الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: الشِبْشِب

ترجمات خاصة: الشِبْشِب

36230242_1726458517435330_521884937880600576_n

مجلة دركاه التركية، العدد: 340 يونيو/حزيران 2018

القاص: برات كراتاش

ترجمها عن التركية صبحي آدم

تطل حديقة المستوصف الصحي من الجانب المقابل لنافذة منزلنا ذي الطابق الواحد،كما تتسرب من خلال النافذة أشعة الشمس التي فقدت حيويتها مع السماء. أشعة متعبة تتسرب إلى داخل المنزل فتبث الروح في الزهور على عتبات النافذة.

تخبرني زوجتي بعينيها الجميلتين أنها لم تعد تحبني، فنظراتها تقول إنني لم أكن لها زوجاً صالحاً ولا لولدي ذي التسع سنوات بعينيه الكبيرتين أباً صالحاً. فمعيار الصالح يحدده الآخرون. فهم من يقرر أنحن صالحون أم طالحون.

بالمناسبة، اسم زوجتي زينب، أحبها لأنها زينب، فالاسم يجمل صاحبه. نسكن في طرف بعيدٍ من المدينة. زوجتي تدرس في البيت!، وابني يدرس في المدرسة، أما أنا لا أدرس. لدي مقصف صغير، يقع بالقرب من المدرسة التي يدرس فيها ابني، أبيع فيه الكفتة النباتية التركية. في الظهيرة،أعد للطلاب الخارجين من دروسهم الساندويتشات الصغيرة بليرة واحدة. مع العلم أن سعرها الطبيعي ليرتان ونصف. حينما لا تخلص الكفتة، أضعها في الثلاجة لأبيعها في اليوم التالي. فليس ثمة شيء طازج هنا. للمأكولات ولا حتى الناس. الكل ينظر لبعضه البعض بعين الحسد. إذا تكلموا جرحوا بعضهم البعض، وإن سكتوا غضبوا على بعضهم البعض.

أنا متأكد من أن الناس يتكلمون عني من وراء ظهري، ويقولون في حقي عبارات وقحة.

فمثلاً، عبدين صاحب البقالة المجاورة لمقصفي لم يلعب معي الورق ولا لمرة واحدة. لم يدعوني ولو مرة واحدة لأشاركه طعامه.

حينما يأتي إليَ ابني كل يوم بعد خروجه من المدرسة، أعده له ساندويتش ضخم ممتلئ. رغم ذلك أفهم من عيونه أنه لا يحبني. فكلما يلتفت إليَ يمتلئ وجهه بنظرات ساخطة. فعيناه تشبه إلى حد كبير عيني خاله عديم الفائدة.

مساءً، حينما أعود إلى بيتنا بطابقه الوحيد، تلتقط عيناي زينب وهي جالسة أمام النافذة، تبدو وكأنها تحدث أحدا ما. ما أن تراني داخلاً من الحديقة، تتذمر ثم تجر الستار وتبتعد عن النافذة.

صديقي الوحيد في الناحية هو أوبور عثمان. له دكان صغير يبيع فيها المستحضرات البيطرية. غايته الوحيدة من الحياة الأكل. فكرشه ممتد إلى الأمام مسافة. ذهنه تائه في مكان ما. يفتح دكانه في الثانية ظهراً ويغلقه في الخامسة. في كل يوم حينما يأتني أقدم له ساندويتش خاصة. لا أخذ منه مالاً. لذلك يحبني كثيراً. يحب الإنسان إنسانا آخر إذا كان يطعمه مجاناً. فهذا الشخص يجسد له تمثال الصلاح في الأرض.

قبل أسبوع من الآن أوقف عثمان أمامي سيارته الحمراء ماركة لادا. كانت الساعة حوالي السابعة. قال لي هيا أركب أريد أن اختطفك. وضحك حتى اهتزت كرشه. لدرجة أنني من خرج السيارة رأيتها تتمايل يمنة ويسرة. ولأن الوقت صادف نهاية الأسبوع، حيث يخرج سكان الناحية في رحلات إلى النهر طرف المدينة. ظننت أننا ذاهبون إلى هناك، لكن عثمان دار نحو الاتجاه المعاكس تماما إلى جبل تاكسين وصعد بالعربة إلى قمة الجبل حتى وصل بها إلى مكان يمكن منه رؤية النهر في الجانب المقابل.

كنا قد قررنا أنا وزوجتي وجارتها نرجس الخروج مع أطفالنا للنزهة. وقعت عيناي عليهم من على البعد. كانوا جالسين على سجادة يأكلون المكسرات ويشربون الشاي. وكان ابني بأذنيه الطويلتين يركل الكرة البلاستكية مع صغير نرجس.

أخرج عثمان من عربته كرسيين قابلين للطي وكولا وشيبس. كنت أحاول قراءة أفكار عثمان لأخمن سبب مجيئه بي إلى هنا. لكني فشلت. فقراءة أفكار شخص غريب الأطوار مثله بصعوبة السعي لفهم تصرفات أدهى العباقرة.

أنا متأكد من أن نرجس تغتبني هناك. أعرف ما يدور في ذهن زينب عني. فأنا بالنسبة لها رجل عديم الفائدة، لا أنفع في شيء غير إحضار الخبز مساءً، فأنا لا أضم ولو للحظة زوجتي ولا ولدي بدفء إلى صدري

نرجسسس…. حينما تُعرف نفسها تنطق حرف السين في نهاية أسمها بشكل مضغوط. لأنها جارتنا فأنا مضطر أن أراها يومياً بهيئتها البارة وبشرتها التي يبدو لي أنها تتفسخ في بعض المواسم. لأن زوجها يعمل موزع دواء فهو دائما خارج المدينة. يبدو أن نرجس توجه إلى غضبها الكائن نحوه، فهي من يشحن زينب ضدي. عندما ترني تصمد، وتخرج صوت ساخط، دائما ما تقع عيني عليها وهي عاضة على لسانها بشدة.

قهقه عثمان بصوت عالي. كان يمضغ آخر بقايا الشيبس.

قلت له ما الذي حدث                                     

رد لا شيء.

 هزأ كرشه مرة آخر ثم قال لي ما الخطأ!؟ في مجيئنا إلى هنا فنحن نبحث عن شيء ما.

قلت له أنت يا عثمان تأكل في كل مكان.

هذه المرة هزأ كرشه بشدة وقال أتعلم زوج جارتكم نرجس لم يعد منذ مدة. يقولون إنه ذهب وتركها. كأنما كان عثمان يقرأ أفكاري، يبدو أن العاديين أمثالي لا يستطيعون إخفاء ما يدور ببالهم.

 قلت له وما يهمني أنا من نرجس.

هذه المرة سألني بجدية أكثر قائلاً أحقيقة أنه طلقها؟وأضاف تعرف أنها امرأة لطيفة وأنا وحيد.

أصابتني الدهشة فقلت لا تهزا يا عثمان.

جد أكثر، وقال لي أنا أشاركك أحاسيسي لأني أعرفك صديقاً يا بائع الكفتة.

قلت له أصمت وقمت من الكرسي، ركبت السيارة أغلقت الباب بعنف.

غضب جدا وضع الكراسي على السيارة، ثم قال أهكذا يغلق باب السيارة، للعلم لقد غيرت القفل قبل أيام قليلة.

بعد ربع ساعة وصلنا إلى باب منزلي، قبلني عثمان من الجانبين وودعني.

أمام باب المنزل رأيت شِبْشِب زينب رقم 37 وحذاء ابني الرياضي الذي تقطعت أرضيته من كثرة وسوء الاستخدام. كنت قد اشتريت الشِبْشِب لزينب في عيد ميلادها، أخذته مباشرة ووضعته أمام الباب، لتذهب به إلى البقال كل ما احتاجت أشياء منه. كنت أظن على أقل تقدير أنها سترتديه في زيارتها المهمة لمدة من الزمن، لكن يبدو أن أشيائي لا تليق بتلك المناسبات الجميلة.

تمددت على الكنبة في غرفة الجلوس واستغرقت في النوم دون أن أفكر في أي شيء. ولما استيقظت وجدت ابني جالساً أما التلفاز يشاهد بعينيه الكبيرتين فيلما كرتونيا، وكانت زينب تجهز الطاولة لتضع الغداء. كان الغداء مكون من فلفل محشي وزر وسلطة. هجم أبني على الأكل باشتهاء زائد عن اللزوم. كانت زينب توزع نظراتها بيني وبين الطعام على طبقها. فهمت من ذلك أنها تود قول شيء. تبسمت في وجهه ونظرت لها نظرة تحي بعبارة أحكي فأنا أستمع إليك. فبانت عليها ابتسامة لم أراها على وجهها منذ مدة.

قالت لقد بدأت العطلة المدرسية، خذنا في رحلة إلى الساحل.

وأنا أحدق في الشامة على خدها، بدت لي أجمل من أي وقت مضى، ثم قلت جميل أنا موافق لكني أنا أحتاج إلى رداء قصير لأدخل به البحر.

ضحك ابني حتى صغرت عيناه. لأول مرة يبدو ابني القبيح جميلاً أمامي. مجرد ضحكة أزالت كل القبح.

بعد أسبوع استعرت سيارة عثمان الحمراء ماركة لادا، وركبنا أنا وزينب وابني. اتجهت بالسيارة إلى أقرب ساحل لناحيتنا. كنت قد وضعت كسيت به بعض الأغاني المفضلة لدي.

بينما نحن في السيارة، أكلتني زينب بأيديها من الكفتة والبطاطس التي طبختها لنأكلها في الطريق. وكان ابني في الخلف يقرأ كتابه وأحيانا يوزع نظراته بين الأعمدة الكهربائية طوال الطريق. حينما التفت يميني ونظرت إلي زينب بدا لي في وجهها نور لم ألحظه طوال السنوات الماضية. امتلأت مقلتاها بالفضول والإثارة كأنما لامست آمالها خيط الأفق في نهاية الطريق.

نزلنا في منتجع على بعد خمسين متر من البحر عند مدخل القرية. اتفقت مع الرجل على خمسة أيام. كل ما نحتاجه من أطباق وأسرة وأغطية كان موجود. أخبرنا الرجل أن سخان المياه في الحمام يعمل ببطء فعلينا أن ندبر أمرنا حسب ذلك.

 قلت ليست مشكلة. دفعت أجرة ثلاثة أيام مقدماً.

قبل أن نفرغ الحقائب تمددت زينب على السرير واستغرقت في النوم. أما أنا أخذت ابني ونزلت إلى البحر. كما في الأفلام بنيت معه قلعة من الرمل.

قال لي ملتفتا نحوي بعينيه الكبيرتين أبي كيف يمكنني أن أغزو هذه القلعة؟

قلت له لا أستطيع أن أعلمك كيف تفتح القلاع، فأنا بائع كفته، لم يفهمني. جرى نحو البحر.

قلت صائحاً لا تبتعد، فأنا أيضا لا أعرف السباحة.

حينما عدنا إلى المسكن في المغيب وجدنا زينب تفرغ ما اشترته من أطعمة من المركز التجاري إلى الثلاجة.

قالت اشتريت بعض الأطعمة سندبر بها أمرنا لأيام، يا حبذا لو ذهبت أنت واشتريت لنا بطيخة.

لأن اختيار البطيخ من أول الأشياء التي لا أجيدها في حياتي، ترك مسألة هذا الاختيار المهم لمساعد بائع الفاكهة. وأخذت ما اقترحها لي. ثم أدركت أنها متعفنة بعدما قطعناها إلى نصفين في البيت.

ضحكت زينب، يبدو أنها كانت تحاول تسليتي.

 لما غابت الشمس وطاب الجو خرجنا للساحل. اقتربنا من عربة المثلجات.

قالت زينب لا، لا أريد.

لما أصررت عليها، قالت لخاطرك وأخذت فانيليا

أنا أخذت شكولاتة. هي اختارت اللون الأبيض وأنا اخترت اللون الأسود.

بعد أن قضينا الليلة، خرجت إلى البحر مبكرا في الصباح. فكرت في الدخول إلى المياه وهي هادئة حيث لا أحد.

زينب عادت إلى سريرها مواصلة نومها.

منذ مدة طويلة لم نتحدث لبعض بهذا القدر. فكل كلمة تخرج من فمها كانت كافية لإسعادي.

 أغمضت عيناي باغيا النوم.

عندما استيقظت في الصباح كانت الساعة حوالي العاشرة. تجولت في أجزاء المبنى، لما تأكدت أنا زينب لم تأت بعد، شربت القليلة من الماء وعدت إلى السرير مرة ثانية. نمت ساعة أخرى. ثم استيقظت، وذهبت إلى غرفة الجلوس، كان ابني الحبيب يشاهد التلفاز. اقتربت منه مبتسماً وسألته هل رأيت أمك؟

هزأ رأسه الجميل مفيدا بذلك النفي. قررت أن أجهز الفطور. فكرت أن نفطر معا عندما تأتي زينب(ي). أخرجت مستلزمات الفطور التي اشترتها هي بالأمس. وضعت الخيار وقطعت بعض الطماطم حمرت البيض وأعددت الشاي.

جلست أنا وابني على الطاولة ننتظر زينب.

كانت الساعة في يدي تشير إلى 13:50. أنا لم أكل ولا شيء. أما ابني فأكل بكل أريحية.

تبسمت وقلت له يمكنك أن تذهب وتواصل مشاهد التلفاز إن أردت.

 قام وانصرف.

لا أدري كم من الوقت جلست على الطاولة. لم تدمع عيناي. لكني شعرت كأنما روحي تخرج. عندما بدأ المؤذن ينادي للمغرب قمت من حيث أجلس. جمعت الطاولة. ودخلت إلى غرفة نوم لأكتشف أن عدد الحقائب ناقص. عندئذ أدركت ما جرى.

خرجت من المسكن الذي دفعت أجرته لثلاثة أيام بعد يومين فقط.

 لم يسألني ابني عن أي شيء. جلس على الكرسي بجانبي في السيارة. لما نظرت إلى وجهه بدا لي أنه نضج.

 بينما كنا ندخل لبيتنا المكون من طابق وحد، لم يكن شِبْشِب زينب هناك أمام الباب!

 

عن صبحي أدم

mm
مترجم من السودان، ماجستير في التاريخ العثماني الحديث، مهتم بالشؤون التركية.