الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: إنهم يراقبونك أنت وكُلّ شيء على الكوكب

ترجمات خاصة: إنهم يراقبونك أنت وكُلّ شيء على الكوكب

watching-you-control-room-television-system.adapt.1900.1

مترجم عن مقال ناشيونال جيوجرافيك الذي نُشِر في فبراير 2018         

كتبه: Robert Draper                  

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

 

مع التكنولوجيا وطلبنا المتزايد للأمان، وُضعنا جميعًا تحت المراقبة. هل أصبحت الخصوصية مجرد ذكرى؟

في حوالي العاشرة والنصف صباح يوم الأحد في إقليم لندن الشمالي ازلينجتون تسابق رجلان على الدراجات في رواق السوق بــ Upper street معتمرين خوذتيهما ومعطفين والقفازات، يبدوان كجزء من لعبة أكثر من أن يكونا بشريين، شقا طريقهما حول الأتوبيسات ذات الطابقين بسرعة انتحارية، بما جعل سائقي الدراجات البخارية يجفلون من مجرد الاقتراب منهما.قام السائقان بحركات بهلوانية بطول الشارع المزدحم، ولكن كان من الواضح أن هناك هدف ما في عقليهما أكبر من متعة ركوب الدراجة.

بعد ثلاث أو أربع دقائق، أخذا منعطفًا مفاجئًا إلى جادة سكنية هادئة، ثم كبحا الفرامل وأوقفا محركاتهما، واقفين على جانب الرصيف وخوذتيهما لاتزالان على رأسيهما بدآ حديثًا كان حوارهما غير معروف إلا لهما. ولكن هناك شيء هذان الرجلان لا يعرفانه؛ فعلى بعد ميل تقريبًا من نافذة غرفة ما كان هناك رجلان آخران يراقبانهما.

“إنهما يتحركان” قال Sal لــ Eric

جلس الرجلان على بعد 10 أقدام كلاهما عن الآخر، وراء لوحة مفاتيح طويلة في غرفة القيادة الخاصة بــ CCTVببلدة ازلينجتون كانت الغرفة مدهونة ومفروشة كلها باللون الرمادي بلا أي زينة. كان Salرجلاً في منتصف العمر، بينما Ericيصغره بعقد كامل، ارتدى الاثنان ملابس المكاتب التقليدية، ولكن لم تكن هناك أحاديث قصيرة بينهما. وبينما انطلق رائدا الدراجات مرة أخرى، بدأ Sal في الضغط على مفاتيح الحاسوب، طالبًا أن تظهر الكاميرا (10) على شاشته، وها هما مرة أخرى، يطيران هابطين على UpperSt. وعندما يختفيان عن رؤية Sal يحدد Eric مكانهما بسرعة على كاميرا (163) وباستخدام عصا التحكم يقرب الصورة على الدارجات ليتمكن من قراءة لوحة الترخيص. يتحدث Sal مع الشرطة عن طريق الراديو:يوجد لدينا رجلان مشتبه بهما على دراجات يقومان بحركات بهلوانية في Upper St.

أمام هؤلاء الرجال شاشة عرض كبيرة مكونة من 16 شاشة، تنقل صورة مباشرة من 180كاميرا CCTV لــ ازلينجتون وحدها، وبأدلة مرئية صباح هذا السبت الذي كان هادئًا تمامًا، ففي وقت سابق من هذا الأسبوع مات شاب بعد أن تم طعنه في شقة، وقفز رجل آخر إلى موته من على المعبر الفوقي في Archway Road المسمى بجسر الانتحار، وفيما بعد اليوم في منتزه فينسبري، باحثة بين 35.000 مُحتفل، في بحث عن أي نشالين، أو مشاكسين ثملين، وعملاء آخرين لمحاولات التسبب بالأذى.

ولكن في هذه اللحظة، فإن سائقا الدراجات هما صاحبي الحركة الوحيدة المريبة في ازلينجتون، وعلى الرغم من أن Sal،Ericاللذان يقومان بهذا العمل منذ خمسة عشر سنة، وأربع سنوات على التوالي كانا يلاحقان طرائدهما بفاعلية رتيبة، إلا أنني كنت أشعر تقريبًا بنبضات قلبيهما تتسارع. لأنهما كانا يظنان أن هذين الرجلين عضوان في عصابة كانت تدمر ازلينجتون لأكثر من عام، فقد كانا يسرقان الهواتف الذكية من المشاة ثم يبيعونها في السوق السوداء في ضواح مقيم بها حوالي 233.000 نسمة.

ومع هذا فإن القبض عليهما بجرم قانوني يبدو تقريبًا غير مهم إطلاقًا، بدلا من هذا، كنت منبهرًا ومأخوذًا بفكرة أن الرجلين لا يملكان أي فكرة أنهما مراقبين في كل مكان يذهبان إليه، ربما هما مجرمين وربما هما مختلين عقليًا، إن مراقبتنا لا توضح هذا، الشيء الوحيد الواضح أننا نراهما ولكنهما لا يروننا، مثل الغزلان التي تمّ الإيقاع بها في منظار البندقية، هذان السائقين لا يظهران أي علامة لضعفهما، وبهذه الطريقة أصبحا مكشوفين جدًا.

هذا المساء على بعد عدة أميال كنت أجلس في مقطورة متحركة جنوب غرب لندن، مباشرة تحت الشارع الذي فيه محطة مترو أنفاق فوكسهول، بجانبي كان هناك رجل شاب يُدعى Haz، كان أمامنا العديد من الشاشات التي تُظهر صوراً من 10 كاميرات موجهة إلى ملهى ليلي قريب. Haz كان يأتي هنا بضعة إجازات أسبوعية كل شهر، فأصحاب الملاهي الليلية يريدون تجنب أي مشاكل قانونية بسبب صفقات المخدرات التي يقوم بها الرعاة، لهذا عينوا مراقب كاميرات CCTV ورجل البوليس السابق Gordon Tyerman، الذي يجعل رجله Haz يراقب الحشود. ومن حين إلى آخر يلاحظ أحد مرتادي الملهى الكاميرات، فيوجه الإبهام الوسطى في وجه Haz، ما عدا ذلك بالنسبة لــ Haz هناك الآلاف من الشباب الذين يدخلون ويخرجون إلى المقهى ويعتبرونها تسليته غير المقصودة.

هذا هو أفضل وأكثر عمل مثير عملت به من قبل”. يقول Haz ويتابع: “فكل شيء غير متوقع إطلاقًا، يكون كل شيء هادئ ثم فجأة من لا شيء يندلع شجار“.

يجلس Haz بهذه المقصورة عشر ساعات متواصلة، وعيناه على الشاشات، فإذا رأى أي تجارة للمخدرات يبلغ حرس الملهى الداخلين بأجهزة الووكي توكي، إن حماقة تجار المخدرات تدهشه–فدائمًا ما تظهر انتفاخات في جواربهم، وينفذون عملية تسليم البضاعة عن طريق اليد بميلودرامية شديدة- على الرغم من وجود حراس الأمن. “إننا نسألهم كيف يمكنكم أن تكونوا أكثر غباءً؟” ضاحكًا وهم يأخذون هذا الكلام على محمل التحدّي.

الليلة لا يوجد تجار مخدرات لا شجارات، فقط الغباء العشوائي للصغار والمخمورين، ليترنحوا بأذرع مترابطة في الشارع، ويضربون بعضهم، ثم يتقيؤون على الرصيف، وفي وحدتهم المفاجئة، ينفجرون في الشهقات. يدّعي Haz انه اكتسب الكثير من الخبرات التي لا تقدر بثمن من هذا العمل، تقريبًا أكثر المهارات التي قد شحذها هي “الأنثروبولوجيا”.. هناك أشياء تراها على الـ CCTV بعد هذه الساعات المختفية، ويتابع بدهشة “تجعلك تظن أنهم ليسوا بالغين، الناس تميل إلى أن تنسى حقيقتها.

ولكن، هل حقًا تميل الناس إلى أن تنسى حقيقتها؟ أم أنهم ببساطة يميلون إلى نسيان احتمالية وجود أحد ما يراقبهم؟!

في عام 1949وسط خيال التسلّط الأوروبي، نشر الروائي البريطاني George Orwell رائعته البائسة 1984، بتحذيرها المتجهم: الأخ الأكبر يراقبك؛ على قدر ما كانت هذه النظرية مُزَعزَعة للغاية، فـ (المراقبة) كانت تدور وقتها بشكل محدد للغاية ، لكن في نفس العام 1949، أطلقت شركة أمريكية أول نظام CCTV متاح سوقيًا، وبعدها بعامين في 1951 طرحت Kodak الكاميرا القلم المحمولة لجمهور مرعوب من هذا التقدم التكنولوجي.

اليوم أكثر من ترليون صورة يتم تحميلها أو تخزينها على الإنترنت سنويًا -هذا بالطبع غير بلايين الصور والفيديوهات التي يحتفظ بها الناس لأنفسهم- بحلول 2020، قدرت شركة اتصالات واحدة أن 601 بليون شخص سيملك هاتفًا محمولاً به إمكانيات للتصوير. على الصعيد الآخر، وفي السنة الواحدة يُقدّر أنه يتم بيع 106 مليون كاميرا مراقبة جديدة. أكثر من ثلاثة ملايين ATM يحدقون بالزبائن حول الكوكب. عشرات الآلاف من الكاميرات التي تُعرف بأنها أجهزة أوتوماتيكية لتعريف لوحات السيارات ANBR تتأرجح على الطرق -لتقبض على رائدي الدراجات البخارية المسرعين، أو مخترقي قواعد ركن السيارات- ولكن أيضًا في حالة بلد مثل المملكة المتحدة، لتعقُب ذهاب وإياب المجرمين المشكوك فيهم. أما عن الأعداد غير المقدرة فهي في ازدياد دائم مع الناس الذين يرتدون كاميرات أصبحت غير محدودة فقط لرجال الشرطة، ولكن العمال في المستشفيات، وآخرون ممن ليسوا مطبقِّين للقانون. ومن الأشياء المنتشرة أيضا أجهزة المراقبة الشخصية مثل كاميرا رائدي الدراجات في خوذاتهم لتسجيل الاصطدامات، أجراس البيوت المزودة بعدسات القبض على لصوص الطرود والتي أصبحت كلها جزء لا يتجزأ من الترسانة اليومية لسكان المدن، حتى على مقياس أقل ولكن مع مقدار أكبر من الإزعاج نجد بلايين الصور للمواطنين غير المدركين يتم التقاطها بتكنولوجيا التعرف على الوجوه وتخزن في قسم خاص تحت بند تنفيذ القانون، وتعتبر سيطرتنا على هذا الجزء غير موجودة بالأساس.

هذه فقط أجهزة “المراقبة” التي نستطيع أن نراها، فلأن السماء معبأة بالطائرات التي تطير بلا طيار

-205 مليون فقط تم شرائهم في 2016 من قِبِل أمريكيين للتجارة أو كهواية- وهذا الرقم لا يتضمن أسطول العربات الهوائية التي تستخدمها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ليس فقط من أجل الإرهابيين في اليمن، بل لوقف أيضًا الهجرات غير الشرعية من المكسيك، ومراقبة الأعاصير في تكساس، والقبض على لصوص الماشية في شمال داكوتا. كما أن هذا الرقم لا يتضمن الآلاف من الأجهزة الجاسوسية المحمولة جوًا من قِبَل دول أخرى -منها روسيا، الصين، إيران، وشمال كوريا-.

نحن يتم مراقبتنا من السماوات أيضًا، حيث أكثر من 1700ستالايت تشاهد كوكبنا، من على بعد حوالي300 ميل بعض منهم يمكنه تمييز قطيع من الجاموس الوحشي، أو بدايات حرائق الغابات، من الفضاء الخارجي يتم الضغط على كاميرا ويمكن لغريب أن يملك صورة دقيقة للمبنى الذي نعمل فيه.

وفي نفس الوقت، وفي نفس هذا المبنى، ربما يتم تصويرنا من زاوية قريبة جدًا عشرات المرات يوميًا، من عدسات لن نراها، وصور مخزنة في قاعدة بيانات سرية لأغراض لن نعلمها أبدًا. فهواتفنا الذكية، وأبحاثنا على الإنترنت وحساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي تفصح عن أسرارنا.

يقول Gus Hosien المدير التنفيذي للخصوصية الدولية:إذا أرادت الشرطة أن تعلم ما في رأسك في الثمانينيات، كان عليهم تعذيبك، أما الآن عليهم فقط اختراق أجهزتك.

هذا هو أيضًا- اقتباس عن مستقبلي بريطاني آخر Aldous Huxleyصاحب عالم شجاع جديد الذي نراه قادمًا في راحة باردة، كما يقول Alessandro Acquisti  بروفيسور تكنولوجيا المعلومات بجامعة كارينجي مالون:في لعبة القط والفأر الخاصة بحماية الخصوصية، نجد أن جهة البيانات عادة ما تكون الأضعف. مجرد الاستسلام للعبة هو اقتراح مثبط للهمة، ولكن حتى تستطيع حماية خصوصية أحدهم بنجاح قد يتطلب الأمر أشياءً أكثر لا أخلاقية من مجرد الاستسلام.

يكتب بروفيسورRandolph Lewis جامعة تكساس للدراسات الأمريكية في كتابه الجديد تحت المراقبة، أن تكون مراقبًا في أمريكا الحديثة: إن عملية المراقبة حقًا مرهقة لكل من يشعر بتياراتها التحتية، فهي تغمرك بإلحاح مستمر، بألغازها كلية الوجود، وجداولها اللانهائية من التحركات، عمليات الشراء، والاحتمالات“.

إن الرغبة في الخصوصية يقولAcquisti:صفة عالمية بين البشر، عبر الحضارات، وعبر الزمان، فنجد لها دلائل في روما القديمة، اليونان القديمة، في الإنجيل والقرآن، ما يدعو حقًا للقلق، أننا إذا عانينا من نقص في الخصوصية على مستوى فردي، حينها فقط سيشعر المجتمع بقيمة الخصوصية، عندما يكون خسرها تمامًا“.

هل ولاية أورويلين*تلوح في الأفق كمصير مؤكد؟ أم هناك توقعات أكثر تفاؤلاً؟ توقع حيث يكون العالم تحت المراقبة عالم أحسن! فلنضع في الاعتبار 463 فخًا للكاميرات بالأشعة تحت الحمراء الذي تستخدمه منظمة تمويل الحياة البرية العالمية في الصين لمراقبة حياة الباندا العملاقة المهددة بالانقراض، أم الأجهزة التي تلتقط صور بالاستشعار الحراري التي يضعها الجوالون في الماء، ليقضوا على الصيادين في محميةMasai Mara الطبيعية بكينيا. أو نظام الكاميرات التي تعمل بالصوت تحت الماء الذي طوره باحثو سان ديياجو بالولايات المتحدة ليتعقب دلافين الـ والتي قاربت على الانقراض في بحر الكورتيز. وأخيرًا وليس آخرًا كاميرات حراس الغابات التي وُضِعت لتساهم في حماية مشاجرSriLankaالمتضائلة.

إذا كانت تريد صورة للمستقبل حذّر Orwell في كلاسيكيته:تخيل حذاءً يدهس في وجه إنسان للأبد.هذه الرؤية المتسلطة تبعد احتمالية استخدام الحكومات لهذه الأدوات حتى تكون الشوارع آمنة.

مع ذكر مثلاً، فيلم كاميرات المراقبة الذي حلّ قضايا التفجيرات بمترو لندن 2005، وماراثون Boston2013. وهناك العديد من القصص الغير معروفة أيضًا، مثلEuric Cain الذي تم الإمساك به بشكل واضح متلبسًا بإطلاق النار على تلميذ في جامعة تولين للطب يدعىPeter Gold في2015، بعدما كان جولد يمنعه من خطف امرأة في شوارع نيو أورلينز (وقد نجا Gold، وتلقى Cain حكمًا ب 54 سنة سجن بسبب عدة تهم منها اغتصابات، سطو مسلح، والشروع في القتل).

في ميناء بوسطن قامت وزارة الأمن الوطني باختبار طريقة لتخيل ما في الحمولة، اخترعها فيزيائيان Robert Ledoux، William Bertozzi باستخدام تقنية تسمى “رنين الإسفار الإشعاعي” -حيث تصبح المادة معرفة من النوى- يمكن لجهاز المسح دون فتح الصناديق أن يعرف عنصر المكونات، على العكس من الإكس راي التي تظهر الشكل والكثافة، يمكن لهذا الجهاز أن يفرق بين الصودا والدايت صودا، بين الماس المُصنّع والطبيعي، المتفجرات البلاستيكية وعالية الانفجار، وحتى المواد المشعة وغير المشعة.

هل يمكن لأي أحد أن يشك في أن عالم مراقب بهذا الشكل بعد 150 عامًا سيكون أكثر أمانًا؟ هل سيكون بإمكاننا أن نعرف هويةJack the Ripper، وإذا كان تصرفLee Harvey Oswaldوحده، وهل فعلO. J. Simpson أي شيء أساسًا؟ بالتأكيد، السلامة العامة للشعب كانت الحجة الأساسية للمراقبة سواء قبل أو بعد Orwell، ولكن الآن التكنولوجيا يمكن أن تعتبر منقذة في العديد من المواقف المحيطة، فبفضل الصور التي وُفِرت عن طريق كاميرات الستالايت، وجدت منظمات الإغاثة لاجئين بالقرب من الموصل مخيمين في صحراء شمال العراق، وأيضًا الفضل كله يرجع إلى العديد من مستطلعات الفضاء في مساعدة العلماء لإيجاد الدليل على أن مناخ العالم قد تغير بشكل دراماتيكي.  هل يمكن أن يخطئ خيال Orwell العظيم؟ هل بإمكان الأخ الأكبر أن ينقذ البشرية بدلا من أن يستعبدها؟ أم يمكن أن يكون السيناريوهين في نفس الوقت صحيحين؟

هناك شهية للمراقبة في المملكة المتحدة لم أرها في أي مكان آخر في العالم. يقول Tony Porter المفوض المعروف الوحيد لكاميرات المراقبة في العالم بينما كنا نجلس في كافتيريا بمكتب حكومي بلندن تطل فيه كاميرات CCTV من كل زاوية. تم تعيين Porter رجل الشرطة السابق، ومتخصص ردع الإرهاب منذ أربع سنوات ليكون مسئول الأمن في المملكة. عن طريق مكتب الملكة نفسه. هو يُغير بعض النظم الخارجية لحالة المراقبة التي تشمل البلاد وتتوسع بلانهاية، مع مرتب سنوي 320.000 إسترليني تقريبًا، يقضي Porter وثلاثة مساعدين آخرين اليوم في الجدال مع الحكومات وبعض مستخدمي أدوات المراقبة التجاريين كي يلتزموا بالقواعد والأكواد المتفق عليه ولكن ما أكثر من يذكر من أسماء الغير ملتزمين للبرلمان، فمكتب Porter ليس بيده أي نوع من أنواع السلطة.

ومع هذا، إن تقييمه للندن بأنها أكثر دولة في العالم تستقبل تكنولوجيا المراقبة يعتبر رأي متفق عليه في كل مكان. فشبكة لندن لكاميرات المراقبة قد وُضعت لأول مرة في أوائل التسعينات، بعد صحوة تفجيران من الجيش الجمهوري الأيرلندي للمنطقة المالية بالمدينة. ما تلا هذا كان حملة من انتشار أجهزة المراقبة.كما يتذكر بروفيسور السياسة العامة في جامعة باسكتلندا، وخبير في المراقبة، إن البيان وقتها بخصوص أمن الشعب كان كالآتي:إن لم يكن عندك شيئًا تخفيه، إذا لا يوجد عندك ما تخافه“.

وفي إدراك متأخر يمكنك أن تقتفي أثر هذا الشعار وصولا إلى النازي الألمان، ولكن هذه الجملة كانت تستخدم دائمًا، وكانت تسحق أي مشاعر ضد CCTV.

إن البنية التحتية الأصلية للأمن في المدينة، معروفة بـ “حانة الفولاذ” تم توسيعها لاحقًا من قِبَل تكنولوجياAURP بالعديد من الطرق، والآن هي منتشرة في كل البلاد مثل ال 9000 كاميرا التي تصور وتخزن من 30 مليون إلى 40 مليون صورة يوميًا لكل لوحة معدنية تمر حتى لو لم تكن متجاوزة السرعة المسموح بها أو خاصة بمجرمين معروفين، كما يلاحظ رجل الشرطة الاسكتلندي السابق مشقة عمليات ضدّ الإرهاب:” سيكون من الصعب للغاية أن تمر باسكتلندا ولا يتم التقاطك بكاميراتANRP “.

أنا متأكد أننا حتمًا نملك كاميراتCCTVأكثر من أي بلد آخر على الكوكب”؛ قالها لي مفوض رئيس الوزراء السابق بالمملكة المتحدة

مناظرة عامة أو سياسية لها معنى حقيقي، تقريبًا كدولة لا نملك تاريخًا من الفاشية والتسلطات الغير ديمقراطية التي تجعل في بعض البلاد الشك في السلطات شيء طبيعي، أما هنا فتشعر أن كل شيء لطيف؛ وكما نعلم جميعًا من التاريخ، كل شيء يكون لطيفًا في البداية، إلى أن… لا يكون“.

إن عناصر الخوف والرومانسية تفسر، كل هذا الإسراف في المراقبة في المملكة المتحدة، فهذه دولة قبل كل شيء أُنقِذَت بالجاسوسية؛ فهنا عملية إحياء متحف مفككي الشفرات الأسطورية التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية، في حديقة بلتشلي والتي تعتبر محل زيارة مزدحم ومفضّل من الزوار، وأيضًا في متحف لندن للأفلام، نجدهم يعرضون الجاسوس المندفع دائمًاJamesBond، وهو من إبداع IanFleming، الكاتب وضابط الاستخبارات بالبحرية الأسبق. فالعميل 007 مرتبط بتقييم الأمة للذات ما قبل الحرب، ولكن أيضًا الحقيقة الفاصلة أن المملكة المتحدة كانت إحدى الدول التي تواجه الخوف المتواصل من هجمات الإرهابيين. عندما يأتي الأمر إلى حماية شعبها تظهر الحكومة البريطانية في ضوء تقديري أكثر حكومات المجتمع الحرة.

حتى بعد إفشاء EdwardSnowden عميل وكالة الأمن الوطني بالولايات المتحدة السابق أن الاستخبارات البريطانية والأمريكية يجمعون بيانات ضخمة عن مواطنيهم -وهو كشف أطلق نداءات إصلاح من كلا الحزبين السياسيين في الولايات المتحدة- وعزز البرلمان تلك بشكل جوهري تلك السلطات في أواخر عام 2016 بتمريره قانون مراقبة/ استقصاء السلطات، برفض شعبي ضئيل.

فكما قال ليDavid Omand المدير السابق للمقر الحكومي الرئيسي للتواصل -إحدى الاستخبارات البريطانية التي تحدث عنها Snowdenوالتي تجمع بيانات كثيرة-: في المجمل نحن نرى حكومتنا لطيفة وفعالة، فهي تدير خدمات الصحة العامة، والتعليم العام، والأمن الاجتماعي. وحمدًا للرب؛ نحن لم نختبر تجربة الرجل ذو المعطف الجلدي بني اللون الذي يطرق أبوابنا في الرابعة صباحًا. لهذا عندما تتكلم عن مراقبة الحكومات، يختلف المنطق في بريطانيا“.

هذا لا يعني على الإطلاق أن دولة كبيرة كالولايات المتحدة الأمريكية، بحكومتها الكبيرة المشكوك فيها دائمًا، محمية من زحف المراقبة، فأغلب أقسام الشرطة هناك يستخدمون أو يفكرون في استخدام كاميرات- وهذا تطور، أرضى كثيرين من جماعات الحريات المدنية، حتى تكون هناك طريقة لكبح استغلال التطبيقات القانونية، فكاميرات ANPR في العديد من المدن الكبرى في الولايات المتحدة تعتبر أدوات تطبيق القانون المروري، ولكن في صحوة 11 سبتمبر، هاجت نيويورك على شبكات تفعيل كاميرات CCTVواليوم يوجد بمانهاتن وحدها حوالي 20000 كاميرا وفي نفس الوقت استثمرت شيكاغو بقوة في شبكتها الخاصة بحوالي 32000 جهاز CCTV ليساعد في محاربة وباء جرائم القتل في مدينتهم الداخلية.

ولكن بعض مدن الولايات المتحدة التي لا تملك تاريخًا في الهجمات الإرهابية، وعندها معدل قليل من الجرائم العنيفة قد اعتنقت أيضًا تكنولوجيا المراقبة.

لقد فحصت شبكات CCTV التي انتشرت في صمت وسط مدينة هيوستن، بولاية تكساس ففي 2005 لم تملك المدينة كاميرا CCTV واحدة، ولكن Dennis Storemski مدير مكتب عمدة الأمن الشعبي والأمن الوطني بدأ يتجول في مدن أخرى: ” ببساطة؛ ما رأيته في لندن هو ما جعلني متحمسًا لهذه التكنولوجيا”. وتابع قائلاً: ” اليوم، والفضل لمنحات فدرالية تملك هيوستن 900 CCTV؛ بإمكانية الوصول إلى 400 آخرين”. فمثل لندن لا يراقب المسئولين كل كاميرا كل دقيقة -يقول Storemski: إنها ليست مراقبة في الثانية، لقد أردنا أن ننفي توقع الناس أننا نراقبهم دائمًا”. ربما لهذا السبب CCTV في هيوستن ستمتد إلى ما بعد وسط المدينة -في ولاية من الأساس معروفة بعدم ثقتها في حكوماتها- بمنتهى السلاسة وبأقل قدر من الدراما“.

وبنفس الطريقة نجد أن الرضوخ لانتشار الكاميرات في بريطانيا لافت للنظر جدًا. كاميرات CCTV وANRP -والعلامات التي تشير إلى وجود بعض منهم- تمتزج كرفقاء رتيبين مع بقية البنية التحتية للمدينة. ففي خلال ثلاث أسابيع بلندن، أخذت أتجول في الأحياء الهادئة التي كان يعيش بها Orwell، Huxley فبيت Orwellيقع في ميدان كانون بري في ازلينجتون يقع في مرأى العديد من كاميرات الـ CCTV, ANRP ويبعد حوالي أربع دقائق من غرف التحكم الإقليمية، أما منزل Huxley السابق على بعد بضع أميال تحت مراقبة دائمة في غرفة تحكم منيعة محصنة بالفولاذ.

خارج المدينة من مقاطعة جنوب يوركشاير، ذهبت في زيارة إلى مستشفى Bransley، حيث يضع بعض رجال الأمن كاميرات الجسم حتى يثبطوا أية أفعال منفلتة من الزوار أو المرضى. في خلال جلستي كان يتم تجربة كاميرات مشابهة للمدرسين، حيث أن هناك150000 رجل شرطة بريطاني يستخدم هذه الكاميرات الآن، ربما هذه خطوة أخرى هينة في التفكير مليًا بإعطاء هذه الكاميرات لمسئولين آخرين مثل المعلمين والممرضين، ولكن من بعد؟ مضيفات الطائرات؟ عمال البريد؟ علماء النفس؟ أم مديري الموارد البشرية؟

بعض السلطات المحلية تسعى إلى إرغام سائقي التاكسي على استخدام المراقبةأخبرني Porter مفوض كاميرات المراقبة، “مع وضع هذه الفكرة في الاعتبار واستخدام الكاميرات التي توضع على الجسم في المستشفيات والمدارس علينا أن نسأل هذا السؤال: ما نوع المجتمع الذي نرغب في العيش فيه؟ فهل من المقبول لنا جميعًا أن نصور بعضنا البعض في كل مكان بشكل قانوني، تحسبًا فقط أن أحد سيؤذينا؟

لقد فكرت في هذا السؤال خلال أيامي الأخيرة من التجول بلندن، وعيناي الآن معتادة على النظرات السيكلوبسية من كل ركن وعمود، عندما قادني الطريق حتميًا إلى جسر ويستمنستر الشهير فوق نهر التايمس وجدت نفسي محاطًا بسياح من جنسيات مختلفة، يحملون هواتفهم الذكية في محاولة لإنتاج لندن سيلفي أخير. تفاديت السياح وانعطفت من حولهم وأنا أعتذر، ثم أدركت أنه لا فائدة من تفادي هذه الكاميرات، وهذه كانت الكاميرات الظاهرة أمامي فقط، ما بالكم بالباقي؟ هل كانت كل حركاتي توثق بهذه الطريقة؟ هل حقًا سيشكّل فارقًا ما إذا كان الأخ الأكبر يشاهد أم لا؟ بما أن كل الناس في الأساس تشاهد بعضها البعض؟

لقد كنت أناقش (صور) المجتمع التي تتزايد باستمرار مع مراقبان متحمسان، الأولى Chloe Combi، وهي مدرسة سابقة؛ كتابها الأولGeneration Z: Their Voices, Their Lives يعتبر ثمرة مئات الساعات التي أمضتها في مقابلات مع مراهقين بريطانيين، فقد أظهروا لامبالاة رهيبة تجاه فكرة أنهم يُصورون في كل حالة يمكنك أن تشاهد توثيق لحياة شخص كاملة على هواتفهم”. قالت لي Chole  “إننا نعيش في عالم حيث وبزيادة مستمرة لا تتواجد الأسوار، وإحدى علامات القوة والمال الأساسية سوف تنتهي بأن تكون قدرة الشخص على شراء خصوصيته، أما لأي فرد آخر فالعالم كله مسرح، وكل الناس تلعب فيه دورها بوعي ذاتي“.

إن المشهد المستقبلي الذي رسمته Chole -مشهد فيه الناس كلها متباهية ومسترقي الأنظار24/7- لقد صدمتني، بنسخة متساوية لـ 1984، عالم رائع جديد، إنما كواقع مرير. هل نحن بالفعل هناك؟ عند النقطة الأخيرة للمرحلة التي أسماها عالم الاجتماعياتWilliam Staples بجامعة كنساس عام 2000 “حالة الوضوح الدائم”، ولكن بإذعاننا الخاص، لا بإجبار الحكومات لنا؟! إن كوكبتنا البصرية تعج بالأطفال الصغار البريئين، قطط وأفيال، ولكن أيضًا قطع رأس الدواعش، مشاهير في لقاءات جنسية، سياسيين بوجهين، إطلاق الشرطة النيران على غير المسلحين، وفي نفس الوقت نحن مرئيين من كاميرات المطارات، لوحات الإعلانات الذكية التي تعرض لنا الإعلانات الدعائية على حسب مظهرنا، وكل شخص يعرف كل شخص التقط لنا صور بالكاميرا في يوم نستطيع أن نقسم فيه أننا كنا وحدنا.

سواء كان هذا كله يضيف إلى مجتمع مستنير أم مجتمع متحفز بشكل زائد عن الحد، أم الاثنين معا؛ لا يمكن الجزم.

لقد استرعى انتباهي أفكار Susan Greenfield، باحثة وعالمة أعصاب، وناقدة مشهورة للهوس بمواقع التواصل الاجتماعي، والتي أيضًا يصادف أنها عضوة في البرلمان البريطاني، وكان تقييم البارونة Greenfield لا يقل صرامة عن Choleإن نظرية الخصوصية أو التجريد هي أن تبعد شيئًا ما عنك، نحن نحتاج إلى أن نقطع أنفسنا بعيدًا، يظن الجميع أنه شيء جيد أن تكون متواصلاً ومكشوفًا طول الوقت، لكن ماذا يحدث حقًا عندما يصبح كل شيء مرئي حرفيًا؟ كيف يمكنك أن تفسر مفهوم الشرف إذا كنت لا تجد صوره على جوجل، إن الكون الخاص بالتجريدية متعذر بتفسيره. فالفروق الدقيقة في الحياة تختفي“.

وهكذا تحدثت إلى Tony Porter في الكافيتريا الغائرة والمراقبة بشدة في المكتب المحلي، ووجدتني أكرر شيء كنت قد عبرت عنه منذ شهور: ألا يبدو كل هذا الخوف من الأخ الأكبر غريب الآن؟“.

بابتسامة دافئة قال لي مفوض كاميرات المراقبة: “لقد أصبحت أستخدم هذا التعبير في خطاباتي، ثم تحول إلى الجدية، فقد زار Porter الإمارات العربية المتحدة قريبًا، وهي اتحاد من الحكومات الملكية التي تهتم اهتمامًا كبيرًا بتكنولوجيا المراقبة، الأمر الذي كان من وجهة نظر Porterمشئومًا “أنا أتفهم ما تعنيه، ولكن المراقبة من الولاية اجتياحي، قوي، وقادر على التواصل بشكل أبعد من أكثر التخيلات وحشية لدى الناس. هذا مختلف تمامًا عن الصور السيلفي“.

وتابع قائلاً: “انظر إن التهديد الحقيقي يأتي عندما نصل إلى مرحلة المراقبة المكتملة، ينفق الباعة الكبار ملايين الجنيهات باحثين في كل عنصر للمراقبة يمكن تخيله. أنا رجل بدين في منتصف العمر، ادخل إلى السوبرماركت ومباشرة في الاستقبال يبدؤون في الإعلان عن الكرواسون. ماذا إذا أصبح الأمر أشرّ من هذا؟ ويصبح بإمكانهم من متصفح الفيس بوك الخاص بي معرفة أين ستتبضع ابنتي؟ من سينظم ويدير هذا؟ أم أنه لا حاجة إدارته؟ هل الحصان بالفعل خارج الحظيرة؟ هل بالفعل المراقبة أصبحت “طريفة” “.

إن التطورات الظاهرة كل دقيقة في تكنولوجيا المراقبة تعتبر بالنسبة لبعض المدنيين المتحررين، وكأنها تأخذ شكل قطار من الرصاص يسرع بلا توقف. فكما يحذر Ross Andersonبروفيسور الهندسة الأمنية في جامعة كامبريدج: نحن بحاجة إلى أن نفكر قبل العشرين سنة القادمة. نظرًا لأنه سيكون لدينا واقع مرير، عندما يكون لديك عدسةOculus Rift 2.0، مع وجود 8000 pixels على الأقل لكل بوصة. لذا، يمكنك الجلوس في خلفية قاعة المحاضرات،وقراءة النص على هاتف المحاضر. وفي الوقت نفسه، ستتمكن المائة CCTVفي قاعة المحاضرات من رؤية كلمة المرور التي تكتبها على هاتفك. “

حتى Huxley، الذي تخيل بتحفته الفنية عرضًا ممنوعًا لمدينة لندن الصناعية الفائقة في عام 2540، ولكنه لم يتخيل عالمًا مرئي بتلك الصورة بحيث لا يمكن دائمًا إخفاء أسرارنا الأكثر حميمية. أين سيتركنا هذا؟ على ناحية أخرى، تمتد بنا السذاجة لتصور أن هذه الأدوات يمكن قمعها. يقول David Anderson، المحامي في لندن الذي قضى ست سنوات كمراجع حكومي مستقل لتشريع مكافحة الإرهاب:

إما أن تعتقد أن التكنولوجيا قد منحتنا سلطات قوية يجب على الحكومة استخدامها مع ضمانات قوية لحمايتها بنفس القدر، أو تعتقد أن هذه التقنية مخيفة للغاية لدرجة التظاهر أنها ليست موجودة. وأنا بشكل مؤكد مع الفئة الأولى بقوة – ليس لأنني أقول إن الحكومة يجب الوثوق بها، ولكن بدلاً من ذلك، لأنه في ديمقراطية ناضجة مثل هذه، نحن قادرون على بناء ضمانات جيدة بما فيه الكفاية للمنافع التي تفوق العيوب “.

على الجانب الآخر، يبدو أن السماح لمثل هذا التقدم التكنولوجي في إيجاد طريقه إلى سوق غير منظمة إلى حد كبير بمثابة عمل متهور أحمق. يقول Jameel  Jaffer، المدير المؤسس لمـعهدKnight First Amendment، جامعة كولومبيا:أعتقد أننا نعيش حياة مسجلة ومراقبة على نحو متزايد. وأعتقد أيضًا أننا بدأنا فقط في التعامل مع تداعيات ذلك، لذا قبل أن نتبنى تقنيات جديدة أو قبل أن نسمح بنماذج المراقبة الجديدة لترسيخ نفسها في مجتمعاتنا، يجب أن نفكر في الآثار المترتبة على تلك المراقبة على المدى الطويل. التكنولوجيات كيف ستكون“.

كيف يمكننا أن نطلق مثل هذه الأحكام؟ إن السعي إلى القيام بذلك أمر مثير للسخرية بشكل خاص عندما تحدث اختراقات جديدة تفجر مفهومنا لكيفية رؤيتنا للعالم. في الواقع، لقد ظهرت لعبة تغيير من هذا النوع بالفعل، وهي تكنولوجيا معنية بمراقبة الأرض كاملة يوميًا.

إنها من بنات أفكار شركة مقرها سان فرانسيسكو تدعى Planet، أسسها ثلاثة علماء سابقين في ناسا همWill Marshall, Robbie Schingler, Chris Boshuizen.

يقع مقرها في مستودع يعطي انطباعا حياديا، في حي ساوث ماركت. اللوحة المكتوبة بالداخل هي نسخة طبق الأصل من كتاب “وادي السليكون”: أكثر من 200 شخص، معظمهم من التقنيين الشباب يرتدون ملابس غير رسمية متدلية يحدقون بصمت على لوحات التحكم الموضوعة أمامهم في مساحة عمل مفتوحة، بالإضافة إلى عدد قليل من قاعات المؤتمرات التي سميت تيمنًا ببعض أبطال الشركة، من بينهم: Galileo, Gandhi, Al Gore.

جلست في واحدة من هذه الغرف أتلصص النظر على كافتيريا الموظفين باهظة الأثمان، والتي سيقدم فيها الغداء في وقت لاحق وبعده نبيذ Napa وmicrobrews California.

Marshall, Schingler انضما إليّ، الأول بريطاني نحيف يرتدي نظارات بإطار سلكي. الثاني، عريض وبسيط على النمط الكاليفورني، وكلاهما في التاسعة والثلاثين من عمره يبدو عليهما التعافي تمامًا من مأدبتهما مساء اليوم السابق للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة لبدء العمل بدوام كامل في Planet. عندما كانوا في ناسا، استحوذت عليهم فكرة التقاط الصور من الفضاء، خاصةً الأرض – ولأسباب كانت إنسانية أكثر منها علمية.

كانوا يجربون إطلاق هواتف ذكية عادية في الفضاء، محاولين إثبات أن كاميرا غير مكلفة، يمكنها التصوير من الفضاء. وفكرنا ماذا يمكننا أن نفعل بهذه الصور؟” قال Schinglerكيف يمكننا أن نستخدم هذه الأشياء لخدمة الإنسانية؟ لحل مشاكل الأرض: الفقر، الإسكان، سوء التغذية، إزالة الأشجار؛ جميعها يمكن حلها بشكل أسهل، إذا ما كان في حوزتنا معلومات محدثة عن كوكبنا. فمثلاً نحن نستيقظ في يوم ونجد فجوة في الغابة المطيرة، فماذا لو كان في إمكاننا توفير معلومات عنها بشكل أسرع للحكومة البرازيلية؟

لقد طور Marshall, Schinglerأول نموذج لهما في مرآب في وادي السليكون. كانت الفكرة هي تصميم ستالايت منخفض التكلفة بحجم صندوق الأحذية لتقليل الميزانيات العسكرية اللازمة لتصميم مثل هذه التكنولوجيا، ثم مثلما قال لي:Marshallلإطلاق أكبر مجموعة من الأقمار الصناعية في التاريخ البشري.

من خلال نشر العديد من هذه الأجهزة، ستكون الشركة قادرة على رؤية التغيرات اليومية على سطح الأرض بشكل كلي.

في عام 2013 أطلقوا أول ستالايت وحصلوا على أول صور لهم، والتي قدمت نظرة أكثر ديناميكية على الحياة في جميع أنحاء العالم من صور الخرائط العالمية السابقة. يقول Marshall: “الشيء الذي فاجأنا أكثر من غيره، هو أن كل صورة التقطت تقريباً أظهرت كيف تغيرت الأرض. فالحقول تم إعادة تشكيلها،الأنهار تحركت. والأشجار قطعت،والبنايات ارتفعت. رؤية كل هذا يغير تمامًا مفهومنا للكوكب بأنه ثابت ساكن. وبدلاً من مجرد الحصول على أرقام حول حجم إزالة الغابات في أي بلد، يمكن للناس الآن أن يكونوا مدفوعين بحماس بالصور التي تظهر إزالة الغابات.

لدى Planet اليوم أكثر من 200 ستالايت في المدار، مع حوالي 150 يطلق عليها اسم Doves التي تستطيع تصوير كل بوصة من الأرض كل يوم عندما تكون الظروف مناسبة. Planet لديها محطات أرضية بعيدة مثل أيسلندا وأنتاركتيكا. وعملائها أيضًا متنوعون. تعمل الشركة مع جمعية الحفاظ على الأمازون لتعقب إزالة الغابات في بيرو. وقدمت صورا لمنظمة العفو الدولية توثق الهجمات على قرى الروهينجا على أيدي قوات الأمن في ميانمار. في مركز دراسات منع انتشار الأسلحة في معهد Middlebury، يساعد التصوير العالمي المتكرر في أن يراقب مركز الأبحاث الظهور المفاجئ لموقع اختبار الصواريخ في إيران أو كوريا الشمالية. وعندما أرادت USA Todayوناشرون آخرون صورة جوية لقاعدة شعريات الجوية في سوريا قبل وبعد أن تم قصفها من قِبَل الجيش الأمريكي في أبريل الماضي رداً على هجوم كيميائي على مدينة سورية يسيطر عليها المتمردون، عرفت المنظمات الإخبارية من ستحدثه للحصول على مثل هذه الصور.

هؤلاء عملاء مجانيون لـ Planet،أما من بين زبائنها الذين يدفعون أموال نظير الخدماتOrbital Insight، وهي شركة تحليلات جغرافية مكانية تعمل في وادي السليكون، تقوم بتفسير البيانات من صور الستالايت. من خلال هذه الصور، تستطيع Orbital Insight تتبع تطور بناء الطرق أو المباني في أمريكا الجنوبية، وتوسع مزارع زيت النخيل غير القانونية في أفريقيا، وإنتاجية المحاصيل في آسيا.

في غرفة اجتماعات الشركة، افتتح James Crawford، الرئيس التنفيذي، جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به وأطلعني على مشاهد جوية لخزانات النفط الصينية،بأغطية عائمة تشير إلى أنه كانت حوالي ثلاثة أرباعها ممتلئة. صناديق التحوط،والبنوك، وشركات النفط نفسها تعرف ما يوجد في دباباتها”، قال مع ابتسامة خبيثة،“لكن ليس لدى الآخرين، لذلك فإن القرارات المؤقتة مهمة للغاية“. كما تستخدم شركةCrawfordإمكانياتPlanet لأهداف خيرية. فعلى سبيل المثال، تجري دراسات استقصائية عن الفقر في المكسيك للبنك الدولي، باستخدام ارتفاعات المباني وكثافات السيارات كعلامات للرفاهية الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، يقضي فريق التسويق في Planet أيامه في التحديق في الصور الفوتوغرافية،محاولين تخيّل أي عميل محتمل يهتم بها في مكان ما؛ شركة تأمين ترغب في تعقب الأضرار الناجمة عن الفيضانات في المنازل في الغرب الأوسط. باحث في النرويج يبحث عن أدلة على تآكل الأنهار الجليدية. لكن ماذا عن … ديكتاتور يرغب في مطاردة جيش منشق متنقل؟

هنا تدخل المبادئ الأخلاقية الخاصة بـ Planet،حيث لا يمكنها فقط رفض العمل مع عميل لديه دوافع خبيثة، ولكنها أيضًا لا تسمح للعملاء بالمطالبة بملكية فردية حصرية على الصور التي يشترونها. القيود المهمة الأخرى هي التكنولوجيا. فمراقبة الكوكب للعالم بدقة وضوح للصورة تبلغ 10 أقدام تكفي لتمييز الخطوط العامة المبلورة لشاحنة واحدة ولكنها لا تبين مخططات الإنسان. من حيث الدقة، فالحالة الراهنة التي يمكنها توفير صورة تصل إلى قدم واحد من قبل شركة ستالايت أخرى كـ Digital Globe. ولكن الآن، تستطيع Planet فقط، بانتشارها الساتلي الهائل، تقديم صور يومية عن الأرض بأكملها. وقال Marshall: لقد اجتزنا مرحلة الميل، التي يُضرب بنا المثل في أربع دقائق”. “إن مجرد معرفة أن ذلك ممكن لا يجعل الأمر أكثر سهولة.”

مع ذلك،Planet قد مهّد الطريق. آخرون سيلحقون به عمّا قريب. عندما يفعلون، كيف سيستخدمون القوة لرؤية الأرض يوميًا؟ هل ستكون أهدافهم خيّرة مثل أهداف Planet؟ هل سيحاولون تحسين التصوير عبر الستالايت ليكون أعلى في الدقة وبالتالي في انتهاك الخصوصية؟ لا يرى Marshall كيف يكون هذا ممكنًا. قال لي: “من أجل تحديد هوية شخص على بعد 300 ميل، ستحتاج إلى كاميرا بحجم الحافلة”. وأضاف أنه على أي حال، فإن أي شركة أمريكية تسعى إلى تحقيق ذلك ستواجه عقبات تنظيمية فدرالية كبيرة“.

بالطبع، يمكن تغيير اللوائح. لذلك يمكن الحدّ من حدودنا التكنولوجية. قبل عام أو عامين فقط، كان صاحب أكبر عدد من الستالايت العاملة في المدار هي حكومة الولايات المتحدة، حيث بلغ عددهم حوالي 170. الآن يسود Planet على السماء بأعداد أكبر من أقوى دولة على وجه الأرض.

من يا تُرى التالي ليصبح الأخ الأكبر؟

في مساء خريفي منعش في سان فرانسيسكو، عدت إلى Planet لرؤية العالم من خلال عدساتها الشاملة. سيكون هناك أكثر من اثني عشر عميلاً ليبينوا كيف يستخدمون صور الستالايت-وما الذي يعنيه، في جوهره، بمعنى آخر رؤية العالم بينما يتغير.

أخذت أمشي في تعرجات بين دوائر التقنيين المحدقين بشاشات أمامهم. في كل مكان نظرت إليه، كان العالم يتجلّى. رأيت، في ولاية بارا البرازيلية، المساحات الخضراء الداكنة في غابة الأمازون وضوء أحمر، مما يعني دفع رسائل البريد الإلكتروني التلقائية إلى ملاك الأراضي: تحذير، شخص ما يزعزع أرضك!رأيت ميناء سنغافورة يعج بالنشاط البحري. رأيت الأراضي الزراعية في جنوب ألبرتا،كندا، في حالة صحية متداعية. رأيت شبكة كاملة من الطرق الجديدة في حلب التي مزقتها الحروب،سوريا، هناك عرقلة جديدة في إحدى تلك الطرق، ربما حفرة من هجوم بالقنابل. رأيت بئر نفط في سيبيريا – 17 في المائة أكثر مما كانت عليه في العام السابق، وهي علامة مفاجئة على الإنتاج المتصاعد الذي يبدو من المرجح أن يدفع إلى إعادة تقييم محمومة في أسواق النفط والغاز في العالم.

أراد شاب طويل يدعىJohn Goolgasian أن يرينا كيف لهذه المعدات التي كان عمرها أقل من عام في فرجينيا،تحت اسمGeoSpark Analytics،أن تطابق معلومات عن الجرائم مع صورPlanet. بعد بضع ضغطات،كنا نحدق في أحياء في نيجيريا أغارت عليها جماعة بوكوحرام المتطرفة. المزيد من الضغطات و الشريط الساحلي على شكل الهلال الذي تشكّل أمامنا،كان واحدًا قمت بزيارته قبل تسع سنوات: مقديشو،الصومال،تحمل ندوبًا  جديدة من الهجمات القاتلة التي نفذتها حركة الشباب هذا الأسبوع. عدد قليل من الضغطات وكانت الصورة أكثر اعتيادية وألفة: حيي في واشنطن العاصمة،على وجه التحديد،على بعد بضع بنايات من منزلي،حيث تم الإبلاغ عن جريمة سطو.

أوقف مضيفوPlanetالعرض ليقولوا بضع كلمات. تحدثAndy Wild،كبير مسئولي الإيرادات،عن  الحدود الجديدة بصوت متهدج قليلاً. لقد كان شيئًا واحدًا لتحقيقه،كما وصفهWild:الحصول على إيقاع يومي للأرض كلها،الآن كان على حماة هذه التكنولوجيا تحويلها إلى نتائج”. قالTom Barton،كبير مسئولي التشغيل،أتمنى بعد عام من الآن،أن نكون هنا لنقول، اللعنة،لقد قمنا بالفعل بتغيير العالم بالفعل“.

كنت أفكر في الآثار المترتبة على تلك التكنولوجيا عندما أرتني امرأة شابة ما كان على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها. كان اسمهاAnnie Nelighكانت جندية محنكة في القوات الجوية، تقود الآن “هندسة حلول العملاء” فيPlanet. كان أحد عملاء Neligh الذين يحتاجون إلى حل؛ شركة تأمين في تكساس. شككت الشركة في أنها كانت تجدد سياسات التأمين لمالكي المنازل الذين لم يكشفوا عن أنهم قاموا بتركيب حمامات السباحة – وهي خسارة بنسبة 40 بالمائة لكل سياسة للشركة. لذلك فقد طلبت منPlanetتوفير صور الستالايت للمنازل في بلانو بولاية تكساس.

أطلعتنيNelighعلى ما عثرت عليه. وبالنظر إلى حي يضم 1500 عقار،يمكننا أن نرى بوضوح الأنوار المتلألئة لـ 520 حمام سباحة صغير من الماء – وهي نسبة تفوق بكثير ما طالب به عملاء شركة التأمين. استهجنت Neligh الأمر بابتسامة رقيقة وقالت: “حتمًا الناس يكذبون كما تعلم”.

الآن عميلها يمتلك الحقيقة. ماذا سيفعل مع هذه المعلومات؟ إجراء غارة مفاجئة على القرى النائمة في بلانو؟ رفع أقساط؟ طلب الصور التي قد تظهر طواقم البناء التي تقوم بتركيب حمامات سباحة جديدة وأسقف قرميدية إسبانية؟ المستقبل هنا، بين أيدينا وفيه نجد الحقيقة معلم أكثر من ممتاز. إنه سلاح – ضد صيادي الأخشاب واللصوص والقاذفات المجنونة وأعمال الله، ولكن أيضًا ضد النواحي الأخرى من طبيعتنا. الناس يكذبون، كما تعلمون. وعصر الشفافية قادم لا محالة.

عندما كنت راجعًا إلى فندقي،فكرت في الدراجتين البخاريتين في ازلينجتون،كما كنت أفعل في الأشهر التي مضت منذ أن راقبتها. تساءلت عمّا إذا كان قد تم القبض عليهما؟ تساءلت عما إذا كانوا مذنبين بأي شيء على الإطلاق، بصرف النظر عن جريمة كونها مثيرة للاهتمام بشكل واضح في صباح باهت ممل. تساءلت عما إذا كانا سيعرفان أبداً أن غرباء غير مرئيين كانوا يراقبونهما،تماماً كما كان غريبًا يراقبني الآن- شخص ما في مكان ما يحدق في شاشةCCTVويرى شخصًا وحيدًا يسير بسرعة في شارع مظلم وشبه خالِ في ليلة باردة دون معطف، كما لوكان يهرب من شيء ما.

 

 

 

عن سوزان عواد

mm
مترجمة من مصر