الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رواية بداية الربيع للروائي أبوبكر خالد

قراءات: رواية بداية الربيع للروائي أبوبكر خالد

خالد

      صدرت رواية بداية الربيع للروائي أبوبكر خالد في طبعتها الثانية بعد ستين عاماً من طبعتها الأولى، مما يجعلها وثيقة أدبية تاريخية تحكي عن كيف كانت الرواية عام 1958م في السودان.

      تتناول الرواية فترة وجيزة بعد الإستقلال، وما يحيط بها من سياسة/ مجتمع، التحول الإسلامي في مدرسة وادي سيدنا، الذي ظهر في الشخصية الرئيسية صديق، عندما عاد لأهله في الإجازة، في ظني أن شخصية صديق رُسمت بصورة مدهشة للغاية، حيث تتحول نمطيتها من إنغلاق إلى إنفتاح. هذا التمرحل من شخصية غُذت بالمفاهيم الحنبلية – كما تصف الرواية – وهي دلالة على ظهور كل ما يخص ويرتبط بالتعصب، التدين الذي ظهر عليه خصوصاً في سن الثانوي، فعبر أحداث التداعي الحر بداخل نفسية صديق عرفنا كل الإختلاجات بداخله، كل الاسئلة المضطربة فيما يخص السياسة، وما يخص أنه الوحيد الغير منتمي لحزب، فكل شخص في تلك الحقبة كان منتمي لحزب بعد الإستقلال من حزب الأمة، أو الوطني الإتحادي، أو حتى الأشقاء، وغيرها من الأحزاب، فوالده على سبيل المثال ينتمي لحزب الأمة.

     أيضاً يغوص بنا الكاتب بالتداعي الحر عند صديق إلى كشف الإضطراب الذي يخص مسألة إرتباط التدين/ والرغبة الجنسية، فقد كانت مثار تساؤل حوله، لم يدري كيف يعالج الأمر في ظل أن البيئة حوله كانوا يذهبون إلى بيوت العاهرات ليلاً، تلك الأزقة المظلمة خلف دار السينما، أما أهم حدث يمكن أن يكون نقطة فارقة عند شخصية صديق فهو مسألة حبه لصديقة أخته، فقد وضعه في ربكة كبيرة عندما يوائم بين شخصيته المتدينة، وتلك المشاعر التي تختلجه عندما يراها، تلك المرحلة الحساسة من كتم الحب بسبب ظرف التدين، وبسبب أن أخيها صديقه، وبسبب أنها تكبره سنا، كل ذلك قد شكل هواجس تظهر له بتداعيه الحر عبر متون الرواية.

     تظهر في الرواية مسألة المرأة بصورة معالجة جداً، حيث أن سياق تلك الحقبة كانت بداية تعليم البنات، وأنها مرحلة تدافع بين موروث يجعل البنت تدرس للابتدائي ثم يكون دورها معرفة الطبخ، والإهتمام بالمنزل، وإنتظار زوج، وعدم الإهتمام برأيها. وقد عرض لنا الكاتب تلك الرؤي عبر تداعي حر لأم صديق، في مواجهة بنتها التي أدخلتها الثانوي وهو ما يعد شأناً كبيراً في تعليم المرأة، ويستخدم الكاتب في هذه النقطة تعقيداً يكشف كل الزوايا بسردية أن رجلا غنياً يكبر أخت صديق تقدم لها، وهي تحمل حباً بطريقة مخلوفة لأخ صديقتها (محمود)، فيؤسس بذلك أزمة، حيث أن العرف يقتضي بأن والدها يقبل زواجها دون أخذ رأيها، وصديق يرفض، لكنه رأيه غير مهم، وأخيها الأكبر الذي لم يتعلم يوافق أبيه، والأم تذعن لرأي الأب أيضاً، وهذا ما يرسم كيف كانت علاقات الأسرة آن ذاك، وهو ما يمكن مقارنته تاريخياً بهذا الزمن الحديث، حيث نرى العلاقات كالتالي:

     – صديق/ أخته = متعلمان/ يرفضان مسألة الزواج القسري، حيث يعدان هذا الأمر بيع لا أكثر.

     – الأب = أنصاري زُعزعت أفكاره بشأن حزب الأمة، ويعتمد على موروث أن كلمة الرجل تمشي على النساء، فيما يخص النساء والمعايرة بنظرة المجتمع عندما يعلمون بأن إبنته قد عارضته.

    – الإبن/ الأم = لم يتلقيا حظهما من التعليم، فقد كانت علاقتهما إذعانية لسلطة الأب فقط. والأب يرى أن التعليم قد أفسد إبنيه بسبب معارضته.

     التحليل الدلائلي نتج من العقدة السردية التي أضافها الكاتب، بل وعمل على معالجة لها عبر نظام الرفض/ الإضراب عن الطعام، الذي أنتج إذعان الأب لرغبة بنته في عدم الزواج، مما يعد فتحاً جديداً عند المرأة في القرية.

    نهاية الرواية تعد ذات معالجة إنقلابية؛ ظهرت في شخصية صديق، ونتجت عن تفتح ذهني إختلف عن ما جاء به أول الإجازة، ويمكن رسم العلاقات بتمرحلات شخصيته بعد عدة أحداث سردية، وتداعيات حرة تكسبه وعي متفتح بشأن العلاقة بين الشخصية المُتدينة عند سن المراهقة، ودون إحتواء، تكسبه سمات نفسية قلقة عند إصطدامه بالمجتمع، وبالرغبة الشهوانية لديه التي غلفها الكاتب تحت مسمى (المصيبة)، وفعل الحب الذي نما لديه، وعدم الإنتماء السياسي، ووضوح رأيه تجاه ما يجري سياسياً. هذه المنظومات الثلاثة إكسبت قلقاً لشخصيته، لأنها توضع في معايرة مع منظومة التدين الذي إكتسبه في وادي سيدنا، وعبر صدامات وأحداث وأنس وحديث مع النفس، تتطور الشخصية إلى متقبل للحب، ثقة في النفس، تفتح ذهني بشأن الرغبة الشهوانية والخوف الذي ينشأ.

     أخيراً يمكن أن أقول أن أبرز ملامح الرواية فنياً هي السلاسة في السرد، وتنوع التكنيكات بين حوارات خفيفة، حديث مع النفس لجميع شخصياته، مما يكشف الدواخل، وإنتقال مترابط بين المشاهد.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان