثقافية، مدافعًا عن حقوق الإنسان رافعًا لواءها في كل مكان،والكاشف عن قمع “السلطة”- كل سلطة تحول بين حرية الفرد أو الجماعة. يضاف إلى ذلك أن النقد المدني هو النقد الذي يكتب في العالم، شأنه في ذلك شأن الأعمال الأدبية والإبداعية بعامة، ولكن من أجل العالم، وتحرير أفراده من شروط الضرورة، بإبداع الكلمة في حالة الأدب، وبالكتابة عن الأدب بما يجسد رؤاه المدنية الملازمة لقيمة الحرية التي لا تفارق بعدها الإنساني في حالة النقد.

_____________________________

1 صور المثقف – ادوارد سعيد – غسان غصن – دار النهار – بيروت – 1996
2 الثقافة و المقاومة – اوارد سعيد ، باراساميان – علاء الدين ابو زينة – دار الاداب – 2002
3 ادوارد سعيد بين النقد الديني والنقد العَلماني –  إسماعيل العثماني-  هسبريس –  21 – 11 – 2012

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان