الرئيسية / احدث التدوينات / مَقتلُ ناوكا

مَقتلُ ناوكا

 857cfd11796f9f6527a9ae498e7e2161

 

(1)

الجثةُ مسجيةً على الكرسي، مُمدِّدةٌ أطرافَها، باردةٌ وقد بدَت بعض التورُّماتِ الطّفيفةِ بالظهورِ عليها. صمتٌ ثقيلٌ ينشرُ أياديه الكثيرة على الشّقة. ومن النافذةِ الزجاجيةِ المفتوحةِ خلف السّتائرِ المِخملية، كان دفقٌ من ضُوء البِنايات المجاورة يُضِيءُ الشّقة بخُفوتٍ كسُول. على خلافِ لمبات السّيارات البعيدة وهي تُرسِلُ أضواءها التي تضربُ بسُرعةٍ وتتلاشى، فيبدو وكأنّ ثمّة أشباحٌ تتجوّلُ في أرجاءِ الشقة. المروحة التي كانت تلفُّ ببطءٍ من فوق الجثة بدت مثل قطٍ يتنزّهُ على امتداد الشاطئ. ومن خلف شاشة كبيرة بدت مذيعةٌ بصوتٍ بالغ التكلُّفِ والرّتابةِ، تقذفُ بالتفاهاتِ والأهوالِ على السّادةِ المشاهدين. كان الصّوتُ المنبعثُ من جهاز التّلفاز في أدنى درجاته، ما يجعله أقرب إلى همسٍ تعمّده ناوكا؛ ليكون بالقدر الذي يجعله يغفو على إثرِ يومه الطويل. ولما كان بروف ناوكا قط ضخم البِنية. فلن يبدو حين تنظر إليه للوهلةِ الأولى سوى ناوكا مُستغرقٌ في نومةٍ عميقة.

(2)

حضرتُ في تمامِ التاسعةِ صباحاً. أدَرتُ مِزلاجَ الباب لأجده مُقفلاً تماماً. “غريب” قلتُ أحدّثُ نفسي؛ فبروف ناوكا ومنذ سنين معرفتي به، يترك لي الباب شِبه مُوارَب لعلمه بمَقدمي، أضف لذلك مواظبته على رياضة المشي صباحاً على امتداد الشارعِ الغربي، حيث تبدو التلالُ من بعيد، وأشجارُ البانِ مُصطفّةً كالجنود على طولِ الطريق، حيث يكونُ الجوُّ حلواً ومنعشاً في الصباحات. أرجعتُ الأمر للحِيطةِ والحذر الشديدَين اللّذَين بدَوا عليه مؤخراً. أدخلتُ يدي في جيبي وأخرجتُ نسخةً من المفتاح كنت أحتفظ بها. أدَرته دورتين ثم دفعته قليلاً مُحدِثاً صريراً رتيباً كأنينِ قطٍّ حزينٍ في قبوِ بِنايةٍ بعيدة. كان الصمتُ سيّدُ المكان. والبروف ناوكا مُضطجعٌ على الكرسي في مواجهة التلفازِ الذي كان يبثُّ برنامجاً صباحياً تقدمه مذيعةٌ تضحكُ أكثر من حديثها. قليلاً وفاصلٌ إعلاني عن البامبرز، يظهر فيه طفلٌ بجسده البضّ وذيله الناعم الصغير يوزّع ابتساماته هو الآخر بينما يرتدي البامبرز محمولاً بين ذراعي أمه عالياً قبل أن تُنزله وتطبع قبلةً على فمه الأحمر. نمّت مني ضحكةٌ خفيضة، وحدثتُ نفسي “قناةٌ تلفزيونية وبرامجٌ لا تناسب البروف”! على كلٍّ هو نائمٌ ولا يشاهد شيئاً الآن. دخلتُ المطبخ وأعددت لنفسي كوباً من القهوة. عدتُ إلى الصالة وتوجّهت ناحية النافذة. أزحتُ السّتائر، لأجدها شبه مُواربة، شرعتها على مِصراعيها، فتسلّل خيطٌ لطيفٌ من هواء الصباح المنعش. عدتُ وجلست عند صُفرة الطعام المستطيلة كطاولة التّنس. هناك لاحظتُ شيئاً كان باعثاً للرّيبة. ثمّة أعقابٌ ثلاثة لسجائر محروقة ترقد ورمادُها على سطح الطاولة. داخلني شكٌّ في أنّ طِباع البروف ربما بدت بالانحراف قليلاً عن عاداتها. للمُسنّين فعائلٌ غريبة، قرّر بالأمس مشاهدة البرامج المجانية عديمة القيمة بدلاً عن تصفُّح المجلات العلمية، أو حتى الجلوس إلى مكتبته الثرية. ثمّ قرر النّوم بعد جولته الصباحية على غير العادة. وأخيراً قرر شُرب السجائر. ولا أدري إن ضاجع فتاةً عذراء ليلة أمس. نمَت ضحكةٌ خفيضة بسبب خيالاتي الساذجة وأنا أرشُفُ رشفاتي الأخيرة من كُوبِ القهوة. توجّهتُ بعدها ناحية المكتب وشغّلتُ جهاز التكييف ثم جهاز الكمبيوتر. أعدتُ إلى رفوف المكتبة ثلاثة كتبٍ علميةٍ تتحدّث عن التقنية النووية الحديثة. كان أحدُهما من تأليف بروف ناوكا شخصياً. وشرعتُ في طباعة المسودّات الورقية على الجهاز. دخّنتُ سيجارةً، أطفأتها عند مُنتصفها لا أدري لماذا. أشعلتُ أخرى وانهمكتُ في الكتابة. كانت قد مضت على ذلك ساعةً كاملة. خرجتُ لأجد البروف على هيئته ساكناً دون حِراك. رجف جفني رجفتين وأنا أتّجهُ صوبه. ما تزال ساقاه مُمدّدتين ويداه على حِجره،بينما رأسه مائلاً قليلاً لليمين. اقتربتُ أكثر وحبَستُ أنفاسي حتى ألحَظَ أيَّعُلوٍّ وهبوطٍ قليلٍ لصدره، لم ألحَظ شيئاً. اقتربتُ أكثر وانتبهتُ لأنّ عينيه بدتا بيضاويتين وشبه مُغمضتين. ولُعابٌ مُتيبّسٌ عند زاوية فمه. وضعتُ يدي تحت أنفه دون أن أشعُر بأثرٍ ولو واهنٍ لحرارةِ أنفاسه. رفعتُ يده وحين تركتُها هَوَت بلا حولٍ ولا قوة. أدركتُ حينها أنّ البروف ناوكا قد مات !

(3)

في الليلةِ الماضية وعند العاشرة إلا رُبع، وقف قِطّان يرتديان بذلاتٍ رسميّة أحدُهما طويلٌ بلا شاربٍ وناتئ عِظام الوجه. يشبهُ لحدٍّ ما المومياوات المصرية، يحملُ حقيبة سَنسَنايت بيده. والآخر قصيرٌ وممتلئ، مستديرُ الوجه، وعلى درجةٍ من الغباوةِ في أفعاله، وإذا مشى كان أقرب للبَطريق. طرقا على باب الشقة. قليلاً وسمعا وقعَ أقدام البروف وهي تزحفُ من وراءِ الباب. “مرحباً”، جاء صوته قديماً وخشِناً وعلى درجةٍ من الحِياد.
“ضيفان يا بروف ناوكا”، جاء صوتُ عديمِ الشاربِ نحيلاً مثل وجهه ومُرتعشاً قليلاً، لدرجة لو أن ريحًا خفيضة هبّت ، لذهبت به بعيداً عبر أقربِ نافذة.
تردّد البروف للحظةٍ. سمع من خلف الباب حشرجة أحدهم وهو ينظف حلقه. امتعض قليلاً، ثم قرر التخلّي عن كل حذرهِ، وقرر فتح الباب على كل حالٍ، حتى ولو كان الطّارق هو الشيطانُ نفسُه.

(4)

وقفتُ حائراً أمام جُثة ناوكا. وأنا أشاهده لأول مرةٍ وهو مهزوماً هكذا. “تُرى ما الذي أصابه وأودَى به للعالم الآخر” وجدتُّني أسألُني وسط حَيرتي. أول الأمر أرجعتُ موته لسكتةٍ قلبيةٍ خاطفة. ثم قلت، ربما زاره الموت ليلة أمسٍ، وهكذا فتح له الباب ثم عبر بهدوء ورباطة جأشٍ ليرتاح وللأبد. واضحٌ أنه لم يُقتَل. “يا إلهي، يُقتَل؟” ردّد صوتٌ ما في داخلي. لا أثر لسكّينٍ بَقَرَت بطنه، ولا طلقةِ مُسدسٍ اخترقت جُمجمته، ولم يكن ساقطاً على الأرض يرزحُ في دمِه. إنما وجدتهُ هادئاً على كرسيٍّ وفي غفوةٍ أبديّة.

(5)

كان شبيهُ البَطريقِ قد أطفأ سيجارته لتوّه حين قال بصوتٍ عُدواني، حاول بفشلٍ بائنٍ تلطيفه نوعاً ما “ليس من اللائقِ وأنت تعلم،أن يقف الضيوف على عتبةِ الباب”. جالت نظرةٌ فاحصة من البروف على هيئة القِطّين الغريبَين الماثلَين أمامه، كانت كافيةً ليُدرك هوية الزّائرَين. “هل سنقفُ هكذا طويلاً؟” سأل عديمُ الشارب، ثم أضاف بلباقةٍ “نعلم أنه من الجيّد لو كان بيننا موعداً مُسبَقاً، ولكن جاءت الأمور هكذا يا بروف. نستميحُكَ عذراً، فقط لو تسمح لنا بالدخول لنتحدث عن شأن زيارتنا”. أدركَ بروف ناوكا أنّ وقفته هذه غير مُجدية، وأنّ بإمكانهما الثرثرة على العتبة حتى الصباح دون توقف، إن لم يسمح لهما. أضف لذلك أنه تَعِبٌ ولا لياقة له لمجاراتهما. إذن من الأفضل له السّماح لهما بالدخول وإنهاء الزيارة سريعاً.

(6)

قبل مدةٍ ليست بالقصيرة. كان بروف ناوكا قد خلَص من الصّيغة النهائية لبحثٍ علميٍّ طويل، امتدّ لسنين بهدف تطوير أداء المفاعلات النووية، وذلك بإعادة تركيب عنصر اليورانيوم ومزجه بعناصر كيماويّة أخرى. حيث أثبتت مُؤخراً التجارب في مفاعلات دولة ناوكوس المجاورة فاعليّتها الخارقة. دولة ناوكوس التي كانت لبروف ناوكا بمثابة أرضٍ لتحقيق أحلامه العلمية الكبيرة. العِلم الذي أفنى لأجله زهرة عُمره. حيثُ لا رجاء ولا أمل في بلاده التي ترزحُ تحت الفقر الممنهج والتسلُّط الديكتاتوري. لا أمل لأحلامه الكبيرة في بلادٍ تقتلُ بنُو جلدتها جوعاً وقهراً. لا أمل لأحلامه ونزواته العلمية البعيدة في بلادٍ تقفُ فيها القِططُ صفوفاً في أفران السُّجق لأجل قطعٍ تسُدُّ بها حاجة جوعها، لا شيء غير ذلك أو أحلامٍ عظمى. بلادٍ تفتقر لأبسط مقوّمات الحياة لأجل أن يكون القطُّ فيها على قيد الحياة وفقط. لكنه وفوق ذلك يبقى القطُّ فيها ميّتاً حيّاً ومقهوراً بلا حولٍ ولا قوةٍ ولا إرادةٍ أو حُرية. منذ سنين شبابه الأولى، وهو ما يزالُ يافعاً بكلية الهندسة النووية، انضمّ ناوكا لحزب الأحرار. كان يقفُ في صفٍ واحدٍ مع كل حزبٍ مُعارض. رافضاً حكم العسكر المتسلّق. داعياً لحياةٍ كريمةٍ، لا يُنهَبُ فيها حقٌ، ولا تُقهَرُ فيها إرادةٌ أو تُسلَبُ حُريّة. ولما شعر بخُذلان من يقفُ إلى جوارهم من المعارضين، وكيف أنهم بأتفهِ الأثمانِ يبيعون ضمائرهم،قال لحظتها “هذا طرفي منكم يا إخوة الشيطان”. بعدها بزمنٍ قرّر توحُّده وعُزلته وانشغاله بأبحاثه العلميّة. لم يكُن من سبيلٍ أمامه سوى دولة ناوكوس، أن تُشبع نهمه ورغبته في أن يرى أبحاثه في حُلّتها الباهرة تُدهِشُ العالم. اهتمّت به وعظّمت من قدره. فقدّمت إليه كل ما يحتاجه باحثٌ طموح وعالِمٌ فَذ مثل ناوكا  نوكادي.

(7)

ما زلتُ واقفاً أمام جُثة ناوكا العزيز. ناوكا المسكين عاش حياته مُتوحّداً ورحل وحيداً دون أن أكون حتى إلى جواره. لم يُخبرني بمرضٍ كان يعانيه، وحتى صباحُ الأمس حين عاد من رياضة المشي ووجدني قد حضرتُ مُبكراً، كان بادياً عليه الانتشاء والصحةِ الموفورة. أخذ دُشاً مُنعشاً، ثم عاد وجلس إلى جواري يُتابع لمساتي الأخيرة في كتابة بحثه. “أخيراً يا ناوا ستزورُني السّعادةُ العُظمى التي كنتُ أرجوها. هذا العمل أرهقني كما تعلم وكلّفني عُمراً طويلاً، منذ أن كنتَ قطاً صغيراً تلعقُ ثديَ أمك”،يقطعُ حديثه بضحكةٍ وقورةٍ مهذبة، جعلت عينيه خلف نظارته السّميكة صافيةً كعَينَي طفل.”لكن والحقَّ أقول، بعد هذا لن أكون نادماً على أيّ لحظةٍ أفنيتها لأجل ذلك. على العكس يا ناوا، أشعُرُ أني الآن أُولدُ من جديد”.

(8)

“ندخلُ في صُلبِ الموضوع بروف ناوكا” قال القطُّ شبيهُ البَطريق بطريقةٍ أقربُ ما تكون إلى الوقاحةِ، بينما قصبةُ سيجارةٍ على فمه وأدخنةٌ  تغطي وجهه . تنحنحَ عديمُ الشارب، وهرَش بأظافره جِلدة رأسه مُردفاً “البحث”. ثم التمعت عيناه وارتسمت ابتسامةٌ مريبةٌ بزاويَتي فمه. ضحك بروف ناوكا ضحكةً قصيرة مُستهزئة “بحث؟ أيُّ بحثٍ تقصدانه. حتماً مُخطئون يا صغاري”.
 “تحدّث باحترام”، انتفضَ شبيهُ البَطريق، “لسنا صغاراً يا عزيزي ونعلمَ كلَّ شيء، كل شيء! إن أردتَ أخبرتُكَ بألوانِ ملابسك الداخليّة وحتى بماركاتها. أنت تعلم ماذا نريد،فمن الحكمةِ أن تكون لطيفاً معنا”.
أخرجَ البروف زفرةً حارّة، “وإن لم أكُن؟”. نظر شبيهُ البطريق إلى عديم الشاربِ كأنما يرجوه حلاً أو طريقةً مُثلى يكسبانه بها، أو ربما تهديداً حاسماً يكسران به شوكة بروف ناوكا العنيدة.
“حسناً يا بروف” تحدّث عديمُ الشارب بصوته المرتعش الذي بدَا مهذباً نوعاً ما، “دعني أُفضي لك بسِر. إني والله وحده يعلم، لكَ من الناصحين. حياتُك يا عزيزي في خطرٍ كبير بعد أن وصلتنا أخبارٌ تُخبرنا بتعاونك مع علماءٍ بدولة ناوكوس المجاورة.إنّ الّسادة الكبار بالدولة في قلقٍ من وقتها بهذا التعاون. بعضهم قال بتصفيتك وإراحة رأسهم من أي خطرٍ قد يقلبُ الطاولة عليهم. لكن بعض الحاذقين قالوا برعاية أبحاثك لمصلحة أمن البلاد. وهم مستعدون بإغداقك بالمال، وإن أردت بالذهب”.
“عن ماذا تتحدثون يا سادة؟ لست معنيّاً بهذا الشيء. أخطأتُم العنوان. هلّا تفضّلتم الآن؟ أريدُ أن آخذَ راحتي”.
“راحتُك؟!” زعقَ شبيهُ البَطريقِ وكأنما صوتُهُ يخرجُ عبر بُوق، بينما ينزِعُ سيجارته الثالثة من فمه، فتتخلّلُ الأدخِنةُ زعيقَه،”أنت من أخطأت يا سيد ناوكا. لسنا على هذا القدر من السّذاجة التي تجعلنا نُلملِمُ أذيالنا ونخرجُ مُصدّقين بأننا أخطأنا العنوان. نعلم كلّ شيء، كلّ شيء يا عزيزي! بإمكاني أن أصِف لك حتى صُنوف اللُّحوم بثلاجتك”.
 “هيّا، لا نريد أن نثرثر أكثر، لا وقت لدينا” قال عديمُ الشارب. وانحنى ليرفع حقيبة السَنسَنايت ليفتحها أمام ناظِرَي البروف. “أُنظر إنها ملايينٌ من الدولاروس. ولك عشرةَ أمثالها حين يطمئنّ السادةُ الكبار أنك صرت في خدمتهم”، وابتسم بلطفٍ مُصطنَع، وكذلك فعل شبيهُ البطريق. لكنّ البروف ناوكا فاجأهم بخِلافِ توقُّعاتهم، حين قال بهدوءٍ، “قلت لكم لستُ المَعنيَّ بمقصدِكم. لا أريدُ منكم ولو دولاروسٍ واحد، هلّا خرجتم الآن؟ فقد بدأ الصّداعُ يضربُ رأسي. أرجوكم أخرجوا، والآن. أمسية سعيدة يا سادة”.
“بل أمسيةٌ سعيدةٌ لك أنت” قال شبيهُ البَطريقِ وهو ينظر إلى عديمِ الشارب في إيحاءٍ واضحٍ لبدء الجولة الثانية من الخُطة.
“حسناً إذن”، قال عديمُ الشارب وهو يُومئ برأسه، حيث بدا صوته أكثر هدوءً ورِيبة، بدا مثل ريحٍ خفيفةٍ تسبِقُ عاصفة.
أول ما فعلاه، نهضا من مقعدَيهما عند الصُّفرة، نظرا بُرهةً من الزمن لبعضهما،ثم حزما أمرهما. لحظتها كان البروف يضعُ قبضة يده على فمه وهو ينظرُ ساهِماً في رماد السّجائر الثلاث.
 بخفةٍ مُدرّبة فاجأه شبيهُ البَطريق من خلفهِ، وأمسكه بقوةٍ من ذراعَيه. “أنت من أراد هذا”، قال زاعِقاً. في الأثناء أخرج عديمُ الشارب من جيبِ الحقيبةِ حُقنةً، غرس إبرتها في فتيلةٍ زجاجيةٍ حمراءَ، ثمّ عبّأها بسائلٍ قاتل. في الأثناء أحكَمَ شبيهُ البَطريقِ بإحدى يديه ذراعَي البروف، وبالأخرى ألجَمَ فمه حتى لا تَنُمّ منه أيُّ صرخة. اقترب قاتلهُ وضيّق عينيهِ، ثمّ تفحّص جيداً عضلة يده. كانت في الأثناءِ عينا البروف جاحِظتان تستنكران هذه الفِعلة، “آه أيُّها الأوغاد، عليكمُ اللّعنة! لو فقط أشاهدُ حُلمي يتحقّق أمامي وأموتُ بعدها مُرتاحاً”. أخرسَ عديمُ الشاربِ صوته الداخلي وهو يغرسُ الإبرةَ ويُفرغُ مُحتواها، لترتخي عضلات البروف بعدها، فتخرجُ زفرةً حزينةً كأنما تودّع هذا العالم الموبوءِ، طالما يجلسُ العسكرُ على رأسه.
 بعدها حملاهُ وأجلساهُ على كرسيٍّ في محاذاةِ التلفاز. وحتى تكون مَوتته طبيعية؛ شغّلا جهاز التلفاز والمروحة، ومدّدا ساقيه، ثم أزاحا السّتائر وتركا النافذة مُواربة. “ليرحمهُ الله”، قال شبيهُ البَطريقِ “ستذيعُ هذه المذيعةُ ذات العيون الحُلوة خبرهُ في نشرةِ الغدِ هكذا: فقدٌ للبلاد، العالِم الفذُّ ناوكا نوكادي مات إثر سكتةٍ قلبية”. هاهاها ضحك الاثنان في بلاهةٍ، ثم خرجا بعد أن أخذا معهما المفتاح ليُوصدان الباب من الخارج.

(9)

شعرتُ بالضّياعِ وأنا أفقِدُ شيئاً عزيزاً في حياتي.
في صباحٍ تحفُّه الغمائمُ، كانت جنازةٌ تليقُ بقطٍّ عالِمٍ مثل ناوكا نوكادي. سارت الجنازةُ بالشارع الغربيّ حيثُ التلالُ تبدو من بعيد،وفي محاذاةِ أشجار البَانِ المُصطفّةِ التي بدَت بأغصانها الطويلة المُنحنية كأنما تُطرِقُ في حزنٍ عميق. ناوكا الذي كان يتمشّى إلى جوارها هو الآنَ محمولاً في صُندوقٍ خشبي إلى مثواه الأخير. كان خبرُ موته صاعقةً لعلماءِ البلاد، أكثرُ المُدركين لما كان يُمثّله ناوكا من علامةٍ فارقةٍ في مجال العِلم الحديث. الآنَ يفقدونه هكذا وإلى الأبد. وعلى الرّغم ذِيُوع صِيته في الأوساط العلمية، لم تذكره وسائل الإعلام ولو حتى في شريط الأخبار.
 لم يُدرك ناوا أن ناوكا وحده يعلم من داخل صُندوقه أنّ هذا لن يحدث.
في المقبرةِ،انتبهتُ لقطّين غريبَين ببذلاتٍ سوداءَ باهتة، لم يكونا من معارف ناوكا الذين أعرفهم جيداً واحداً واحداً. كانت نظراتهما المربكة تتبعاني طِوال مراسم الدفن. انشغلتُ عنهما بحُزني بالذي يُوارى الثرى. لكن وأثناء عودتي اعترضا طريقي. قال أحدُهما وكان قصيراً مُمتلئ الجسد “ناوا. أليس كذلك؟”. نظرتُ مليّاً إليه دون إجابة. قال الآخر وكان ناحِل الوجه بصوتٍ هشّ “هلّا تفضّلت معنا ساعةً من الوقت سيّد ناوا؟”.
 كانا من الوقاحةِ بحيث لم يبُدر منهما أيُّ تعبيرٍ لطيفٍ أو مُواساةٍ لحالي. “نعم ناوا. ماذا تُريدان؟” .
“كلّ خير يا عزيزي”، قال عديمُ الشارب، “نحن نُقدّرُ حالتك. لذا لن نأخذ من وقتك الكثير”.
“الأمرُ يصُبُّ في صالحك سيّد ناوا”، تحدّث شبيهُ البَطريق، “ستتغيّرُ حياتُك ثلاثمائة وسُتون درجة، صدّقني” ونمَت من فمهِ ابتسامةٌ مُقتضَبة.
“حسناً. ساعةً لا أكثر”.
 “ساعة لا أكثر” ردّد عديمُ الشارب.

  (10)

وصلا بي لمبنى من ثلاث طوابق. كان في مدخله قطٌّ حاد الملامح، نظر شذَراً ناحيتي ونحنُ نعبرُ للداخل. اجتِزنا دَهليزاً مُعتماً إلّا من إضاءةٍ خافِتة كانت تأتي من مَناورَ صغيرة، لم يكُن المكانُ مريحاً على أي حال. تنشّقتُ خليطاً من روائحَ عَطِنة، شيئاً كأنه مَزجٌ من العَرَقِ الحامض والتّبغِ الرّديءِ المحروق. صعدنا ثلاثتُنا سُلّماً وعَرَجنا يميناً، ثم وقفا بي أمام بابِ إحدى الغرف. طرق القطُّ ناحِلُ الوجهِ باب الغرفة ثلاث طرقات، جاء صداها كأنّما من بئر. ثم وضع يده على المِزلاج وفتحه للداخل. أحدث صريراً جعله الصمتُ المُطبِقُ مُضاعَفاً وكأنّهُ خارجٌ من وترِ كمنجة. دخلا بي الغرفة التي كانت مُعتمة هي الأخرى. حينما اعتادت عينايَ على العتمة، شاهدتُ ملامح قِطٍّ بدينٍ جالسٍ خلف طاولة، كان دخانُ السيجارةِ حوله يُضفي على هيئتهِ صِبغةً شبحيّة.
“ناوا، كاتب ناوكا نوكادي الشّخصي”، قال الشبحُ بصوتٍ طُفُوليٍّ لا يناسبه، “لنختصر الحكاية. لم يعُد الآن ناوكا المسكين مُتواجداً في هذا العالم، وذلك بمحض إرادته. ومن الأسلم لك أنت، أن تكون مُتعاوناً معنا،حتماً لا تُريد مُؤانستهِ في عالَمه الآخَر. “.

“فهمتُ الآن ما جرى وما سيجري لاحقاً. فعلها الأوغاد ويريدون مني…”، قطعَ الشبحُ شريطَ تفكيري وهو يصيحُ في مُخبره ذو الوجهِ النّاحل “أحضِر الحقيبة حالاً”. خرج وعاد بحقيبةِ سنسَنايت، لأكتشِف بأنها مليئة بالملايينِ من الدولاروس.
“أنت الآنَ ناوا الملياردير. أجزِمُ بأنك لم تكن تحلُم يوماً ولو بحِزمةٍ واحدةٍ منها، ” تحدّث الشبحُ مُضيفاً، “والآن كُن مُطيعاً. خذها معك، وبعد أن نستلم منك الملف الذي نُريد، تأخذ ملايينَ أخرى حتى تقول كفى. واحذر أن تُحدِثَ شيئاً مُريباً أو تُزعجنا”. أخذ نفساً من سيجارته، أخرج دخانها الكثيف ليختفي وراءه بالكامل.”قبل السادسة أريد أن تكون الملفات هنا على طاولتي. نحن طيّبُونَ يا عزيزي، ولكن احذرنا في ذاتِ الآن،فنحنُ أسوأُ حتى من الشيطان نفسِه”. ثم قال مُوجّهاً كلامه لمعاونيه، “دعوه يذهب. وكُونا في انتظاره أسفل البِناية. إنه قطٌّ لطيف ولن يسبب لنا ولنفسه المتاعب حتماً. وداعاً يا ملياردير ناوا، حياة جديدة سعيدة”. وأحسَستُ بابتسامتهِ الماكرة ترتسمُ وسط العتمةِ والأدخنةِ الكثيفة .

(11)

حين وصولي لشقةِ البروف. غمرتني دفقةٌ من الحزن. ومرَّ بخيالي شريطٌ من الذكرياتِ البعيدة. كيف انتشلني بروف ناوكا من حياة القاعِ التي كنتُ أعيشُها. بينما وأنا قطٌّ حزينٌ وبائسٌ ومتشرّدٌ يسكُنُ الأزقّةَ، ويَهيمُ بلا هدفٍ في الشوارع. لحظتها أوقف سيارته قُرب أحد الأزقة، بينما كنتُ أبحثُ في سِلالِ القُمامةِ عن شيء يَسُدُّ شيطان جوعي. أشار نحوي، “أنت أيها المسكين، تعال”. ومن لحظتها أضحيتُ قِطّاً آخرَ غير ناوا المُشرّد. اجتهدَ في تعليمي وتوجيهي، وفتح عينيَّ على العالَمِ الذي أدركتُ أنه أوسعَ بكثير من أزقةِ المدينةِ الكبيرة. باختصارٍ، جعل بروف ناوكا مِني قطّاً آخرَ غير الذي كُنت.

وأنا أدلفُ إلى مكتب البروف، برَقَت في ذِهني فكرةٌ خاطفة. انتَشَت لها روحي نشوةً لم أحُسُّها من قبلُ. وحالاً شرعتُ في تنفيذها.
 فتحتُ جهاز الكمبيوتر، وبسرعةٍ جهّزتُ ملف البحث النهائي. فعّلتُ خدمة الإنترنت، ثم فتحتُ إيميل المراسلات الخاص بمركز ناوكوس للدراساتِ النّووية. وبضغطةِ زرٍّ واحدة، أصبح الملفُّ وحُلمُ ناوكا في أمانِ الله. خرجتُ بعدها من المكتب وقد تضاعفت نشوتي، أحمِلُ الملفاتِ وحقيبةَ الدولاروس. قصدتُ الشُّرفة المُطِلّة على الشارعِ الغربي. أخرجتُ من جيبي ولاعةَ السّجائر ثم أضرمتُ النار عليها. بعد أن تأكّدتُ من أنّ آخرَ ورقةٍ أضحت رماداً هشّاً. نظرتُ ناحية التّلالِ البعيدةِ، نظرتُ كذلك ناحية أشجارِ البَانِ المُصطفّةِ التي كانت الرّيحِ تهزُّ أغصانها بجزالةٍ،وقفزتُ.
 وأنا أهوِي إلى أسفلٍ، رَنَّ صوتُ بروف ناوكا في أُذُني:

 ” أخيراً يا ناوا، ستزورُني السّعادةُ العُظمى” .

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .