الجرادة

طلال

     كان المطر يصب فوق الأشجار والأرصفة، ما يخيفني هو وشوشة المطر، الشمس إنطفأت تماماً الآن، هناك عتمة محببة تغري بإختلاس قبلة أو تدخين سيجارة، كُنتُ في المكتبة العامة، أُكمِل بحثي عن رسالة ماجستير لم أختر عنوانها بعد، وكُنتُ أراقب المطر، وأسمع ما يصدره من ضجيج، وكنت خائفاً أيضاً، مما قد يأتي مع المطر، مثل الضفادع، أنا أخافها كثيراً، ليس خوفاً مرضياً، لكن أخاف ما تذكرني به.

    إستمر هطول المطر حتى المساء، وقبل غروب الشمس بقليل رأيت ضفدع بعينين سوداوين فضوليتين يقفز إلى داخل المكتبة، أغلقت الباب حتى لا يتبعه رفاقه. بجسده المبلل الرطب لوث بلاط المكتبة النظيف والجاف. تذكرتُ عندما قام إبن الجيران بوضع ضفدع في فمي، وإجباره إياي على بلعه، لم أبلعه لكن أذكر أني هرست ذلك الضفدع بأضراسي، ليس من أجل أن أبتلعه، بل حتى أقتله، فقد كان يقفز بعنف داخل فمي.

    لا أذكر ما حدث بعد ذلك، لكني أذكر شجاراً عنيفاً دار بين أمي وجارتها، كانت للجارة الكثير من الدجاج، فبعد أن أشبعت أمي الجارة ضربا،ً حرقت قفص الدجاج، المصنوع من القصب، إحترقت عشرون دجاجة، وفقدت جارتنا سنين. لأمي جبروتها، ولولا هذا الجبروت لما درست وتفوقت في المدرسة. أمي الآن عجوز، ولكني لا زلت أخاف منها، كأن بشرتها سماء عظيمة تجعدت، وكأن عينيها سحاب قديم لونه أحمر، لا زالت تعيش في القرية تحلب شاتها وحدها، وتضرب البقرات العنيدات، لا زالت حية، وتتعاطى التمباك والسجائر، وتسخر من عشاقها القدامى، الذين تهالكوا تحت أقدام الزمن، كأعقاب السجائر تحت قدميها.

    غاب الضفدع في العتمة الطفيفة لأرض المكتبة، رفعت قدماي قليلاً عن الأرض، وعاودت القراءة والكتابة. في الخارج المطر لا يزال يهطل، ذكرني بليلة إستمتعت فيها بصوت جدران بيوت (الحلة) تنهار واحدة تلو الآخرى، فكنت تسمع صوت جدار الجالوص وهو يصطدم بسطح الماء ثم تسمع إسم صاحب الجدار الذي سقط.

     الساعة تشير للثامنة مساء، كُنتُ سأخرج، لولا أني رأيت عمود الكهرباء يحترق، كأنه يغازل سحابة ملت بروق السماء، تراجعت عن قراري بالمجازفة بحياتي والخروج في مثل هذه الظروف العصيبة، أغلقت الكتب الأكاديمية الرصينة والتي قرآتها تصيبني بالغثيان، لكني أتحمل من أجل الدرجة العلمية التافهة التي ستؤهلني لوظيفة طفيلية آخرى. لا زلت عندما أرى أمي تشق الأرض، وأبي ينظف الحقل من الحجارة وأشجار المسكيت الطفيلية، أحتقر العمل الورقي والمكاتب المكيفة، لكن أنا إنزلقت فعلاً للعمل المكتبي، فعلى ما يبدو أنا مؤهل لذلك.

    رأيت الضفدع في قسم كتب التاريخ، فكرت أن أقتله بكتاب تاريخ روما، أو أحد كتب (قصة الحضارة)، لكن كان الضفدع يحذرني بعينيه وبجسده، الذي يتدفق (اعع) لا أعرف، شعرتُ أن الضفدع يملك ثأراً ضدي، فأنا قتلت من قبيلة الضفادع واحد حتى الآن.

    لم أرث من قوة أمي شيئاً، ورثت رقة الطباع بسبب دعوة شيخ الطريقة الصوفي، الذي كانت أمي تتشاجر معه كثيراً، وتصفه بأنه شخص غير نافع؛ لأنه لم يجعل الحكومة تحفر بئراً للمياه، أو توفر وابورات لسقي الحقول، أو تبني مستشفى أكبر، وتوظف طبيب أكثر كفاءة. كل أهل القرية يجلون الشيخ ويقدمونه، حتى على أهليهم وأبائهم، إلا أمي كانت تتعبه كثيراً. عندما علم أنها حامل – وكانت حاملاً بي – قال: “أدعوا الله أن يكون إبنها حليماً نجيباً عليماً.” تركت للضفدع قسم التاريخ، وأخذتُ كتاباً من قسم الأدب لتزجية الوقت.

    دق الباب عندما أصبحت الساعة 10 مساء، تماماً.عندما فتحت الباب سقطت صاعقة فوق شجرة بعيدة، كان طويلاً يرتدي قبعة كاو بوي سوداء، ومعطف مطر طويل، يقطر الماء من على جوانبه، فتحت الباب وأعطيته ظهري، أصوات خطواته على البلاط تهشم الصمت، وتبوح بقوته البدنية العالية. جلس بعيداً عني، بالقرب من النافذة التي أغلقتها، لكن رغم ذلك يتسلل عبر شقوقها الصغيرة ضوء البروق، لم يتحدث معي، ولم أتحدث عنه، الشيء الوحيد الذي جعلني أحس بالأمان تجاهه أنه سحب الكرسي بهدوء شديد، أحس بالآمان تجاه الناس الذين يغلقون الأبواب بلطف، والذين يسحبون الكراسي بهدوء. لم يفتح كتاباً، فعرفت أنه لا يرغب أن يوجع عينيه بالقراءة، لعله عابر سبيل دخل المكتبة ليحتمي من المطر فحسب، لم ينزل قبعة الكاو بوي من فوق رأسه، ولاحظت أن بركة ماء تكونت بسبب الماء الذي يقطر من على معطفه، أمر مزعج لكن لا أستطيع أن ألومه.

    بعد إضاءة برق لثواني، وهدير رعد عنيف، كأنما السحاب سقف ألمونيوم، والرعد حجر، إنقطع التيار الكهربائي. ساد الظلام داخل المكتبة، وحينها فقط سمعت صوت الضفدع. أخرجت هاتفي من جيبي، أضأت شاشته المربع صغير من الفراغ الذي يفصله عن وجهي، بالطبع كففت عن القراءة، كُنتُ متوتراً من وجود الضفدع، أكثر من وجود صاحب المعطف الغامض، الذي لم يبدو أنه إنزعج من الظلام، تفقدت السماعة، لكني لم أجدها في جيبي، فنهضتُ أمشي نحو حقيبتي، حتى أحضرها، وهناك رأيت الضفدع يقف بيني وبينها، ويبدو أن ضوء الهاتف جذبه، فبدأ يركض نحوه، أي نحوي، لم أتردد أن أغلق هاتفي، رغم شعوري أن صاحب المعطف يراقبني، وأنه سيعرف أني خفت من الضفدع، لا أكترث بما سيظنه عني. عدت لمقعدي، وإلتفت إليه في الظلام، وأدركت أنه كان ينظر إليّ عندما حرك رأسه لينظر إلى الأمام، لا عن يمينه حيث كنت أجلس.

    بصوت خافت شغلت أغنية، رغم أنه لم يكن أمراً ممتعاً أن أستمع للموسيقى على هذا المستوى من علو الصوت، فكرت أن أستأذنه بأن أرفع مستوى الصوت، لكني خفت أن أكتشف فيه وقاحة أو نذالة وخفت أيضا أن يطلع على أدبي أو بمعنى أخر لم أحب أن أظهر طبعي الحقيقي أني شخص لطيف. بصوت خافت أخذت أسمع الموسيقى، ولوهلة شعرت أن برقاً سيثقب سقف المكتبة، حتى يحرق رأسي، لأني أتجاهله وأسمع الموسيقى.

    في النهاية توقف المطر، مثل طفل بكاء أخذه النوم فجأة، ولكن لا تزال السماء تضيئها البروق، ولم يعد التيار الكهربائي بعد، حينها جزء كبير مني تمنى لو ينهض رجل المعطف الغريب ويغادر المكتبة لحال سبيله، فقد توقف المطر، ولم يعد هناك من داع ليحتمي منه بسقف المكتبة.

    (كرورووو) دوى صوت رعد، كأنه يحاول أن يغير رأيي، لكن أذني الحساسة لصوت المطر تعرف تماماً أنه توقف. فقلت بصوت متأكد أنه سمعه: “لقد توقف المطر.” إلتفتَ إليّ فحسب، حينها رأيت بعض من ملامح وجهه، كان وجهه مسطحاً وطويلاً، لم يَرُد علي، وعندما لمع ضوء البرق عبر شقوق النافذة إلتفتَ إليها بسرعة، كأنه شغوف بمتابعة ضوء البرق.

    يا لوقاحته، لم يرد علي، هل هو أصم؟ قررت أني مستعد لأي أمر طارئ قد يكون بسببه، ثم قررت أن أنام فوق الطاولة التي كانت باردة، فوضعت خدي فوق يداي، وكتاب سميك فوق رأسي لمزيد من الظلام، ولأني كنت أشعر بالآمان أيضاً كجندي يرتدي خوذة حديد. أظنني نمت لمدة ساعة ،عندما قررت أن أغير وضعية نومي، بحيث إستطعت أن أرى ضوءاً خافتاً في يد رجل قبعة الكاو بوي، عَلمتُ في كسر من الثانية أنه هاتفي، لم أحرك ساكناً، وأخذت أراقبه وهو ينظر لشاشة الهاتف ببلاهة، فقد كان يحدق في الشاشة من بعيد، ثم يقربها إليه ليحدق فيها من قري، فعلمت أنه مهتم بالضوء فحسب.

    على ضوء الهاتف رأيت وجهه بوضوح أكثر، كان وجهه أبيض مع بقع خضراء طحلبية على حواف وجهه، أما عينيه فكبيرتين، وتبدوان صلبتين، كأنهما مصنوعتين من الزجاج. عندما أنزل قبعته من على رأسه رأيت قرني الإستشعار، حينها عرفت أن الرجل الذي أنظر إليه له رأس جرادة. لقد شعرت بالرعب فعلاً، لكن بدلاً من التحرك، أو القفز فزعاً، ظللتُ أدعي النوم. أغمضتُ عيني تاركاً الرجل الجرادة يعبث بهاتفي، لو أنه يريد أن يقتلني لحطم عنقي بيديه الهائلتين عندما كنت نائماً، إنه يريد هاتفي اللعين فحسب، ولن أمنحه سبباً لأن يقتلني. لم أجرؤ أن أفتح عيني مرة أخرى، لم أكن خائفاً من القتال، بل جزء مني كان يريده، أنا خائف لكن خوفي لم يطفئ إرادة القتال، أنا فقط أتسأل ما الفائدة؟

    الذين يميلون إلى العنف هم الأضعف دائماً، فالشخص الذي يروع أحياء بأكملها في العادة يكون أقلهم نفوذاً وثراء في المستقبل، حتى لو أصبح ديكتاتوراً، فإنه يكون صاحب حكومة تافهة وضعيفة.

    الرجل الجرادة يريد أن يستمتع بضوء شاشة هاتفي، فليفعل، سأظل أدعي النوم هكذا حتى يمل ويرحل، كما أنه يبدو غبياً ومتخلف. هل أنهض وأقاتل مخلوقاً تافهاً كهذا، هل ستحترمني لو عرفت أمي أني إدعيت النوم حتى أتجنب الدفاع عن حقي، أليس الهاتف حقي، ويفترض أن أموت في سبيل الإحتفاظ به، لكن هل يستحق الهاتف أن أموت من أجله؟

    سمعت صوت نقيق الضفدع فوق الكتاب الذي أغطي به رأسي، ثم بسرعة إنزلق لرقبتي، كان شيئا لزجاً وتافهاً وبارداً، لو عرف الرجل الجرادة أن الضفدع فوق رقبتي سيعلم أني مستيقظ ولست نائما كما أدعي، حينها سيعلم أني جبان، وأنا لا أبالي مقدار ذرة برأيه في، لكن أخاف مني أنا؛ أن أقرر أن أقاتله هكذا بلا دافع مدفوعاً بالأدرالين وشهوة الدفاع عن الحقوق، لو عرف أني مستيقظ سأطرد الكسل عن جسد المقاتل داخلي وأقاتل.

   الضفدع إنزلق إلى ظهري، وكان بارداً ومقززاً هل إرتعشت؟ لا! ثم بدأ يقفز محاولا الخروج. أمسكته بيدي، وإعتصرته حتى شعرت بدفء أعضائه الحيوية تنزلق فوق سطح ظهري. حينها فتحت عيني على إتساعهما، أحدق في الرجل الجرادة، لسوء حظي كنت غاضباً، وكل تفكيري أن أمزقه إرباً، لقد بدأت الحرب، ولم يعد مهما لماذا نقاتل، وبالطبع ولا واحد منا كان يفكر كيف نتجنب القتال؟ إنه رجل ذو رأس جرادة، سأنتزع هذا الرأس، هذا كل ما كنت أفكر فيه.

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .