الرئيسية / احدث التدوينات / “يمكنك دائمًا أن تشارك ببيت من الشعر ” : في معنى الشعر

“يمكنك دائمًا أن تشارك ببيت من الشعر ” : في معنى الشعر

 

657-1

يقول امرسن – شاعر أمريكي – كل إنسان ليس إلا نصف ذاته الخاصة و النصف الآخر تعبيره .. والشعر أكثر كثافة تعبيرًا واكبر ضرورة للتعبير وبالتالي هو اقدر على إكمال الإنسان.

لربما يحتاج الإنسان الشعر ليقول أنا هنا ليعبر عن ذاته المعقدة أو ليؤدي دوره في مسرح الحياة العابث أو كما يقتبس معلم الأدب في فيلم Dead poets society عن وايتمان قوله :

يا نفسي يا حياة من أسئلة هؤلاء العائدين

من قطارات عديمي الإيمان اللامنتهية

من مدن مليئة بالحمقى

ما الفائدة من كل هذا يا نفسي يا حياتي ؟

الإجابة : انك هنا

إن الحياة موجودة ولها هوية

إن المسرحية القوية تستمر

ويمكنك دائمًا أن تشارك ببيت من الشعر.

بالضرورة فإن الإنسان يحتاج في حالات شعورية معينة لأن يتجاوز الاستخدام التواصلي والدلالي للغة إلى استخدامات أكثر بلاغة ورمزية ومرونة يحتاج إلى الاستعارة والتورية والجناس ليعبر عن نفسه في محاولة إيصال الأحاسيس التي تحتل ذاته والصور المكثفة التي تعتمل مخيلته، ولا يتجاوز الأمر كونه محاولة للوصول إلى التعبير الأبلغ ولذا بقي الشعر وسيبقى فالتعبير الكامل عن أي فكرة لم ولن يحدث أبداً،  أو كما كتب الكسندر بوب

القريحة السليمة هي الفطرة المتشحة بالتميز

ما يخطر على الفكر كثير

ولكن لن يتم التعبير عنه جيدًا

  يتحول الشكل المادي لأي عمل فني في إدراك المتذوق إلى مجموعة كيفيات اقرب ما تكون إلى التجريد  يتفاعل معها، وتعني الكيفية الوحدة الأولية المجردة من العمل الفني التي يتفاعل معها المتلقي أو التي يحسها مثل الأصوات في الموسيقى والألوان في التشكيل وهكذا، بعض هذه الكيفيات حسية وبعضها تمثيلي يقاربها المتلقي مع صور مخزنة في ذاكرته، يميز انين سوريو – وهو فيلسوف فرنسي –  سبع أنواع من الكيفيات الحسية تقوم عليها الفنون بجمعها وكل كيفية يترتب عليها نوعان من الفنون تمثيلية (غير مجردة) وغير تمثيلية (مجردة) فاللون مثلا ككيفية حسية ينتج عنه التلوين الخالص كفن مجرد والتصوير الملون كفن تمثيلي والأحجام ككيفيات حسية ينتج عنها العمارة كفن مجرد والنحت كفن تمثيلي وهكذا، يقع الشعر تحت كيفية اللغة أو الأصوات ذات المعنى كشكل تمثيلي غير مجرد مثله والنثر، ومن المؤكد أن الكلمة ذات المعنى هي الوحدة الأولية للنثر والشعر معاً مثلها والخط للرسم واللون للتشكيل والصوت المجرد للموسيقى، فالشعر إذاً يقوم على الكلمة لا غيرها ويمكننا أن نقول إن الشعر هو فن تنظيم الكلمات. ولا اختلاف بين الأنواع المختلفة من الفنون إلا باختلاف الكيفية الفنية التي يعمل عليها الفنان فكما أن الرسام يجيد تطويع الخطوط والتشكيلي يجيد ترتيب الأشكال والنحات ماهر في تشكيل الأحجام فان الشاعر هو الأمهر في تطويع الكلمة بمعناها وموسيقاها الداخلية ونبرتها وكل استخداماتها البلاغية، فالشعر هو فن الكلمة لا شيء آخر أو ليس كما ظن (دوغا) حين فشل في نظم الشعر قائلًا حين التقى ملارميعند بيرت موريزو Bertehemorisit

“أوه عملكم صعب لا يحتمل انه مرعب أن تنظم شعراً، لقد حاولت طوال اليوم، تركت ريشاتي لأنظم شعرًا لقد أتعبني ذلك ولم انجح مع أن لي أفكار كثيرة “

فقال ملارمي :

“يا عزيزي دوغا ليس بالأفكار ينظم الشعر بل بالكلمات.”

يستخدم الإنسان اللغة كأداة تواصل أو تعبير وهو في هذا يحتاج للإيجاز مهملًا كل ما يمكن إهماله من اللغة منشغلًا فقط بإيصال المعنى،  فيكون الطريق هنا للوصول خطي ومباشر ويكون المعنى – بالنسبة للكلمة – هو الوجه الأهم فينتقي الكلمات الأكثر تعبيرًا عن معنى خطابه، ولكن في أحايين أخرى يستخدم الإنسان اللغة لغايات أخرى تتجاوز إيصال المعنى، محاولة إيصال شعور مثلًا أو محاولًا إيصال مضمون معين بشكل يناسب غاية معينة (سهولة الاسترجاع مثلًا ) وفي هذه الحالات يميل إلى توظيف خواص أو أوجه الكلمات الأخرى التي تتجاوز المعنى، أو بالضبط كما عبر قرويين في إحدى قرى إفريقيا عن مفهوم الوجه بالنسبة لهم حين لامهم مبشر على عدم ارتداءهم ثياباً فقال بقولهم – مشيرين إلى وجهه:

“وأنت كذلك لك عضو عار”.

 فأجاب المبشر: “طبعًا  .. لكن هذا وجهي” ..

فردوا عليه :” نعم إن أي عضو عندنا هو بمثابة وجه”.

بنفس هذه الطريقة فإن المعنى ليس وجهًا وحيدًا للكلمة، فللكلمة إيقاعها ونبرات للنطق ولها شكلها حتى، والشعر هو استخدام كل أوجه الكلمة في التعبير لتحقيق غايات شعرية تتجاوز الإيصال المباشر للمعنى، فيصبح المعنى – إن لم يكن ثانويًا – في مرتبة واحدة مع أوجه الكلمة الأخرى.

 يوضح بول فاليري  “إن كل شخص ينتج أفكاراً وصوراً شعرية تحت وطأة الانفعال ولكن القليلون هم الذين كان لهم الصبر والعقل النقدي اللازم للانتقال من التعبير المباشر إلى تعبير مدروس ومؤسس على معرفة  ووعي باستجابة الآخرين وإحساسهم وهذا ما يكون الفن الشعري.

فيكون الشعر إذن هو فن استخدام  وسائل اللغة أكثر ما يمكن – وفي نفس الوقت – للتعبير وبوعي ورغبة في إثارة شعور المتلقين. أو هو الابتعاد عن اللغة المباشرة بإدخال القوافي والأوزان والتوريات والتشبيهات بغرض جعل الكلام يبدو غير عاديًا، أو يمكننا أن نقول أن الشعر هو اعتناء زائد باللغة وربما هو وحده يحفظ اللغة من الزوال، فلولا الشعر لماتت اللغة.

 لا يحاول الشعراء أبداً إيصال المعنى بقدر ما يحاولون التعبير عنه جيدًا ومن المؤكد أن بلوغ حالة الكمال الجمالي في إيصال المعنى لأمر مستحيل، وهذا ما يجعل الشعر أفضل محاولة للتعبير عن فكرة ما قولا وتبقى القصيدة جيدة كلما صعب تفسيرها أو صعب فصل شكلها عن مضمونها، أو أنها لا يمكن أن توصل نفس المعنى والشعور إلا إذا قيلت بنفس الصيغة التي قيلت بها شعرًا. فأي شيء يقال في الشعر بصورة أفضل مما يقال به خارج الشعر وإلا فلنقله بشكل أخر.

من المؤكد انه يصعب تعريف الشعر كما يصعب تعريف أي من أشكال الفنون، فالفن يعرف نفسه ولا تصمد أي من محاولات التعريف الوصفية أو المعيارية لان حالة الفن هي حالة متغيرة بالدوام فهو إبداع والإبداع يقاوم الثبات حتى في التعريف، وهذا ما يجعل الشاعر بذاته شكوكي ومرتاب حتى – بل ربما قبل كل شيء – إزاء تعريف نفسه كما تقول فيسوافا شمبورسكا

“فهو بدون رغبة يعلن على الملأ انه شاعر – كما لو أنه يخجل من ذلك قليلاً “

في مشهد سينمائي من نفس الفيلم المذكور في مقدمة المقال يحاول معلم الأدب الشغوف استخدام طرق أكثر إبداعًا وجمالًا في تعليم الشعر لتلاميذ صفه، يطلب من احدهم قراءة الصفحة الأولى من مقدمة كتاب الشعر المنهجي التي يشرح فيها الكاتب كيفية فهم الشعر ويلخص المقال الطويل في أن قيمة الشعر تعتمد على محصلة البراعة في نظمه وأهمية الموضوع المتناول وأنه لو وضعنا المعيارين أحدهم في مستوى عمودي والآخر في المستوى الأفقي فإن الشعر يبقى عظيمًا كلما ازدادت المساحة بين الخطين من نقطة تقاطعهما،أي أن الشعر سيكون عظيمًا كلما تمت صياغته ببراعة وكلما تناول موضوعًا مهمًا، اتبع هذه القاعدة وستزداد متعتك وفهمك للشعر – كما يقول كاتب المقال.

  • “هراء”

يقول المعلم، بعد إكمال الطالب لقراءة المقال‘ ثم يكمل :

“نحن لا نمدد أنبوباً نحن نتحدث عن الشعر والآن أريدكم أن تمزقوا هذه الصفحة ، هيا مزقوها، الجيوش الأكاديمية تتقدم لتقيس الشعر لا لن تحصلوا على هذا هنا ، صفي سيتعلم أن يفكر بنفسه مرة أخرى، ستتعلمون أن تتذوقوا الكلمات واللغة”.

فيمزق الطلاب بعد تردد صفحة المقدمة من كتاب الشعر ثم يأمرهم المعلم أن يجتمعوا حوله ليقول لهم :

“لا نقرأ ولا نكتب الشعر لأنه ظريف، نقرأ ونكتب الشعر لأننا أفراد من الجنس البشري، والجنس البشري ممتلئ بالعاطفة، الطب المحاماة إدارة الأعمال الهندسة هي حرف نبيلة ومهمة لنحافظ على الحياة، ولكن الشعر، الجمال، الرومانسية، الحب هي أشياء نعيش من اجلها”

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان