حُرقة

e1b2d4fe3eab228036ec0927929f2792

بقلم: علام بخيت

ألا يفترض بها أن تكون محلقةً الآن من هولِ السعادة ، تلك الأحاسيس الوردية التي لطالما حلمت بها طوال فترة مراهقتها و رافقتها حتى النضج . ذلك النضج الذي اتضح فيما بعد أنه أكبر جريمة اقترفتها في حق المجتمع ، لم تكن تدري أنه سينظر إليها كمذنبة و سينزل بها عقابٌ سيشوه كل ما هو جميلٌ بنفسية أنثى في مقتبل العشرين . شوّهوا أجمل إحساس في حواء التي تسكنها ، كتلة اللحم تلك التي تنمو داخل أحشائها كنباتي أرغم على تناول لحم خنزير ، تنمو و تكبر منها ، كتلة اللحم الشرهة تلك التي لم تكتفي بجسدها و إنما انقضت على كل كيانها ، نهشت روحها ، جففت دموعها و لم تترك لها خيار النحيب ، لم تترك لها حتى الدم . مصاص دماء يتكون داخلها ، يملأ حيز رحمها شيئاً فشيئاً ، تحس و كأنه سينفجر بها و لن يولد كالأطفال العاديين ، سيكبر إلى أن تضيق به بطنها ، سيعصر رئتيها و يمزق قصبتها الهوائية .

ما ذنبه ؟     

مهلاً ! و ما ذنبي ؟

لا مشاعر ، لا ارتباط ، لا حب .

تنتابني بعض المودة أحياناً إلا أنني أفيق منها و كأنها حلم ، أتصبب عرقاً هستيرياً ، أصرخ ، أضرب بطني و ألعن حياتي . أتحسس حركته ، تنفذ إليّ ملامحه عبر المشيمة ، أرى وجه ، أصرخ مجدداً ، أركض ، تمتلئ عيناي بالدموع ، يحتقن وجهي بالدم ، أجلب سكيناً ، تنهار قواي ، أسقط مغشياً علي ، و أفشل للمرة المليون ، و كأن السكين متواطئٌ معهم ، كل العالم متواطئٌ ضدي . أنا المسكينة ، أنا الأمومة في صورتها الأكثر قتامة ، في صورتها اللافطرية . ضقت ذرعاً يا الهي ، ألطف بي ، ارحمني ، خذني إليك !

تسعة أشهر ، لا بل عشرون دقيقة ، هل جرب أحدكم أن يسجن في زنزانة زمنٍ موحشة ، مقرفة ، أنا يا هؤلاء سجينة ، أنا المغتصبة بكل المعاني الحسية و المعنوية .

عشرون دقيقة و تسع أشهر ، هي فعل الحارق ، عودٌ ثقابٍ أُشعل و تركَ ليأكل ما حوله لألف عام . نعم أنا أحترق ، لا أحمل أدمياً و إنما شيطان ، خلق الشيطان من نار . المذنبون أعداء الله لا يحملون في أجسادهم سوى الشيطان . أنت شر ، لم لم تكتف بنقل الإيدز ؟

أتستضيف طريد الجنةَ داخل جسدي ، حرامٌ عليك !

تسعة أشهر !

لن تنقضي ، لحظاتٌ الألمِ دائماً ما تكون طويلة ، تسعة أشهرٍ ستتمرد على الزمن الهارب . سيمكث بي للأبد ، ستنتفخ بطني كورم خبيث ، سرطان العذاب ، حيرة أخرى أضيفت لقائمة العجز البشري ، أنتم من أصابني بهذا السرطان ، لن أكون آخر ضحية ، ستفقدون السيطرة ، سيدخل هذا السرطان بيوتكم ، سيفتك بكل حواء تعرفونها .. تحبونها ! لا تحاولوا ، لا تنفقوا أموالاً أو زمن ، أخبركم أنا البصيرة المتوجعة .. لا علاج !

أنا المقت .. أنا الكره .. أنا الألم

أنا الحب .. أنا العطف .. أنا الندم

نادمة على أنوثتي ، نادمة على نضارتي ، نادمة على تفتحي وردةً لم تكن تدري أنهُ سيحط عليها الذباب ، و ستضل الفراشات طريقها للأبد . أنا الحب ، العطف بشذوذهما المخجل ، شعوران كالخطأ الفادح ، كالضيف الثقيل ، لا وجود لكما وسط كل هذا القيء ، خليط كل المشاعر السوداء ، فأنا المنتقم ، البريء المحكوم ظلماً ، أنا الضحية .

ماذا سأفعل بك ؟

ما ذنبك ؟

مهلاً ! و ما ذنبي ؟

أأتركك طعاماً للكلاب ، ألقي بك في القمامة ، أخنقك كما خنقتني تسعة أشعر . أقضي عليك للأبد ؟

مهلاً لا تكوني غبية .. تقتلين طفلاً بينما المجرم الحقيقي يعربد هنالك طليقاً ، يمارس ذنوبه بفُحشٍ عظيم ، يزرع شياطينه في كل الأرحام الطليقة ، البريئة تلك .

ملائكة رحمة ؟

ذريةُ هؤلاء ليسوا من الملائكة !

الشيطان كان ملكاً حتى ارتكب الخطيئة فأصبح اسماً للذنب ، للفجور و القذارة .

هؤلاء ليسوا ملائكة رحمة هؤلاء أطفال الخطيئة .

بعد تسعة أشهر و ثلاث أيام ..

غرفة العمليات قسم النساء و التوليد ..

تعالت صرخات الضحية بألم عمرهُ ريعان شبابها ، ولدت ملاك رحمة أطلق عليه اسم الخطيئة و ابن الحرام في سجلات المجتمع الوضيع ، توفيت الأم الممزقة و على وجهها ابتسامة رضا مريحة .

انطفأتِ الزهرة .

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة