الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: “سميراميس” القصة الحقيقية للملكة الأسطورية التي حكمت بابل

ترجمات خاصة: “سميراميس” القصة الحقيقية للملكة الأسطورية التي حكمت بابل

82837.adapt.1900.1

لقراءة الموضوع الأصلي ( هنا )

 

سميراميس… إنها المرأة التي استطاعت أن تحكم بلاد مابين النهرين، والتي لطالما ألهبت مشاعر الكتاب والرسامين منذ عهد الإمبراطورية الرومانية، وحتى القرن التاسع عشر؛ فنادرا ما تمكنت النساء من الوصول إلى سدة الحكم في تلك المنطقة، ومن استطعن ذلك فقد تركن بلا شك بصمة في التاريخ لا يمكن تجاهلها أو نسيانها.

في عهد الإمبراطورية الأشورية الحديثة، في القرن التاسع قبل الميلاد، تمكنت امرأة واحدة فقط من بسط سيطرتها على إمبراطورية كاملة امتدت من آسيا الصغرى وحتى المنطقة التي تعد حاليا غرب إيران؛ إنها الملكة سامو – رامات وهو الاسم الأصلي لسميراميس، ومعناه على ما يبدو : السموات العلا.

وقد حازت فترة حكمها القصيرة نسبيا – خمس سنوات – على احترام وتقدير كبيرين، سواء على مستوى رعيتها أو على مستوى العالم، كما حظيت سامو – رامات وإنجازاتها، بعد قرون من انقضاء عهدها، باهتمام بالغ من جانب الكتاب والمؤرخين اليونانيين، وقاموا بتحوير اسمها بما يلائم اللسان الهللينستي  إلى :سميرامس، ومن هنا، وعلى يد الكتاب اليونانيين، انتقلت سيرة الملكة العظيمة من عالم الحقائق التاريخية إلى عالم الأساطير،  حيث صورها البعض كامرأة مهلكة في قصة حب تراجيدية، أما الكتاب الكلاسيكيون فلم يدخروا جهدا في إسباغ سيرتها بالكثير من زخارف المبالغات، فقد نسبوا إليها العديد من الإنجازات العظيمة، حيث صوروها كقائدة للجيوش، وبانية لأسوار بابل، كما نسبوا إليها الفضل في تشييد العديد من الآثار على امتداد إمبراطوريتها .

ولم ينحسر سحر سامو – رامات / سميراميس بمرور الزمن، بل امتد تأثيرها عبر القرون حتى وصل إلى دانتي أليجييري، الشاعر الإيطالي العظيم، فاستحضر وجودها في أنشودته الأشهر: الجحيم – تتكون الملحمة الشعرية الشهيرة لدانتي: الكوميديا الإلهية، من ثلاثة أناشيد :الجحيم، المطهر، الفردوس . …/المترجم-  حيث صورها ملقاة في إحدى حلقات الجحيم الأخروي تنال العقاب جزاءً لخطاياها الحسية .

أما الكاتب الفرنسي فولتير، رائد عصر التنوير، فقد ألهبت سامو – رامات فكره ومشاعره حتى كتب عنها تراجيديا بديعة، قدمها روسيني بعد ذلك في 1823  في الأوبرا الشهيرة : سميراميس.

القوة الحقيقية :

 

تظل القصة الحقيقية للملكة سامو – رامات لغزًا محيرًا، ويظل السؤال : ما الذي أنجزته تلك الملكة قبل ألفين وثمانمائة عام ففتن العالم لدرجة أن تصاغ حولها وحول تراثها كل تلك الأساطير والحكايات؟ وهل يمكن للآثار المادية التي تتحدث عن وقائع تاريخية أن تبدد بعضًا من غموض سيرة سامو – رامات؟

تمكن الأثريون من العثور على أربعة قطع أثرية شديدة الأهمية، حيث توفر مجموعة من الشواهد التي من شأنها أن تلقي مزيدا من الضوء على السيرة الحقيقية للملكة اللغز.ففي مدينة النمرود القديمة ” العراق حاليا ” وجد علماء الآثار تمثالين يحملان إسم سامو- رامات، مكرسين للإله  نابو Nabu  وهو إله المعرفة والكتابة عند البابليين؛ كما وجدوا لوحتين تحملان اسمها أيضا، إحداهما في منطقة قيزقبانليKizkapanli   و  وهي تركيا حاليا، والأخرى من أشور في العراق.

فلو أننا نظرنا للأربعة نقوش الأثرية بنظرة كلية فسوف نتمكن على الأقل من رسم الملامح الأساسية عن تاريخ تلك الملكة، بحيث يمكن أن نلخص تلك الملامح التاريخية فنقول : أن سامو – رامات، بلا شك، قد عاشت فيما بين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد في ربوع الإمبراطورية اﻷشورية، و تزوجت من الملك   شامشي- آداد الثاني، والذي امتدت فترة حكمه مابين 823 إ إلى 811  قبل الميلاد، فأنجبت منه الملك آداد- نيراري الثالث.

ومن تلك الآثار والمعلومات المستقاة منها استطاع المؤرخون أيضا أن يكونوا فكرة أكثر وضوحا وتحديدا عن سامو – رامات  التي نقشت اسمها على صفحات التاريخ الأشوري في واحدة من أشد لحظاته حرجًا وخطورة . كان زوج سامو – رامات أحد أحفاد الحاكم الأشوري العظيم أشور ناسيربال الثاني والذي قام بتشييد قصره المهيب بمدينة النمرود في بدايات القرن التاسع قبل الميلاد، ولم يدخر جهدا لترسيخ إمبراطوريته وتثبيت أركان حكمه، فقام بقمع الثورات التي قامت ضده بوحشية لم ينكرها أو يحاول إخفائها، حيث تخبرنا بعض النقوش عن الثورة التي اندلعت بإحدى المدن داخل حدود إمبراطوريته وكيف قوبل الثوار بوحشية تقشعر لها الأبدان؛ ولنستمع إلى بعض مما تتلوه علينا النقوش عن لسان الملك الضاري : {وقد قمت بسلخ جلود جميع قادة التمرد وكسوت بها العامود المشيد على بوابة المدينة، كما قمت بإعدام بعض منهم على الخوازيق عند هذا العامود،  وتوثيق بعضهم الآخر إلى الأوتاد حوله }

ثم جاء اليوم الذي ورث فيه الحفيد، زوج سامو – رامات، إمبراطورية الجد المتجبر، إلا انه لم يكن يملك جبروت جده ولا قوته ولا قدرته على السيطرة على مقاليد الأمور؛ فقد استلم الحفيد الإمبراطورية العظيمة وهي متمتعة بالثراء والاستقرار، إلا أنها لم تمكث طويلا على تلك الحال، حيث أهدر الحاكم الوريث الكثير والكثير من موارد إمبراطوريته في صراعه ضد أخيه الأكبر المتمرد الذي أراد أن ينتزع منه العرش، وبحلول وفاة الإمبراطور شامشي أداد الثاني في 811  ق قبل الميلاد، كانت الإمبراطورية العظيمة قد آلت إلى الوهن والضعف على الصعيدين المالي والسياسي؛ في هذا الوقت كان ابنه أداد – نيراري الثالث لم يول بعد صغيرًا جدًا ليتمكن من تولي الحكم، لذا لم يكن من بد أن تتولى أمه الملكة سامو – رامات مقاليد الحكم بنفسها كوصية على العرش وتستعيد الاستقرار للإمبراطورية الأشورية .

بين الذكرى… والخرافة :

 

بالرغم من أن المصادر الأثرية الأربعة التي سبق وذكرناها لا تذكر وصاية سامو – رامات على عرش ابنها، إلا أن ما ورد في تلك النقوش الأثرية من معلومات إنما يؤكد تمتع هذه الملكة بدرجة عالية من القوة والنفوذ السياسيين لم يسبق لأية امرأة أخرى في بلاد مابين النهرين أن تمتعت بمثلهما؛ أحد الأدلة الدامغة على ذلك هو ما ورد في اللوحة الأثرية التي عثر عليها في قيزقابانلي والتي تتحدث عن قصة مرافقة سامو – رامات لابنها في حربه ضد ملك مدينة أرباد الأشورية، وقد كان حضورها كامرأة ومشاركتها في الحرب في تلك الحقبة من الزمن فعل استثنائي بلغ في تفرده أن تم تصويره على الحجر – اللوحة الأثرية – مما أسبغ على سامو – رامات  وأفعالها درجة رفيعة من الاحترام والتبجيل.

وإلى أن وصل آداد – نيراري الثالث إلى سن استلام العرش، كانت سامو – رامات قد استطاعت بقوتها وعزيمتها أن تترك بصمة لا يمكن محوها في نفوس رعاياها، وهو ما يبدو جليا من اللوحة الأثرية الثانية في أشور، حيث وضع فيها اسم الملكة سامو – رامات جنبا إلى جنب مع الملوك الذكور، فقد كرست اللوحة إلى: {سامو – رامات، زوجة الملك شامشي -آداد ،ملك العالم وملك الإمبراطورية الأشورية، وأم آداد – نيراري ملك العالم وملك الإمبراطورية الأشورية }

بداية أسطورة سميراميس:

 

لطالما تردد إسم سامو – رامات بعد وفاتها عبر أجيال وأجيال، ففي مجتمع “شفاهي” تتناقل فيه الحكايات والأخبار  بطريقة روائية شفاهية ، كان من السهل أن تزدان القصة الحقيقية لسامو – رامات بالكثير من الخيالات والمبالغات أثناء انتقالها من راو إلى آخر ومن جيل إلى جيل، حتى فاض تاريخها بالحكايات  الخيالية وتخللت الأسطورة ثنايا الواقع.

في القرن الخامس قبل الميلاد كرس المؤرخ الكلاسيكي العظيم هيرودوت ذكرى الملكة سامو – رامات إلى الأبد، ولكن باستخدام الشكل اليوناني لاسمها : سميراميس ، وهو الاسم الذي ظلت تعرف به منذ ذلك الزمن وحتى يومنا هذا .

أما من عزز الجانب الأسطوري من تاريخ سميراميس فكان الكاتب اليوناني ديودوروس الصقلي، والذي عاش في العصر الروماني في زمن يوليوس قيصر وأغسطس،  وذلك من خلال عمله الضخم النصف تاريخي : موسوعة تاريخ العالم ، الذي قام فيه باستعراض كافة الأحداث  بداية من أساطير الخلق، وصولا إلى أحداث عصره الذي عاش فيه. في عمله الملحمي هذا قدم ديودوروس سردا مفصلا ومذهلا عن الملكة الأشورية الشهيرة، وقد استند في معلوماته عنها إلى نص سابق عليه – مفقود الآن – كتبه طبيب يوناني كان يعمل في البلاط الفارسي في القرن الرابع قبل الميلاد .

وفقا ل ديودوروس، ولدت سميراميس في عسقلان، حيث جاءت كثمرة للتزاوج بين الإلهة السورية ديرسيتو – وهي النسخة المحلية من الإلهة الفينيقية عشتروت، والبابلية عشتار- وشاب سوري؛ بميلادها، تخلت الأم الإلهة عن طفلتها الرضيعة، خجلاً وتنكرًا لتلك العلاقة التي جاءت الطفلة نتاجًا لها، فآلت الرضيعة في البدء إلى رعاية الحمائم ،ثم انتهى بها الأمر وقد تبناها الراعي الأكبر لملك أشور وأطلق عليها اسمها سميراميس.

وكبرت سميراميس وشبت عن الطوق، فصارت امرأة شابة فاتنة فائقة الجمال، حتى أن حاكم سوريا في ذلك الوقت، وكان يدعى أونز، قد ذهل بجمالها الأخاذ منذ إلتقاها أول مرة أثناء تفقده للقطعان الملكية، فطلبها للزواج وحصل على موافقة والدها بالتبني، وبعد الزفاف انتقلت سميراميس مع زوجها إلى نينوى .

لاحقا، تم إرسال أونز على رأس الجيش لمحاصرة مدينة  بكترا في وسط أسيا، ولما طال غيابه عن زوجته المحبوبة، أرسل يطلبها للحاق به ، فلبت سميراميس طلب زوجها وسافرت لتلحق به في تلك البقعة البعيدة، لكنها لم تسافر خالية الوفاض، بل حلت على زوجها في معسكره ومعها إستراتيجية فعالة للانتصار، وبالفعل استسلمت المدينة المحاصرة بفضل سميراميس .

وعندما علم الملك الأشوري نينوس – والذي سميت نينوى على اسمه – بهذا النصر المظفر، وبدور سميراميس في تحقيقه،  أرسل في طلب مقابلة المرأة البطلة ، وبالفعل حضرت سميراميس لتمثل أمامه .

هنا يحكي ديودوروس أن الملك القوي نينوس قد وقع في حب سميراميس بمجرد أن إلتقاها، فأمر زوجها أونز بأن يمنح زوجته لإحدى بنات الملك ، إلا أن أونز رفض أمر الملك في شجاعة يحسد عليها، ولكن القوة والسلطة كثيرا ما تغلبان الشجاعة، فقد تعرض أونز لتهديدات متلاحقة من الملك ، حتى خارت قواه، ولم يجد أونز أمامه من سبيل …سوى الانتحار.

ثم تزوجت الأرملة سميراميس من الملك نينوس، فصارت : الملكة سميراميس .. ملكة أشور، وفي غضون بضع سنوات من الزواج، توفي زوجها الملك.

عند هذه النقطة، تتلاقى قصة حياة سميراميس التي صاغها وكتبها ديودور الصقلي، والتي بث فيها الكثير من الخيال والجوانب الأسطورية، مع قصة حياتها التاريخية الواقعية، ويتماس  الخط الروائي مع الخط الواقعي لحياتها في نقطة التقاء، حيث تتولى سميراميس مقاليد الحكم بعد زوجها كوصية على عرش ابنها الذي كان لا يزال طفلا.

سميراميس ..بانية وقائدة :

 

وفقا للمؤرخين اليونانيين، فإن مشاريع البناء والعمران الطموحة للملكة قد جعلت من فترة حكمها محلا للإعجاب والتبجيل؛  ففي محاولة منها لمضاهاة زوجها الراحل، ومحاكاته في رؤيته لمملكته، أمرت سميراميس ببناء مدينة جديدة على ضفاف نهر الفرات :بابل؛  ويرى ديودوروس هنا أنها لم تقم فقط ببناء المدينة، ولكن يرجع إليها الفضل أيضا في بناء العديد من معالمها المميزة مثل القصر الملكي، معبد الإله مردوخ، و أسوار المدينة . بل إن بعض من المؤلفين في العصر اليوناني – الروماني ، بما فيهم سترابو ، قد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث نسبوا إليها إقامة حدائق بابل المعلقة، إحدى العجائب السبع المذهلة في العالم القديم، إلا أن الدلائل التاريخية لا تدعم بأي حال من الأحوال إدعاءاتهم.

ويحكي   ديودوروس أيضا كيف أن الملكة، بعد انتهائها من بناء بابل، قامت بإطلاق عدة حملات عسكرية لوأد الانتفاضات التي قامت في كل من بلاد فارس وليبيا .

وفي وقت لاحق، قامت سميراميس بخطوة جريئة، حيث قامت بتجهيز وإطلاق الحملة الأصعب والأبرز : غزو الهند، إلا أن الرياح كثيرا ما تأتي بما لا تشتهي الأنفس، فقد فشلت الحملة – على الرغم من دقة التخطيط وقوة التجهيز – فشلاً ذريعًا، وتحولت حملة الغزو إلى كارثة، وأصيبت سميراميس نفسها خلال الحملة .

وكانت سميراميس في وقت سابق، أثناء حملتها في أفريقيا، قد توقفت في مصر لتستشير كاهن الإله آمون حول مصيرها، فتنبأ لها الكاهن / العراف بأن ابنها سوف يتآمر ضدها ويقتلها، وهي النبوءة التي تحققت إلى حد كبير في رأي بعض الكتاب، وتحققت بالكامل في رأي  البعض الآخر .

فبعد حملتها الفاشلة على الهند، الكلام هنا لديودوروس، اكتشفت سميراميس أن ابنها نينياس يتآمر ضدها فعلًا للاستيلاء على العرش، إلا أنها – ووفقا لهذه الرواية – كانت من الحكمة بحيث قررت عدم الدخول في حرب ضد ابنها، وقامت بتسليمه السلطة بشكل سلمي .

إلا أن تلك النهاية ليست الوحيدة التي ذكرت عن هذه الواقعة، ففي رواية أخرى يقول المؤلف الروماني جايوس يوليوس هيجينوس، الذي عاش في القرن الأول الميلادي، أن الملكة سميراميس قد انتحرت بأن ألقت بنفسها في النيران .

وفي رواية ثالثة كتبها المؤرخ الروماني جوستين، القرن الثالث، أن نبوءة كاهن آمون قد تحققت حتى نهايتها، حيث قتلت سميراميس على يد ابنها.

* تتشابه أسطورة سميراميس في كثير من جوانبها مع الكثير من الأساطير القديمة التي سادت عصورا سحيقة ، فعلى سبيل المثال تردد أسطورة أصلها الإلهي أصداء الأصول الإلهية للعديد من الأبطال القدماء مثل هرقل،الذي هو وفقا للأساطير الإغريقية  ابن ملك الآلهة زيوس وامرأة من البشر؛ أما قصة التخلي عنها وهي بعد رضيعة في المهد، فإنها تعد بمثابة استعادة لأسطورة طفولة الملك سرجون الأكادي  وكذلك طفولة النبي موسى الواردة في سفر الخروج التوراتي، حيث ترك موسى كطفل ووجدته ابنة فرعون مصر.

أيضا تذكرنا قصة استشارة الملكة سميراميس لكاهن آمون ومحاولتها غزو الهند ، بما ورد عن الإسكندر الأكبر من أخبار وحكايات . كلها قصص وحكايات مألوفة ومعروفة لديودوروس الصقلي وللمؤلفين والكتاب اليونان والرومان الذين كتبوا عن حياة سميراميس وأخبارها، فلا عجب إذن إن ترددت أصداء تلك الحكايات في قصة سميراميس التي كتبوها.

لقد ولدت”أسطورة “الملكة سميراميس من رحم “تاريخ”  الملكة سامو- رامات، فبقيت الحقيقة في قلب الأسطورة، وأحاطت الأسطورة بجوهر الحقيقة ، فدثرتها برداء فخم من الحكايا المبهرة، المثيرة لمزيد من الخيال ، الملهمة للشعراء والأدباء على مر الزمان.

 

 

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر