الرئيسية / احدث التدوينات / لماذا لا يُفضَح المزيفون ؟

لماذا لا يُفضَح المزيفون ؟

cuba2

الناظر لاشتراطات أنطون تشيخوف الثمانية التي يجب توافرها في المثقف، ويقارنها مع دور المثقف المعاصر في ظل سيطرة وسائل الإعلام يجد أن تلك الاشتراطات مثالية للغاية لأنني لا أود أن أقول نمطية تساهم في مفهوم فكرة الوصاية والنخبوية والتي بدورها كرّست لتمظهر التفاوت والاستبداد والاصطفاء والعزلة عن الناس والمجتمع، لذا بات السؤال عن دور المثقف الحقيقي سؤالًا مكررًا كلما تطورت وسائل التلقي وزاد تأثيرها وتعقيدها، لتخلق حالات من التصنيف التي تحال لمواقف المثقف من القضايا وتفاعله معها، وتبدو مساهمة الدكتور علي حرب في تجسير تلك الهوة باختصار : “ما أراه ممكنًا الآن هو العمل على ابتكار إنسانية جديدة تتيح لنا أن نوازن بين الثقافة والحضارة، بين القيمة والأداة، بين الفكر والوسائط، بين المعنى والسلعة، بين الإنسان والطبيعة” محاولة لاستعادة المثقف بعيدًا عن مثالية مثقف تشيخوف وزيف مثقف وسائل الإعلام.

في كتابه المثقفون المزيفون يحكي باسكل بونيفاس أن الرئيس الفرنسي المُنتخب حديثًا فرانسوا ميتران طلب أن يلتقي بعدد من مثقفي البلد بعد تلقيه دعوة من مارغريت تاتشر لزيارة المملكة المتحدة، فأجابه موظفو 10 داونينغ ستريت بأنهم ربما يجدون له كُتابًا أو مؤرخين أو فلاسفة أو باحثين، ولكن ليس مثقفين! يعلل باسكال ذلك بالمكانة المرموقة التي يحظى بها المثقفون في فرنسا والتي تعود إلى عصر الأنوار، وهذه المكانة لا تقتضي بالضرورة قدحًا أو تقليلًا من الدور المميز الذي يمارسه الكاتب أو الباحث أو المؤرخ والفيلسوف في عملية الاستنارة ومحاربة الجهل والدوغمائية، بقدر ما هو اعتراف بالمساهمة الواضحة في قضايا الجدل التي يخوضها المجتمع، فبالإضافة لمؤلفاتهم نحن نتذكر أن مواقفهم هي التي أفضت إلى وضعهم في هذه المكانة المرموقة.

الالتزام التام تجاه القضايا، وتسخير الشهرة التي حصلوا عليها لخدمتها في مواجهة السلطة القائمة منحهم هذا الاعتراف الشعبي والخلود كمثقفين، هذه الحظوة الخاصة لفولتير مثلًا كانت بسبب وقوفه إلى جانب فكرة العدالة ودفاعه عنها مثلما حدث في قضية ” كالاس “، وفيكتور هوغو مؤلف البؤساء يتم تذكره دومًا كمناضل ضد حكم الإعدام، وتصديه للعديد من القضايا الاجتماعية، وبلا شك اميل زولا وكتابه ” إنّي أتهم ” الذي دافع فيه عن ضابط بريء لمجرد أنه يهودي، ودفع زولا ثمن ذلك حين وجد نفسه منفيًا إلى لندن، المفارقة أن مصطلح ” مثقف ” نفسه ظهر لأول مرة في قضية الضابط اليهودي التي أثارها زولا في مقالته الشهيرة، حين كتب كليمانصو : ” ألا يعتبر اجتماعُ كل هؤلاء المثقفين القادمين من جميع الجهات، حول فكرةٍ، مؤشرًا؟ “.

وفي عالمنا العربي تحديدًا تبدو محاولة تعريف المثقف وتتبع الدور المنوط به غاية في الصعوبة في ظل السيطرة السلطوية للفئة الحاكمة على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية؛ وعمليات استمالة المثقفين التي تقوم بها للانضمام لكياناتها، هذا الابتزاز – كما يصفه هادي العلوي – يجب أن يواجه المثقف بتمرد وعدم خضوع؛ لأن المستفيد ليس الدولة ولا الجمهور بل رؤوس الدولة وأزلامها. وفي ظل هذا المناخ فإن الاختيارات الأخلاقية والإنسانية للمثقف ودفع ضريبة هذه الاختيارات هي التي تجعله مرشدًا في زمن التشتت.

محاولة وضع الأمور في نصابها لا تنفك عن الحضور في ذهني وأنا أتابع من يسميهم الإعلام من صحافة وتلفاز نخبًا، يفرد لهم المساحات المقروءة والمسموعة ليمارسوا هذا الامتياز الذي تكتشف أنت بقليل من التدقيق والمقارنة أنه امتياز مزيف وابتلاء حقيقي لكل من يحاول تسمية الأشياء بمسمياتها، فهذه الفئة لا تمارس أي نشاط يقود لغاية عملية، وهذه الخيانة كما يسميها ” جوليان بندا ” وممارسة الأهواء أيًا كانت هذه الأهواء تعتبر مكبحًا في رحلة البحث الشاقة عن الحقيقة، والتي كان من المفترض أن تكون هي التوجه الأصيل للمثقف.

يزداد الأمر سوءًا كلما وجدت التناول الرصين للقضايا يتم تشويشه عبر وهج زائف صنعته وسائل الإعلام لنجومها الذين صدرتهم للمجتمع ليكونوا صناع رأي ومحللين، هذه الحصانة الرخوة تأخذ حيزًا متناميًا وتضمن على الدوام وجود مدافعين ومتبنين لهذه الآراء مهما بلغت من شذوذ وتطرف؛ لأن محدودية الخيارات التي ساهمت وسائل الإعلام في تكريسها قلصت من قدرة الجمهور على سبر أغوار المفاهيم بطريقة تسمح بتشكيل حاجز من الوعي يتصدى لأي تشويه للوقائع، وكأنما لا هبوط على الأرض مجددًا بعد أن يتم وضعك في فلك وسائل الإعلام كما يقول باسكل بونيفاس.

ويبدو ما حدث قبل أيام أقرب مثال لحالات الزيف و الرداءة التي وصلنا لها حين كتبت صحفية وشاعرة انتقادًا للمتسولين الأطفال، وكيف أن فظاظتهم في الإلحاح بالسؤال وردة الفعل العنيفة حين تقابل بالاعتذار من قبلك يمكن أن تقلل من معدل المروءة والرغبة في المساعدة – بحد وصفها – ، ثم بعملية ربط غريبة بين واقع هؤلاء الأطفال وملامحهم الشكلية تطرح سؤالًا عن مستقبلهم قائلة : ” والسؤال البيفرض نفسو : ديل ممكن يكونوا شنو في المستقبل ؟!! كدي راقبوا معاي ملامحهم وتصرفاتهم وشوفوا النتائج الحتطلعوا بيها ؟ “، رغم أن الحديث بصيغة التعميم من قبل الشاعرة لكنك تشعر أن ما كُتب هو ردة فعل لموقف شخصي حدث معها ومحاولة للتنفيس عن الغيظ منه، عبر انتصار مخجل للذات، دون أن تضع في اعتبارها – بجهل أو بتجاهل – الأسس النفسية التي نشأ عليها هؤلاء الأطفال فزرعت في داخلهم الإحساس المُر الذي أصبح يعبر عن نفسه بهذه التصرفات، ومحاكمتهم كمجرمين لا ضحايا، من خلال استخدام بشع لمغالطة ” خيال المآتة ” المنطقية، لصرف النظر عن السبب الحقيقي الذي ساهم بإيجاد هذه الظاهرة أو تفاقمها وهي السلطة القائمة.

أعترف أنني حاولت تجاهل الأمر برمته؛ إذ أن الفتق أوسع من رتقه عبر الرد على بؤس ما كتبته الشاعرة، ومحاولة ربطه بالسؤال الجاد عن دور المثقف؛ فالتعاطي الجاد مع أشياء غير جديرة بالجدية والصرامة هو من خرط القتاد، لكن ما بدا لي مدعاة للضحك أكثر وتأكيدًا على الاستعلاء الأجوف كان التعاطي مع الانتقادات الحادة والشرسة التي تلقتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي واعتبارها نوعًا من التنمر تارة والغيرة تارة أخرى، في تمظهر حقيقي وواضح لمثقفي الديمقراطية البرجوازية الذين يخشون العامة ويجدون في أي تعاطف معهم تهديد حقيقي لحريتهم لذلك تجدهم غالبًا سلبيين في آرائهم، مزيفون في تعاطفهم، ولعل ما كتبه جورج أورويل في حقهم يبدو أكثر دقة مما نعتقده نحن الذين كنّا نحسن الظن :

” نحن نعرف أن البؤس غير مفرح. والواقع أن البؤس ما دام بعيدًا عنا، فإننا نتسلح بفكرة أنه غير مفرح. لكن لا تتوقع منا أن نفعل أي شيء بصدده. نحن آسفون لطبقاتكم الدنيا، مثلما نحن آسفون لقطةٍ جرباء، غير أننا سنقاتل كالمردة ضد أي تحسين لظرفكم. نحن نشعر بأنكم مأمونون أكثر وأنتم في حالكم هذا. إن الواقع الراهن يناسبنا، ولسنا مستعدين لمخاطرة تحريركم، حتى بساعة إضافية في اليوم. هكذا، يا إخوتي الأعزاء، إن كان عليكم أن تعرقوا لدفع رحلاتنا إلى إيطاليا، فلتعرقوا، ولتحلَّ عليكم اللعنة. ”

إنهم هم .. أصحاب الهراء الذي لم يعد مقبولًا التسامح معه .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .