الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: تاريخ موجز لعالم مابعد الموت

ترجمات خاصة: تاريخ موجز لعالم مابعد الموت

Grave stones in the snow in balck and white

بقلم : فيليب ألموند

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

 

■ ما الذي يحدث لنا عند الموت ؟   هل سندرك أنفسنا بعدما نموت ؟   هل سنجتمع ثانية مع أحبائنا الذين رحلوا قبلنا؟…..

منذ عصر الإغريق القدماء، ومنذ زمن العبرانيين، لم يكف البشر عن السعي وراء إجابات لمثل تلك الأسئلة وغيرها، ولم يكفوا عن محاولة سبر أغوار ما وراء هذه الحياة الدنيا : الآخرة.

عبر السطور القادمة سوف يصحبنا المؤرخ فيليب ألموند في رحلة استكشافية ل…تاريخ العالم الآخر !*

في كتابه الشهير {التاريخ الكنسي للأمة الإنجليزية }يحدثنا المبجل بيدا عن المناقشات التي دارت بين الملك إيدوين، ملك نورثمبريا بشمال إنجلترا، وأصدقائه ومستشاريه حول العقيدة المسيحية وذلك حينما كان بصدد التفكير في اعتناقها، وقد عبر أحد رجاله بفصاحة بالغة عما يعاني منه البشر على مر العصور، وحتى اليوم، من جهل بمصيرهم النهائي؛ حيث شبه الإنسان بعصفور يحلق في ردهة مضاءة ذات مدخلين، يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وفي داخل الردهة وبين جنباتها يبقى العصفور آمنا من العواصف الشتوية وتقلباتها العاصفة، ولكن …بعد وقت قصير يختفي كل شيء، فلا يعد ثمة ردهة أو ضوء، ويجد العصفور نفسه ينتقل من شتاء إلى شتاء … هكذا هي حياة الإنسان في الحياة الدنيا، إقامة قصيرة لا تلبث إلا أن تمضي سريعا  ولا يبقى أمامه إلا أن يواجه مصيره بعد الموت، ذلك المصير الملتحف بالغموض، فلا هو يعلم ما كان قبل الحياة الدنيا ولا ما هو آت بعدها.

إننا جميعا مثل هذا الرجل، كلنا نعلم أن الموت مآلنا المحتوم وأن أحدا لن يبق خالدا إلى الأبد، لكننا كنا ومازلنا نجهل مصيرنا الأخروي جهلا تاما .

منذ عهد الإغريق، والعبرانيون، خلق الإنسان- في سعيه الذي لا يكل لاكتشاف مصيره بعد الموت – تاريخا مركبا ومعقدا من تصوراته )  وتوهماته) حول ما ستكون عليه الحياة بعد الموت، سواء ما ستكون عليه الحياة الأخروية لكل فرد بعد موته مباشرة، أو ما ستكون عليه الحياة الأبدية بعد نهاية التاريخ وفناء الحياة الدنيا. إنه تاريخ طويل من المحاولات الدءوب للإجابة عن أسئلة كبرى تتعلق بما سنكون عليه بعد موتنا، هل سنميز أنفسنا؟ هل سنجتمع ثانية مع من سبقونا إلى العالم الآخر؟ومع من سبقناهم نحن إليه؟ كيف سنجازى عن أفعالنا التي اقترفناها في الدنيا ؟ هل سنكافأ أم سنعاقب؟ وهل سيتبقى لدينا فرصة – بعد الموت- للتكفير عن ذنوبنا وتصحيح ما اقترفناه في الدنيا، لتغيير مصيرنا الأبدي؟  هل ستبدأ حياتنا الأخروية بمجرد موتنا ؟ أم سيتوجب على كل من يمت أن ينتظر إلى أن تحين نهاية العالم برمته؟ ….إلى آخر تلك الأسئلة التي ظلت تؤرق البشرية عبر تاريخها الممتد.

أيا ما كان ما نعرفه عما بعد الموت، وأيا ما كانت تخيلاتنا عنه وسواء أكان بعضها صحيح أم لا، تبقى الحقيقة هي أن تاريخ العالم الأخروي هو تاريخ لآمالنا فيما سيكون عليه الحال بعد الموت ، بل هو أملنا في أن يكون هناك شيء ما بالفعل بعد الموت، وخوفنا من ألا يكون هناك شيء على الإطلاق وأن يكون مصيرنا الفناء التام.

تماثلت رؤية الإغريق وبني إسرائيل فيما يتعلق بالاعتقاد لما سيؤول إليه مصير البشر بعد الموت سواء كانوا أخيار أم أشرار، حيث تصوروا عالم الموتى كمكان ضبابي قاتم كئيب يقع تحت الأرض، أسماه الإغريق ” حادس” وأطلق عليه العبرانيون ” شيول ” ** .

ثم مع مجيء العصر المسيحي اختلف الأمر، حيث ساد العالم المسيحي تصوران / رؤيتان رئيسيتان للحياة الآخرة ظل العالم المسيحي يتقلب بينهما ؛ تتمحور إحداهما حول فكرة مفادها أن المتوفي سوف يحاكم أخرويا بمجرد وفاته – وهو ما يعني أن المحاكمة الأخروية ستكون فردية – ووفقا لما اقترفه في الدنيا من فضائل أو شرور، وبناءً على تلك المحاكمة يتحدد مصيره الأخروي الأبدي .

أما التصور أو الرؤية الأخرى التي سادت العالم المسيحي عن الآخرة فترتكز على فكرة أن مصير الإنسان بعد الموت لن يتحدد إلا بعد انتهاء التاريخ وفناء الأرض بمن عليها، حيث سيضطر الموتى جميعا إلى الانتظار لحين انتهاء الدنيا وقيام الساعة، فيعود السيد المسيح، في يوم الحساب الأعظم  الذي  يجتمع فيه الأحياء والأموات ، ليحاكم البشر جميعا ويحدد مصيرهم الأبدي .

وقد كان المسيحيون الأوائل يميلون إلى تلك الرؤية الأخيرة، حيث ستكون هناك محاكمة  نهائية و ستكون الجنة الأبدية جزاء الودعاء والمباركين ممن لم يرتكبوا الآثام، أما الملعونين ممن ارتكبوا الشر فسيلقى بهم إلى النيران الأبدية في الجحيم.

ومع تسيد هاتين الرؤيتين واستقرارهما في العالم الغربي، صار تاريخ الآخرة ومستقبل البشر بعد الموت عبارة عن سلسلة متواصلة من الشد والجذب بينهما، وأصبح العامل الفيصل في ترجيح إحداهما على الأخرى يرتكز على مدى القوة السياسية والمكانة التي يتمتع بها المجتمع المسيحي ، فكلما ارتقى المجتمع المسيحي على سلم الرفاهية والقوة، كلما تراجعت في هذا المجتمع فكرة عودة المسيح ويوم الحساب المشهود ، في مقابل سيادة فكرة الحياة الأبدية للفرد بعد موته مباشرة.

أما في المجتمعات التي سادها البؤس والحرمان الاقتصادي والاجتماعي والتدهور السياسي، فنجد أن رؤية / تصور يوم القيامة هي الأكثر شعبية ، ولا عجب في ذلك، فالمحرومين دوما يبحثون عن عزاء وتعويض لبؤسهم، ومن المنطقي إذن أن يتمسكوا  بفكرة تبشرهم بيوم مشهود يحاسب فيه الجميع بالعدل، فيجدون المواساة والعوض عما لاقوه من ظلم وآلام، ويعاقب من ظلموهم وحرموهم ، بالعذاب والحرمان الأبدي.

البعث… الجسدي  ؟!

ماذا عن أجساد الموتى ؟. . هل ستعود؟ ..هل سيكون البعث جسديا؟

بالنسبة للنخبة المثقفة من اليونانيين غير المسيحيين، في القرون الأربعة الأولى بعد ميلاد المسيح، لم تكن فكرة قيامة الأجساد وبعثها مستساغة للعقول اليونانية المثقفة، بل على العكس كانت الفكرة تبدو لهم سخيفة وعجيبة. وقد كان على القديس أوغسطينوس } -{430-354 أن يتعامل بكل جدية وحنكة مع الأسئلة الشائكة التي طرحها هؤلاء المثقفون ، والتي كان يرى فيها محاولة دءوب من جانبهم للنيل من العقيدة المسيحية .

هل تقوم الأجنة المجهضة من بين الأموات؟ وماذا سيكون حجمها عندئذ؟ .. ماذا عن أجساد المشوهين والممسوخين؟  هل يتم بعثها على تشوهها ؟ أم تبعث وقد برأت من  التشوه؟ .. وماذا عمن إلتهمتهم الوحوش ؟ أو الذين احترقت أجسادهم وتفحمت في النيران؟ هل سيعاد ضم أشلائهم أو بعث رمادهم من جديد؟ … على أي جنس تبعث الأجساد ؟ هل ستقوم على صورة النوع الجنسي الذي كانت عليه في الحياة الدنيا؟ ….إلخ

تلك، وغيرها، أسئلة شائكة حقا طرحتها النخبة المثقفة أمام القديس أوغسطينوس؛ أما توما الإكويني – القرن الثالث عشر بعد الميلاد- فقد واجه سؤالا أكثر صعوبة وتعقيدا، حيث كان السؤال يتمحور حول : المقدار الذي يجب أن يكون متوفرا من جسد الميت ليعاد تكوينه وقيامته من جديد ؟!

وهو نفس السؤال الذي ألقى بظلاله لاحقا على عقل  أبو الكيمياء الحديثة روبرت بويل، في القرن السابع عشر الميلادي، وكافح كثيرا من أجل الإجابة عليه، سواء من خلال وجهة النظر التوراتية الواردة في سفر حزقيال( 37.1-14) ع عن قيامة وادي العظام ، أو من خلال تجاربه الكيميائية الخاصة على نسيج العظام حيث توصل بويل إلى أن البقايا الهيكلية العظمية ربما هي الجزء اللازم من الجسد ليقوم الإله بإضافة باقي الأجزاء عليها وإعادة بناء الجسد بأكمله، ومن ثم تحقيق قيامة الأجساد من الموت، كما أعتبر أن تلك البقايا العظمية هي ما يضمن بقاء هوية الميت وعودة جسده كما كان عليه قبل موته .

الروح – الجسد:

منذ بداية القرن الثالث بعد الميلاد، تبنى المسيحيون وجهة النظر اليونانية التي ترى أن الإنسان يتألف من جسد فان وروح خالدة . هنا تدخل الروح إلى المعادلة – أو لنقل المعضلة – الشهيرة حول الحياة الأبدية : هل تبدأ بعد الموت مباشرة أم تبدأ بعد يوم الحساب العظيم ؟ ، يث تقدم  } الروح} الحل التوفيقي الجامع للرؤيتين / شقي المعادلة، حيث تظل الروح – وفقا للحل التوفيقي- باقية بعد الموت وإلى يوم الحساب، في حين يفنى الجسد بموت صاحبه ، ثم يعاد إحيائه وقيامته في يوم الحساب و يتحد مرة ثانية مع الروح في حياة أبدية .

هنا علينا أن نقول أن تاريخ العالم الآخر لم يكن فقط صراعا حول بدء الحياة الأبدية ومصير الموتى، بل كان أيضا تاريخا للصراع بين الجسد والروح  كنواة لكينونة الإنسان وجوهره؛ في بعض الأحيان كان يعترف بأهميتهما معا، ولكن في أحيان أخرى كان يتم الانتصار لأحدهما على حساب الآخر.

والحق أن التمييز بين الجسد والروح لطالما كان صعبا على الأفهام، وهو ما أفضى  إلى حالة من الخلط والتداخل  مابين { جسدنة } الروح و { روحنة  } الجسد !

نعم، فقد احتاج الأمر إلى إضفاء نوع من } الجسدنة}  والمادية على الروح بما يتيح إفساح مجالا جغرافيا لوجودها بعد الموت سواء فوق الأرض أو تحتها ؛من هنا صار للروح سمات مادية ! فصارت تصنف جنسيا لذكر وأنثى ، بل وصل الأمر إلى تصنيفها من حيث المكانة الطبقية .

على الجانب الآخر، تم إضفاء  } الروحنة {  على الجسد ، حيث ترسخت فكرة أن الأجساد تبعث من رقادها، ليس على الصورة التي ماتت عليها ، وإنما في صورة ” مثالية”  تتناسب مع ما سيلقاه هذا الجسد في حياته الأخروية، سواء كان مصيره فردوسيا أم جحيميا، لذا لابد أن يكون الجسد مكتملا صحيحا ليستمتع بنعم الفردوس أو ليلقى عذابات الجحيم .

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر تسيدت فكرة روحانية الجسد على ماديته، نظرا لملائمة تلك الفكرة مع كون الجسد وسيلة لتلقي المصير الأخروي للمتوفى.

التحول العلماني:

مع بزوغ الفكر العلماني، حدث  تحول تدريجي من التركيز الشديد على } الأخروية} إلى التركيز على } الدنيوية { وتحول التوجه الفكري من التطلع للفردوس كمكان للمرح والسعادة الأبدية، إلى الاهتمام بالعلاقات الإنسانية والارتقاء الأخلاقي للبشر .

كما تراجعت قيمة الجحيم و المكانة التي كان يحتلها في النفوس، بكل عذاباته وظلماته وآلامه .

يمكن القول أن الفكر العلماني قد حول التوجه الفكري من التركيز البحت على عبادة الإله و الانغماس في الغيبيات الأخروية  مع استبعاد أي اهتمام بحياة الإنسان وعلاقاته البينية مع باقي البشر، إلى العكس تماما، أي إلى التركيز على العلاقات الإنسانية والتعاملات الدنيوية مع تراجع التفكير في الآخرة والأخرويات.

العدالة المنشودة :

يعد تاريخ الحياة بعد الموت جزءا بارزا من تاريخ سعي الإنسان وراء العدالة وظمأه إليها، فطالما أنها لم تتحقق في الدنيا، فلا عجب إذن أن ينشدها الإنسان في الآخرة ، فالآخرة عزاء المحرومين، ولكم كانت حياة ما بعد الموت هي الحل والملاذ من المظالم واختلال العدالة على الأرض .

لهذا كان لابد أن تصبح الحياة الأخروية بمثابة مكان تتسيد فيه العدالة ، فتصير عوضا للطيبين الودعاء عن كل ما لاقوه من ظلم ، وفي نفس الوقت منفى للأشرار الظالمين يلقون فيه العقاب العادل على ظلمهم.

المطهر :

مع بداية القرن الخامس الميلادي بات مستقرا في النفوس أن مصير الإنسان بعد الموت محددا في مكانين لا ثالث لهما: الفردوس أو الجحيم ، فالأشرار حقا الذين عاثوا في الأرض فسادا وجورا مصيرهم جهنم، والودعاء حقا ممن ظللت الفضيلة حياتهم  فمصيرهم السعادة الأبدية في نعيم الجنة … فماذا عن هؤلاء الذين عاشوا ” بين بين” ؟

فيما بين القرنين الخامس والحادي عشر الميلاديين تطورت فكرة المطهر كمكان أمثل لهؤلاء ال ” بين بين” أي هؤلاء الذين لم يكونوا أشرار لدرجة تجعلهم يستحقون الجحيم كمستقر لهم ولم يكونوا من أهل الفضيلة لدرجة تجعلهم يستحقون الفردوس كمكافأة لهم ، بل كانوا في منزلة بين أولئك وهؤلاء .

والمطهر بالتالي هو مكان يقع بين الجحيم والجنة، يذهب إليه بعد يوم الحساب هؤلاء الذين لا يستحقون العذاب الأبدي، حيث يتطهرون من خطاياهم ويتأهلون للانتقال إلى الجنة .

وقد جاء الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر بعد الميلاد ليستبعد فكرة المطهر تماما، فعاد مصير البشر بعد الموت – مرة ثانية – إما إلى الجنة أو إلى الجحيم.  

عدالة الإله ، أم قوته ؟ :

إنما يكمن المصير النهائي للموتى في يد الإله، يكافئ الأخيار ويعاقب الأشرار، وهو الذي يزن النفوس عند موتها بميزان العدالة المطلقة ، ويحدد مصيرهم الأبدي بالعدل. ولقد حفل تاريخ العالم الآخر بأنماط عدة وأشكال متنوعة من الثواب والعقاب، كل يخضع لمقاييس العدالة الإلهية، وكل يجازى حسب عمله بلا ظلم ولا جور ………..

فهل هذا هو التصور الأوحد للحكم الإلهي؟! لا ، لم يكن هذا هو التصور الوحيد لكيفية حكم الإله على البشر بعد الموت ، بل ظهر تصور آخر ترددت أصداؤه في أوقات مختلفة  على مر الزمن ، ألا وهو أن الحكم الإلهي على الميت لا يرتكن إلى العدالة الإلهية وإنما إلى } السيادة الإلهية  {  ؛ فالإله حر فيما يفعل ، يحكم بما يشاء ويرغب ، ولا دخل لما قدمت يدا الإنسان من فضائل أو خطايا ، بمشيئته العليا .  

وقد ظهر ذلك التصور في القرن الخامس الميلادي على يد القديس أوغسطين ، ثم ظهر لاحقا على يد جون كالفن في القرن السادس عشر الميلادي ، حيث صار بمثابة ملمح أساس للأفكار الإصلاحية المتعلقة بأدبيات العالم الآخر  منذ زمن الإصلاح البروتستانتي.

وقد انبثق عن ذلك التصور المرتكز على السيادة الإلهية والمشيئة المطلقة لا العدالة، عدة توجهات فكرية سلوكية متمايزة كل التمايز، ابتداء من التوجه المتحرر، وصولا إلى التوجه التطهري المتزمت ! ، فأصحاب الفكر المتحرر قد ارتأوا أنه طالما أن الحكم الإلهي قائم على المشيئة الإلهية وحدها دون اعتبار لما قدم الإنسان في  حياته الدنيا من خير أو شر، فلا بأس إذن  لو عاش الإنسان حياته هنا والآن، بما يحلو له وكما يحلو له ، فانغمس أصحاب ذلك التيار في الملذات من مأكل ومشرب وغيرهما من أنواع الطيبات .

على الطرف الآخر من الطيف الفكري السلوكي، رأى أصحاب المذهب التطهري المتزمت / البيوريتاني، في مبدأ السيادة الإلهية حافزا لهم على المزيد والمزيد من التقوى والورع ورصانة التصرفات، سعيا وراء الخلاص.

■ إن تصوراتنا عن الحياة الآخرة، سواء بعد الموت مباشرة أو بعد نهاية التاريخ وحلول يوم القيامة والحساب الأعظم ، إنما هي شهادة على الأمل الذي ظل ومازال يعتمل في نفوس البشر، الأمل في امتداد الحياة إلى ما وراء الموت …الأمل في انبعاث النور فيما وراء الظلام ، ظلام القبر .

إنه الأمل في أن يتحقق الخير المطلق فيما وراء الشرور الحالية …الأمل في  وجود عدالة أخروية فيما وراء الظلم الدنيوي .

إنه الأمل في  ألا تكون ظلمة القبر هي نهاية المطاف.

إن تصوراتنا ورؤانا عن العالم الآخر إنما هي انعكاس لإيماننا بأن دراما التاريخ الذي نحياه، والأدوار الصغيرة الثانوية التي لعبها كل منا على هامش الدنيا، إنما له معنى وغاية نهائية ، إن لم تتحقق على الأرض فسوف تتحقق في عالم الخلود.

وأخيرا ، إنما تنبع تصوراتنا عن العالم الآخر من كوننا ” كائنات  حية” مصيرها الموت والفناء

إنها انتصاراتنا ومأساتنا في آن معا.

 

ملاحظة من المترجم :

* ركز الكاتب في تأريخه الموجز لتصورات العالم الآخر على الرؤى والأفكار التي سادت الفكر في العالم الغربي ، ولم يأت على  ذكر التصورات المتنوعة التي سادت باقي الأمم، والمحفورة في العديد من الديانات ، سواء الدين الإسلامي ، أو الديانات القديمة مثل الديانات الهندية ، أو الديانة الزرادشتية أو التوجهات الدينية التي سادت منطقة العراق القديم  أو ديانة مصر القديمة ( خاصة فكرة المحاكمة الأخروية والخلود أو الفناء لمن كانت ذنوبه تثقل قلبه ) …. ، مع العلم  بأن كثير من الدارسين يرجحون تأثر العبرانيين في تصورهم للجحيم  تحديدا بالديانة الزرادشتية والتي احتكوا بأهلها أثناء السبي البابلي ، كما  أسهم وجود العبرانيين في فترة من تاريخهم ضمن العالم الهللينستي في صياغة كثير من رؤاهم حول العالم الآخر خاصة الجحيم.

 * * شيول: هي كلمة عبرانية  تعني في الأصل ” مستقر النفوس بعد الموت” ؛ وهو بالأساس مكان مظلم ينتقل إليه الموتى جميعا ، حيث يبقون في الظلال بلا شخصية مميزة ولا قوة أو إحساس . وقد تطورت فكرة العالم الآخر في الفكر العبراني عبر مراحل طويلة ، حيث كان  شيول في البداية  مستقر لجميع الموتى أخيارهم وأشرارهم ، و كانت فكرة الجحيم ،كمكان مخصص لمن ارتكبوا الشرور، غائبة تماما عن العهد القديم وذلك  حتى القرن الثالث قبل الميلاد  حين بدأت تظهر فكرة وجود عقوبات خاصة لمن ارتكبوا  الآثام ، وهنا يرجح كثير من الباحثين أن ظهور  فكرة الجحيم إنما كان بتأثير من الحضارات الأخرى  أكثر مما هو تطور ذاتي للفكر العبراني. وقد ظهرت فكرة الجحيم بوضوح لأول مرة في سفر دانيال الذي كتب في 160 ق  قبل الميلاد ، مع العلم أن الفكرة لم تكن تحظى بإجماع ولم تكن هي  التصور الأساسي السائد وقتها . ثم انطلاقا من القرن  الثاني بعد الميلاد ساد الاعتقاد بأن ” شيول ” تضم أماكن منفصلة يمكث فيها الصالحون والأشرار منفصلين عن بعضهم البعض،  في انتظار يوم القيامة – الذي لم يتطور هو الآخر إلا في مرحلة متأخرة في الفكر العبراني – ثم بعده  تتحدد مصائر كل فئة مابين الجنة للصالحين والجحيم للآثمين. { تعتمد تلك الملاحظة بشكل أساسي على كتاب تاريخ جهنم للكاتب جورج بنوا }.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر