الرئيسية / احدث التدوينات / هاروكي موراكامي: النقاط الثلاثة (3)

هاروكي موراكامي: النقاط الثلاثة (3)

image

بقلم: جوسلين ك. جلي

لقراءة النص الأصلي (هنا)

عملية التخليق والابتكار ليست فن فقط، بل رياضة. دروس حول الكتابة بتدريب موهبتكَ من ذاكرة الكتاب الياباني المتجدد والماهر هاروكي موراكامي.

أتى موراكامي إلى مأزق الكتابة في مرحلة لاحقة بحياته. فبعد أن كان يدير بارًا وحانة للجاز في مدينة طوكيو لعشرة أعوام، فجأة تنامى لديه الإحساس والرغبة بكتابة رواية!

بعد كتابته لروايته الاثنتين – الروايتينِ تمت كتابتهما في ساعات الهدأة بالفجر قبل الشروق وذلك من بعد قيامه بإغلاق محله، لاقتا استحسانا جيداً كلتاهما، وربما بسببهما والقبول الذي وجدتاه، فقد قرر إغلاق محله – البار- والتفرغ تماماً للكتابة. وحتى ليتمكن من موازنة ذلك كله، عمد إلى مزاولة رياضة الركض جنباً إلى جنب مع الكتابة.

وليس ببعيد أو مثيراً للدهشة بالنسبة له – موراكامي- فقد مثلا هذينِ الفعلينِ الركض والجري وفعل التنشئة والإبداع الكتابيّ شغفه لعلاقتهما اللصيقة ولارتباطهما ببعضيهما وبصورة آخذة في ذهنيته.

وبينما كان يشرع في الكتابة عن تطور مشروعه في ممارسة الركض والعدو – منذ مشاركته في الماراثون الأول وحتى انخراطه في الماراثون الضخم – لمسافة 62 ميلاً وإلى أن شارك بصورة قوية في الماراثون الثلاثي –عادة يقوم موراكامي بالعودة مراراً وبشكل ثابت بالإشارة إلى الكيفية التي أثرت بها خبراته الرياضية – في الركض والعدو – على نمط كتاباته وعلى تجربته المستمرة في تطويرها وتحسينها، وبالنسبة له – يمكننا القول بأن عملية التخليق الكتابي والإبداعي لديه هي فعل رياضة وحركة دائبة.

هنا سنتعرض لما يقوله عن الموهبة والتركيز والطاقة الداخلية بالحث على الكتابة:

في كل مقابلة تعين عليّ إجرائها، كأن يتم سؤاليّ ما هو الشيء الأكثر جودة و أهمية بالنسبة للروائي ليتملكه وليزاول به عمله؟ لديّ كان واضحاً: الموهبة.

لكن المشكلة مع وجود الموهبة إذا، في أن أغلب الحالات وأكثرها شيوعاً، أن الشخص المنخرط والمقبل على فعل الكتابة لا يمكنه التحكم في كم ما سيكتبه ولا جودته. إذ ستجد أن مقدار ما كتبته ليس كافياً وستثور بداخلكْ تلك الرغبة بزيادته، أو كأن تغدو متمدداً ومتشبعاً بالسعي الحثيث لتجعله يبدو وكأنه سيظل ممتداً لفترة أطول، لكنكْ في كلتا الحالتينِ لا تصير الأشياء بالنسبة لكْ جيدة كما ترغب بذلك وستكتشف ذلك بشيء من الصعوبة. الموهبة لها عقل خاص بها وهو ممتلئ بكل المطلوب من حوجتكْ له وستكتشفه، ولكنه على نسق آخر عند جفافه ونضوبه، يصبح فارغاً للنهاية وبلا فائدة لكْ ولن تتمكن من استخراج شيء منه.

بالطبع، بعض الشعراء ومغنييّ الروك الذين فقدوا موهبتهم في خضم المجد والشهرة، آخرون مثل شوبرت وموزارت، بسبب نهايتهم المبكرة والدرامية، جعلت منهم أساطيراً – لديهم حقاً استثناءً واضحاً ومعيناً عن الجميع، لكن للغالبية الشائعة بعالمنا الآن لن يكون هذا هو النموذج لإتباع خطاه وقطعاً ليس هو الذي نبحث عنه لنتبعه ولنتعلم منه.

إن تم سؤاليّ مجدداً ما هي الخامة الأكثر أهمية للروائي، ساهلٌ جداً وبشكل قاطع من اليسير القول بأنه التركيز – أي المقدرة على تركيز كل موهبتكَ المحدودة علاما هو حرج وهام للغاية في لحظتك المتخيرة للكتابة. وبدون ذلك فلن تتمكن من تحقيق أي شيء ذي قيمة، بينما إن تمكنتً من تحقيق تركيزكْ بفعالية، ستتمكن من تعويض افتقارك لبعض الموهبة. عادة أقم بالتركيز والانتباه على ما أكتبه لكل ثلاثة إلى أربعة ساعات يومياً كل صباح. أجلس على درجي المخصص للكتابة وابدأ بالتركيز كلياً على ما أكتبه. لا أرى شيئاً آخر،لا أفكر في أي شيء آخر عدا كتابتي.

يلي التركيز، الطاقة الداخلية التي تحثكَ على المواصلة – وهي في حالة التوقف عن الكتابة والارتخاء – الشعور بالخمول والضغط المشبع بالتعب. إن قمت بالتركيز على مواصلة الكتابة لما يزيد عن ثلاث أو أربع ساعات باليوم، وخامركْ الشعور بالإعياء والتعب بعد مضي أسبوع على قيامكْ بذلك، ستصبح غير قادراً على المضي قدماً في الكتابة لفترة طويلة. ما تحتاجه في حالة كتابة شيء ما غير واقعي وخيالي – لكل امرئ يحلم بكتابة رواية – هي تلك الطاقة التي تدفعكَ للتركيز وتعبئكْ في كل صباح لمسيرة نصف عام أو عام كامل أو عامين.

لحسن الحظ، لهذين الاثنين – كنموذج للانضباط بما تفعله – التركيز والدافع القوي بعيداً عن الشعور بالخمول وفقدان الرغبة – هما مختلفينِ تماماً عن الموهبة، على أساس أنهما يمكن تملكهما وصقلهما وتنميتهما على طول الطريق بالتدريب والسعي الحثيث والإصرار.

بشكل طبيعي ستتعلم الاثنين معاً التركيز والطاقة الداخلية بالمواصلة على الكتابة والإنتاج عندما تجلس في كل يوم على سطح مكتبكْ وتقوم بتدريب نفسكَ بالتركيز على نقطة محددة.

هذا ما قمت بالكتابة عنه قبل قليل وهو يشابه كعمل تدريب العضلات تماماً، سيصبح عليكَ أن تقوم بشكل متصل بتحويل نقطة تركيزكْ لكامل جسدك، ولتتأكد إنك قد قمت بتحليل وتجميع المعلومات الضرورية لك ليصبح بمقدوركْ أن تكتب في كل يوم منفصلٌ بالتركيز على  ما هو موجود بيدك في لحظتها.

بالتدريج ستتمكن من زيادة وتمديد حدود ما أنت قادر على تحقيقه. ستصبح قادراً على رفع قضيب الحديد الثقيل بالتدريب. يتطلب هذا النشاط ذات العملية في كل يوم بتمديد وترويض عضلاتكْ وتقويتها والتمرين بتطوير شكل العداء الرياضي والبناء الجسماني. قم بإضافة محفز وحافظ على تواجده دائماً وقم بتكرار ذلك. الصبر والتحمل لابد من انخراطهما معكْ في هذه المرحلة، وسأضمن لكَ أن نتائجكَ ستبهرك.

في مكاتبة خاصة كاتب الغموض العظيم رايموند شاندلر،اعترف مرة بأنه حتى وإن لم يكتب شيئاً، يلجأ بكل هدوء وبشكل مستمر للجلوس على مكتبه في كل يوم ويقوم بالتركيز. تفهمتَ تماماً المغزى و الغرض من وراء فعل هذا النهج. بهذه الطريقة تمكن شاندلر من إعطاء ذاته التدريب الجسماني – الرياضي – كمحفز له وهو ما يحتاجه الكاتب المحترف، بتنمية مقدرته الذهنية. يعتبر هذا التدريب اليومي بشكل إلزامي له ضرورياً لتنمية وتحفيز طاقته الداخلية.

أغلب ما تعلمته عن الكتابة تلقيته وتعلمته عبر الركض والعدو يومياً. هذه تمثل الدروس الرياضية والتطبيقية. وإلى أي مدى أقوم بدفع وتشجيع وحث نفسي لمواصلة التدريب؟ ولأي مدى لابد من بعض الراحة – وإلى أي مدى أشعر بالإفراط والزيادة ببلوغ حد زائد؟ وإلى أي مدى يمكننيّ أخذ شيء والمحافظة عليه ثابتاً ومستمراً؟ وفي أية نقطة أتمكن من التمييز ما بين ضيق الذهن الكاتب والمرن المتفتح؟ إلى أي مدى يجب عليّ أن أعي بحجم العالم من حوليّ – وما سأقوم بالتركيز عليه بعالمي الداخليّ؟ إلى أي مدى لدي ثقة في مقدراتيّ، ومتى سأبدأ في التشكيك بذاتي؟ أعلم جيداً أنني أن لم أصبح عداءً للمسافات الطويلة وبالتالي غدوت كاتباً – فإن عملي سيكون مختلفا ً تماماً؟ إلى أي مدى سيغدو مختلفاً؟ من الصعوبة القول أو الاعتراف بذلك. لكن مطلقاً هناك شيء ما سيكون مختلفاً.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان