الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: آلان دو بوتون “الكتابة ليست خيارًا”

ترجمات خاصة: آلان دو بوتون “الكتابة ليست خيارًا”

36225864_1727358950678620_4655470061799079936_n

يتحدث الكاتب عن الأرق وديانة الزن البوذية ,وجمع الحصى,وسبب اللوذ بالمكتب

لقراءة الموضوع الاصلي (هنا)

لعل الكثيرين منّا يعانون من تشوّش التفكير إلى حدٍ ما، أما أنا فلا: فلدي حاجة قوية لدارسة أفكاري بجنون أكثر بكثير مما يعدّه الناس طبيعيًا، إنني بحاجة للتفكير في الخبرة وإلا أصبحت قلقًا وعبئًا حقيقًا على غيري، لقد أثبتت الخبرات القوية أنها ساحقة أو كثيفة أو مشوشة أو مربكة أو قاتمة، ويجب عليّ وضع تلك الخبرات على الورق، لقد بدأت هذا العمل بهذه الطريقة، فالكتابة ليست خيارًا (فمن المؤكد أن ثمة أشياء أكثر قيمة من ذلك بكثير)، ولكنها كانت أفضل الطرق وأكثرها إنتاجًا في حالة المرض الطفيف، فأنا لا أتوقف عن العمل مطلقًا، بطريقة ما، ولكن في الوقت ذاته لا أعمل بالجدية ولا بالسرعة الكافيتين، فالاشمئزاز من الذات أصبح عادة عند معظم الكتاب، وأصبح التأخير لا ينتهي، ومن المؤسف بالنسبة للأدب أن الأخبار أصبحت مشوقة تمامًا في الآونة الأخيرة، إن الأمر يتطلب وقتًا طويلاً والكثير من البحث على موقع الجارديان الإلكتروني حتى يتفوق الألم الناتج عن عدم تحقيق شيء على الإطلاق على الخوف من القيام بشيء ما على نحو سيء.

بطبيعتي لا أستطيع النوم جيدًا ، ومن حسن الحظ أن عدد من يستطيعون النوم جيدًا يقل أكثر فأكثر، وهذا ما لاحظته، إلا أنني لا أزال أشعر بالوحدة والغربة في الساعة الثالثة صباحًا، فترى أشياءً يصعب الاحتفاظ بها في ضوء النهار، ومن السهل نسيان كيف يمكن التوصل إلى أفكار إستراتيجية بسيطة خلال النهار، فعند الحكم على الأمر بالأفكار التي تأتي لنا ونحن في السرير فإن للسرير حق في أن ندعوه مكتبًا أكثر من المكتب الذي نعمل فيه، فالأرق يبدو كانتقام لتلك الأفكار الهامة والغزيرة التي لا يتاح لنا الوقت للتعامل معها في ضوء النهار.

في بعض الأحيان أذهب إلى أحد المكاتب، لقد قمت بإنشاء موقع إلكتروني بعنوان (www.theschooloflife.com) منذ عدة سنوات مضت، وكتبت عددًا من أفضل مؤلفاتي مع غيري ممن كتب، ومن بين الجوانب الأكثر جاذبية في العمل المكتبي هو أنك لا تضطر إلى التصرف بشكل طبيعي بالكامل، فيجب التصرف «بمهنية»، ما يعني أنك لن تضطر إلى إظهار شخصيتك بالكامل، إنني أتصرف بطبيعتي تقريبًا ظاهريًا,وأنا أنقر على لوحة المفاتيح، وإن كنت من داخلي أشعر بجميع أنواع المشاعر الغريبة,ولكنني أتحكم في نفسي بهدوء وتحفظ، وهذا ليس قصورًا كما يبدو، فلعل من أعظم أنواع الحرية في بعض الأحيان: أن تضطر إلى كبت جانب من طبيعتك، إنني أجلس بهدوء لساعات،  وأتناول شطيرة وأنا على مكتبي، ولا يمكنني أن أغرق في بحر اليأس, ولا أن أصرخ, ولا أن أكون شاعريًا بالكامل فهناك من يراقبني، ففي المكتب تتاح لك الفرصة لمراجعة أعمالك لحسن الحظ، ولهذا أذهب إلى المكتب.

تبدو كتابتي في النهاية مختلفة تمامًا عما أشعر به بداخلي وهذا هو مربط الفرس، فالكتابة مثل الكائن الحي تحاول أن تفهم وأن تكون صافية وأن تكون وافية، ولعل هذه القدرة على إحداث فجوة بين ماهية الكاتب وماهية عمله ليست صحيحة فقط بالنسبة للفن، فهي تميز جميع الأعمال، فالمستندات القانونية التي يتم إرسالها هنا وهناك في المكتب,لا تحمل على الأرجح ذلك الرعب والاضطراب الانفعالي والعادات المثيرة للجدل التي تميز المحامين الذين قاموا بجمع تلك المستندات، ففي العطلة الأسبوعية قد يلجأ طبيب الأسنان إلى الحيلة والخداع كأي شخص عادي, أما عندما يكون في عيادته مرتديًا معطفه الأبيض فإنه يتحول إلى شخصٍ آخر، إن العمل يتيح لنا فرصة  إظهار أخلاقنا الدمثة.

إن تنظيم أمور حياتنا عن طريق العمل أمر عظيم، فالعالم الأوسع يكون فوضويًّا دائمًا، ولكن في العمل يمكننا في بعض الأحيان أن نحظى بتجربة مختلفة، فيمكننا التطرق لمشكلة وحلها في النهاية، فيمكننا تنظيم الفوضى إلى حدٍ ما؛ لقد كنت أقرأ عن الرهبان في ديانة الزن البوذية في القرون الوسطى في اليابان، وكان يبدو أن لديهم فهمًا بديهيًا لهذا النوع من الفائدة التي تعود علينا من العمل، فكانوا ينصحون المقيمين في الدير بالقيام بانتظام بتجميع الحصى في الحدائق الجميلة في المعابد المحيطة بمدينة كيوتو لتحقيق هدوء البال، فكان بمقدور هؤلاء الرهبان تحقيق التماسك والتفكير المنطقي على الوجه الأكمل داخل فناء كبير، ولم يكن ذلك سهلاً، فكان الرهبان يحبون عمل أنماط طموحة من الحصى على شكل دوامات ودوائر، وكانت الخطوط دائمًا واهية جدًا، فكان من الممكن أن يطأ الرهبان أحد الأنماط التي قاموا بعملها بالفعل، وقد يبذلون الكثير من الجهد فقط حتى يظل المجراف بزاوية معينة، وكان الأمر جنونيًا في بعض الأحيان وخاصة في الخريف عندما تتساقط الأوراق في كل مكان، لكنهم كانوا يتمكنون من إصلاح الأمور في النهاية، وبمرور الوقت والقليل من عمليات التصحيح الدقيقة, والتدريب الجيد كانوا يتمكنون من القيام بكل شيء على النحو الذي يجب أن يكون عليه، وكانت تلك مشكلات حقيقية، لكنهم كانوا ملتزمين بالحل وكانوا يتوصلون إليه.

وهذا هو بالضبط ما يشعر به الكاتب عندما ينتهي من تأليف أحد الكتب في النهاية، إن الكتاب يشبه الحصى الّذي يمكنك تجميعه، إنه حيز محصور يمكنك تنظيمه على نحوٍ مثالي، ما يساعدك بالتالي في إشباع تلك الحاجة الداخلية القوية لتحقيق النظام والتحكم، إنها حاجة نؤجلها كثيرًا بسبب تلك المواقع الإخبارية المثيرة التي تحول بيننا وبين ما يجب علينا القيام به بفاعلية وقوة.

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن