ثيمة الموت

 

785d469c59b975696a7b2146993070c6

ظلت مسألة الموت من المسائل المحيّرة جداً بالنسبة لي منذ وقت باكر جداً؛ منذ وفاة حاج (صالح ) وهو رجل عجوز ضرير “أعمى” يسكن في الحي المجاور لنا، كنت التقي به كل فترة وأنا في طريقي إلى الطاحونة التي بالحي المجاور لنا. وبرغم ضعف بصره إلا أنه كان يُميّزني، ربما من صوتي. يشاغلني ويتحدث معي بلطف مُحبب، يلمس يديّ وهو يحدقْ في الاتجاه البعيد، ظللنا على هذا الحال ولمدة طويلة حتى افتقدته يوما ما. مررت بمكان جلوسه المعتاد ولم أجده، طفت بعيني حول المكان لم أجد له أثراً، نظرت إلى مكان جلوسه لم أجد أثراً لكرسيه المهترئ الذي يجلس عليه ولا لطاولته التي يبيع فيها. سألت عنه صاحب الطاحونة فقال لي بعد أن حدجني بنظرة صارمة، أنه مات منذ ثلاثة أيام، لم افهم حينها جملة انه مات، ولكني أحسست أنه شيء مختلف وقاسي فأنا لن ألتقيه مجدداً.

زميلتي في الدراسة الثانوية والتي كان يفصل بين مدرستينا حائط طيني قصير وأشجار متناثرة وحوائط كبيرة من الحياء والخجل والقيود الاجتماعية العنيفة. كنّا نسترق النظر إلى بعضنا البعض خلال الحصص الدراسية المشتركة القليلة، ننظر إلى بعضنا بعيون تَشِي بكثير من التحدي واللا اكتراث وربما شيء من الندية، ننسى حدود المكان الذي يجمعنا وندير حواراً بصرياً عالياً، نفقد كثيراً من انتباهنا ولا نستفيق إلا على صوت المدرس الجهور وهو ينتهر أحدهم لخطئه في الإجابة. هذه الفتاة هي الأخرى غابت لمدة، ولم استطع أن اقفز فوق حائط الخوف وأسأل عنها، ظللت صامتاً أحدق في الحائط الطيني القصير، وتخترق نظراتي الأشجار المتناثرة… ولكن لا جدوى. وبعد مرور أيام قليلة علمت أنها لن تعود وأنها ماتت، هكذا بكل سهولة، أذكر أنني بكيت حينها بكاءً شديداً. في هذا الوقت بدأت افهم رويداً رويداً معنى الموت بأنه الغياب الأبدي الذي لا رجعة منه، هو الحائط القصير الذي يفصلنا عن من نعرف.

صديقي الذي التقيه كل حين، نتشاكس ونتناكف، ونتشاتم، وربما تعاركنا بالأيدي، قبل أن نفترق بالأحضان ووعود اللقاء القريبة. مات بعد أسبوع من آخر لقاء لي معه،هذا اللقاء الذي تحدثنا فيه عن أي شي عن الطموح والأمل والحياة، عن الجنة والنار والعذاب، عن الدين والجنس والسياسية، عن الحب والزواج والنساء. كان يتحدث بثقة وهيبة غريبة. قال لي بأنه صار يكتب وصيته كل ثلاث ليالي، اذكر أنني باغته بتعليق سريع: ( انت يا زول جنيت وصية شنو البتكتبها؟؟) فذكرني وهو يبتسم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحثنا فيه على كتابة الوصية كل ثلاثة ليال احتياطاً للموت، كان هذا آخر حديثي معه. مات هكذا دون أن يعطي أي إنذار أو استئذان، لم استطع أن استفسر من أي احد أو منه تحديداً عن سبب الرحيل. كانت لدي فرصة أن أسأله هو؛ لكنّهم انزلوه في القبر سريعاً، كانوا قساة جداً عليه، وكأنّهم أرادوا التخلص منه، وإخفاءه للأبد. منذ ذلك الوقت علمت جيداً معنى الموت، للحد الذي يجعلني لا استغرب وفاة أي شخص مهما كان قريباً إلى نفسي، مهما كان صغيراً أو كبيراً، ومهما بلغت محبتي له. فموت شخص قريب لك يعني انفصال جزء منك، لن تستطيع استعادته أبداً. يعني أن تعيش شخصًا غير مكتمل.

فهمت تماماً، ماذا حدث للعجوز الضرير، فلن يعود صوته الجهور ومناكفاته البذيئة التي تجعل الناس يخافونه ويتحاشونه، لن تعود ابتسامته الماكرة حينما اخفي عنه شيئاً ويكتشفه، ربما هو أكثر الناس ذكاءً.

فهمت ما حدث للفتاة المشاكسة، الجميلة، ذات النظرات الشرسة والحادة، والتي لم استطع نسيانها إلى الآن، ليت الموت أمهلها لحظات لأتحدث معها، لأقفز فوق الحائط الطيني الصغير الذي يفصلنا، واهدم الحوائط الكبيرة التي في دواخلنا.. فربما كان هناك موعد، أو حديث، أو قبلة، ربما هناك حياة كاملة لم تأت.

لذلك حينما اكتب قصة قصيرة -غالباً- أقوم بقتل شخصياتي، للحد الذي جعل أحد أصدقائي يسألني بحيرة( انت يا زول في قصتك دي كاتل ليك نفرين الحاصل شنو). 

ربما أردت أن افهم لماذا مات صديقي، وأن أجرب إحساس أن اقتل شخص ما بعد أن يكتب وصيّته. ربما أردت الانتقام لهم، أو ربما لفهم ثيمة الموت الأزلية من نافذة الكتابة، ربما أردت أن أموت أنا أيضاً.

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان