الرئيسية / احدث التدوينات / خسر ليفربول وكسبت كرة القدم 

خسر ليفربول وكسبت كرة القدم 

201709111042234223

 كمشجع ليفربولي لربما أحزنتني خسارة نهائي أبطال أوربا كأي مشجع يافع رغم أن الأمر في كل حال لم يخرج من احتمالات وتوقعات كرة القدم، ولكن في المحصلة العامة أجد أن ما فعله الفريق بلاعبين من الدرجة المتوسطة – في اغلب مراكز اللعب – كان لمصلحة الكرة العالمية بالعموم.

 قبل عشرين عامًا أو أكثر كانت كرة القدم هي ببساطة كرة القدم لا شيء آخر، تلعب بمثل ما تلعب في أزقة الأحياء والميادين الضيقة – حيث يتخرج اللاعبون، فلم تكن المهارة الزائدة منقصة أو مفسدة عكس اليوم الذي أصبح الاعتماد فيه أكثر على اللاعب التكتيكي، فكانتي مثالا هو أهم لأي فريق مقارنة بمسعود اوزيل الذي يرى البعض انه سلبي رغم مهارته العالية. وقبل عدة أعوام كان غاتوزو لاعب وسط دفاعي مهم ولكنه لم يكن بأهمية روي كوستا أو لويس فيغو أو أي من لاعبي الوسط الهجومي حينذاك، كانت خطط المباريات الدفاعية والهجومية يتم بناءها على لعب كرة القدم لا تعطيلها، كان لاعبو كرة القدم يتمتعون بحرية كاملة داخل الملعب فيتم تناقل الكرة برشاقة مع وجود مساحات بالدوام للإبداع وإبراز المهارات فكانت الكرة جميلة حتى في حالتها الدفاعية أو أن المباريات كانت بمثابة لحظات من الدفق الإبداعي المستمر، كثير من لاعبي العقد السابق لو حضروا في هذا الزمن – زمن ركن البص – لما استطاعوا أن يبرزوا ولو قليل مما يملكون من مهارات نسبة للخطط الدفاعية السلبية والعقيمة، يكفي جدا أن ميسي – كأحد امهر المراوغين حاليًا – قلما يجد في مباريات اليوم فرصة محاورة (واحد – لواحد) بسبب أسلوب اللعب الدفاعي الذي يعتمد على تكدس لاعبي الدفاع والوسط أمام خط المرمى.

حدثين مهمين كانا سبب إحداث نقلة كبيرة وسلبية في كرة القدم فوز اليونان بكأس أمم أوربا في العام  2004 بأداء دفاعي كامل مع الاعتماد على الهجمات المرتدة وفوز بورتو في نفس العام ببطولة أبطال أوربا بفريق متوسط وبأداء دفاعي متحفظ، تزامن الأمر تمامًا مع الوقت الذي كانت فيه كرة القدم تتحول إلى نافذة تسويقية ذات أرباح كبيرة؛ فأصبح الفوز أهم من لعب كرة القدم والالتزام بخطة المدرب أهم من مهارة اللاعب وإبداعه،الآن فان لاعبين ماهرين مثلا بوغبا ومارشيال وراشفورد يؤدون اقل بكثير مما يملكون من مهارات لان الخطة تحملهم واجبات دفاعية تجعل عدم تلقى هدف أهم من إحراز هدف وبالتالي تحد من مقدراتهم الهجومية.

مورينيهو تحديدًا هو الذي قلب الكرة رأسًا على عقب، هو لم يكن لاعبًا للكرة بل كان مترجمًا لمدرب – لربما هذا يفسر لماذا تقوم خططه على كل شيء عدا لعب الكرة، خلال أعوام عديدة تحديدًا منذ أن فاز مورينيهو بالأبطال مع فريق بورتو البرتغالي بدا أن هناك طريقًا مختصرًا لتحقيق الفوز بالبطولات وحصد الجوائز والأرباح وهو ببساطة عدم لعب الكرة بل وعدم ترك للآخرين مساحة للعبها، فمورينهو كان مغرمًا جدًا باللاعبين (أنصاف الموهوبين) ذوي المقدرات البدنية العالية القابلين دومًا للالتزام بتعليماته، يقوم بشحنهم بدفعات معنوية كالمحاربين قبل المباراة، فتحولت المباريات من مجرد لعب إلى قتال حتى قبل أن تبدأ بالتصريحات المتبادلة، وأصبح الأقدر على الفوز بالبطولات هو الأفضل دفاعًا لا الأفضل هجومًا – مع استثناءات قليلة، كان نتاج الأمر كارثي جدا على كرة القدم، قلت روح المبادرة في فرق كرة القدم، يبدأ كل فريق المباراة بأمل الحفاظ على شباكه قبل التفكير في إحراز الأهداف وتسرب الملل رويدًا إلى كرة القدم، قلت التفاعلية الهجومية والندية، أصبحنا نلحظ دائمًا في كل مباراة أن هناك فريق أقوى يهاجم وفرق اضعف يدافع، لم يكن الأمر بهذا السهولة قبل أكثر من عشرة أعوام لان كل الفرق كانت تملك زمام المبادرة الهجومية، ووقتها كانت الندية حاضرة بين كل فرق الدوريات الكبيرة كان مانشستر فريقًا كبيرًا بالسير اليكس فيرجسون وكذلك يوفنتوس وبايرن ميونخ وكان ريال مدريد وبرشلونة مثلهم وأي فريق آخر، يبرزون في أعوام ويغيبون في أعوام أكثر، ولكن النقلة التي أحدثها مورينهو خلال عمله بايطاليا وانجلترا والنجاحات التي تحققت بفوزه بكثير من البطولات بطريقته العقيمة جعلت خطته تتسرب رويدًا إلى الأندية بل حتى المنتخبات، والنتيجة انه لم يتبق في أوربا إلا فريقين يملكان زمام المبادرة في كل المباريات، ريال مدريد وبرشلونة وربما بايرن ميونخ، احتفظ الارسنال مع فنغر – الذي ترجل مؤخرا – بالمقدرة على لعب كرة مفتوحة مع أداء سلبي غير منتج.

في السنين التالية وبعد زوبعة مورينو الأولى دنت السيطرة الأوربية لفرق اسبانيا – لأنها ببساطة الفرق الوحيدة التي تقوم خططها على المبادرة الهجومية، بينما تراجعت أندية مثل مانشستر وتشلسي واليوفتوس لتلعب دور الوصافة في كل الأحوال، فخلال الخمس سنين كانا فريقا ريال مدريد وبرشلونة هما عقبة اليوفنتوس في طريق الفوز بالأبطال، رغم انه في كل الحالات كان يبدو أن اليوفي قادر على تجاوز الفريقين ولكنه لا يفعل لأنه لم يكن فريقًا يملك زمام المبادرة، كان فريق رد فعل لا فعل، في البطولة الأخيرة استطاع اليوفي أن يحرز ثلاثة أهداف في شباك ريال مدريد حين بادر بالهجوم في مباراة الإياب بعيدًا عن أرضه رغم أنه خسر المباراة الأولى، لنفس السبب خسر باريس سان جيرمان من برشلونه العام الفائت رغم تقدمه بأربعة أهداف، في مباراة الذهاب كان احد لاعبي باريس يصرح بأنهم حتى ولو خسروا بخمسة أهداف مقابل هدف لتأهلوا وكانت النتيجة أنهم خسروا بستة أهداف مقابل هدف، الفرق الكبيرة تبدأ المباريات دائما لتحرز الأهداف ثم لتفوز.

 في البطولة الأخيرة مثلاً خرج تشيلسي من أمام برشلونة رغم انه كان أفضل أداء، ببساطة لأنه لم يلعب كفريق كبير، والمؤسف جدًا أن مانشستر بمجموعة لاعبين من الطراز الأول خرج على يد فريق اسباني لم يكن حينها في إحدى الأربعة مراكز الأولى في ترتيب الدوري لان مدربه- مورينهو تحديدًا- كان مصرًا على لعب دور رد الفعل لا الفعل، من الملاحظ أن سبب خسارة برشلونة لمباراته أمام روما هو أنه لأول مرة منذ أعوام يبدأ فريق برشلومة مباراة وهو في حالة دفاعية حيث فضل مدربه اللعب بظهيري اليمين الدفاعين بدلا من إدخال لاعب وسط هجومي، فريقي برشلونة وريال مدريد يؤديان سيئًا عندما يكونان في حالة دفاعية لأنهما ببساطة فريقان هجوميان بالكامل .

 بعد عدة أعوام يبدو أن الحالة تحولت لداء مزمن وكان الأمر يحتاج لمخاطرة تعيد إرجاع الكرة لأصلها، كرة القدم من اجل كرة القدم أو على الأقل يتقدم فيها الهجوم على الدفاع، و حيث أن غوارديولا يقوم بعمل تدريبي ممتاز باعتماد خطة تعتمد على لعب كرة القدم في الأساس فان كلوب مدرب ليفربول يقوم بما هو أعظم حيث انه بالمحصلة النهائية اثبت أن الهجوم أفيد من الدفاع، فريق بثلاث مهاجمين قد يعتبر اثنان منهم على الأقل لاعبين سوبر استطاع أن يصل لنهائي الأبطال وبأداء هجومي أكثر من رائع وهو أمر لم تستطع أن تفعله فرق مثل تشيلسي ومانشستر ويوفنتوس رغم أن مستوى لاعبيها في خط الهجوم ليس بأقل من لاعبي ليفربول – إن لم يكن أفضل؛ كما أن تلك الفرق تتميز بوجود لاعبين جيدين في كل مراكز اللعب تقريبًا. اثبت كلوب أن الكرة الجميلة تنتصر وأن الهجوم ليس بالمخاطرة التي يتصورها البعض بعد سنين من سيادة الكرة الدفاعية المملة. وبوجود مدربين شباب مثل غوارديولا وزيدان وكلوب يؤمنون بالهجوم فانه ربما يعود الإيمان رويدًا بالكرة الجميلة ومن ثم تعود الندية والمتعة.

 خسر ليفربول المباراة النهائية ولكن بمجمل الأداء انتصر للكرة الهجومية ، ولربما كانت هذه نقطة الانحراف العكسية أو الأوبة في مسار كرة القدم في محاولتها لاستعادة حيويتها وفعاليتها بحيث نعود – كمحبي كرة القدم – لنستمتع بكرة القدم ذاتها وبمهارات ونقلات اللاعبين للكرة قبل أن يمتعونا بالفوز.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان