الرئيسية / احدث التدوينات / الذين أكلوا الشمس

الذين أكلوا الشمس

متوكل

     هدوء ساعات الفجر الأولى يتكسر بالضجيج، الحركة الدؤوبة في بيوت المدينة تصنع دوامات من ترغب، ليست للناس رغبة سوى بلوغ ساحة المدينة العمومية قبل شروق الشمس، فاللحظة الحاسمة إقتربت، ساعة الصفر أعلنها الحاكم منذ أشهر بأنها صباح اليوم، حسب عمليات لمعرفة المناخ، وتوقعات أخرى عديدة سوف تتراكم غيوم غنية مشبعة بالمياه فوق سماء المدينة، غيوم ناعمة تغطى خيوط الشمس الحراقة قبل وصولها الساحة، ترطبها فتقع لقمة سهلة على الأطباق، تصل باردة خافتة كأضواء لمبات نيون يغازلها الأفول.

     هواء خفيف غسلته بعناية أمطار الليلة السابقة يبدأ بالتمدد بحرية مداعباً جباه الناس، بينما تبتلع الساحة العامة الواصلين من البيوت القريبة والضواحي، وسائل النقل الرابضة تشكل لوحة سريالية تثير ضحك خفيف وتعجب موجع في الوقت نفسه، أحد أركان الساحة يقف عليه باص مواصلات عجوز، ولد بداية القرن الماضي مصاب هيكله بالتصدع، صفت بجانبه سيارة صغيرة حديثة ولادة لا تعرف عن العالم شيء، ملمسها الناعم يولد في  صدر الناظر بأنها قطعة صابون مبللة، رُبط بينها والباص العجوز حمار تبدو على وجهه إمارات الرهق، ربط في المرآة اليسرى للسيارة الصغيرة، فوارق عميقة بين الناس تتبدى من أول نظرة لوسائل حركتهم، لكن ثمة شيء آخر مبهم غرائبي يجعل الجميع متشابهين بطريقة مضللة، قد يظن ظان أنه بسبب اللباس الموحد الذي لا يكسر الإلتزام به أيا كان، الزي الرسمي كان قطعتين للرجال، أما النساء فقطعتين أو ثلاثة، وتلك إشارة جازمة لما يعتنقن من دين، يرتدي الجميع رجالا أو نساء اللون الأزرق الداكن بالاسفل بناطيل أو غيرها، والأقمصة ناصعة البياض كانت من نصيب الرجال أما تلك النسائية فلونها سماوي بديع، حسناً الزي الموحد ذاك شبه لا يعدو كونه تطابق ظاهري، بالإقتراب من سكان المدينة وبنظرة فاحصة للوجوه، تتشنج أعصاب الناظر بغرابة ما تحويه محاجرهم، عيون ممتلئة حزن معتق مبهم، فليس للناس هنا شكل العيون التي نعرفها جزيرة الشبكية أيا كان لونها تقبع عند منتصف بحر بياض العين، فقد كانت عيونهم رمادية، بحر ميت لا يعرف مطلقاً عن قوانين القمر وليست له أدني خبرة بماهية مد الفرح وجزر الأرق.

     في الماضي كانت عيون سكان المدينة عادية، (السابق) تلك تقودنا إلى مائة وستون عاماً للوراء قبل بداية موسم الحرب الأول، الذي إستمر لعقدين أنتجت آلام محت مع الوقت ألوان العيون فإستحالت في البداية بيضاء كلية، وحين أينعت الحرب التالية أكلت عنيز من كل بيت، عيون الأطفال إحترقت بالشوق ورهق انتظار آباء لن يأتون أبداً، وعود كاذبة أطلقتها أمهات أرامل جددت أمل هش سكن قلوب أطفالهن، تحول مع السنوات زيت ينصب كل يوم على نار الشوق المستعرة في القلوب. الأعوام العشرة الأخيرة حملت معها أشياء صغيرة لم يلحظها أحد، الأطفال يولدون بعيون بيضاء كلية دون إطار واضح للشبكية، ببلوغهم الرابعة تستحيل إلى لون رمادي فاتح بارد لا يثير غير شعور رهبة ناعمة وقلق.

     حين – أي قبل ثلاثون عام – كانت المدينة موعودة بحدث استثنائي، جاء رجل أعمى إستطاع بفصاحة لسانه أن يتقلد إدارة شؤون الحياة، الرجل خطيب مؤثر، قادر على فعل ما يريد ما أن ينطق به، طوال أعوام إنسالت من فمه خطب متزنة ألهبت الصدور حماسة، أشعلت في أرواح معذبة الأمل، كلمات خطاباته أهلته لإعتلاء سلم المجد، ثم حولته إلى روح الناس، بعدها أصبح مخلصهم، صوتهم الذي يسمع، لسانهم الذي يلجلج، يدهم التي تبطش، وعيونهم التي لا ترى.

     العمى كان ميزان الحاكم الأعمى لوزن كل شيء، مستنداً عليه أيضاً خلق فلسفة جديدة طبقها مباشرة على أهل مدينته، فكرة تأسست على عدم القدرة على الرؤية، وأثرها على السلوك والأفعال، من هنا وبغرض إلغاء التباين جاءت فكرة توحيد الزي في المدينة، بعد إحدى خطبه القصيرة المختتمة بجملة ناجزة: “على الآباء عدم التفريق بين أبناءهم، يطعمونهم من نفس الإناء، يلبسونهم من نفس القماش، يولونهم القدر نفسه من الأهمية، اليوم أعلن أنكم أبنائي أجمعين فانا ألزم نفسي وإياكم إرتداء زي موحد يجعل منكم إخوة حقيقين، وصونا للعدالة وإحترام الرأي سيكون تحديد الالوان مسؤولية مجلس المدينة الموقر، مجلسكم أنتم!”

     في اليوم التالي توحد اللباس بالمدينة، شعر الناس بالرضى، غمرت موجات سعادة قلوبهم وهم يرتدون ثياب تتطابق تماماً مع ما يرتدى الحاكم: “هنا، ولأسباب تتعلق بالقصة، سأخفى عنكم أن الأزرق الداكن، والأزرق السماوي، والأبيض الناصع، هي الألوان المفضلة لزوجة الأعمى!”

    قاد الأعمى المدينة كما يريد دوماً، خطبة كل ستة أشهر، يحضرها الأحياء كافية لتمرير قوانين جديدة، تفعيل ضوابط غريبة مجنونة، خطبة واحدة غيرت شروط الزواج، أخرى وضعت الحد الأدنى لعدد الأطفال في كل أسرة، ثالثة حددت ضوابط للجماع وأوضاعه، رابعة وخامسة… أتبع الجميع الخطط صونا للمصلحة العامة للمدينة.

     سكان المدينة يندرجون تحت قسمين، منضبطون: أولئك الملتزمون بتنفيذ ما يؤمرون دون جدال أو طرح سؤال، أما أولئك الضالين: هم من أشعل نار الفتنة كما وصفهم مجلس الحاكم، هم من حرض على إشعال صراعات تتعلق بألوان الناس وأشكالهم، قضايا الصراعات القبلية المبنية على فروقات لون جلد الناس أزعج الحاكم وأرق مضجعه، شرع يفكر بصورة جادة في طريقة توحد لون بشرة سكان مدينته، رغبته الوحيدة أن يقطع الألسن الرافضة لطريقة حكمه لمملكته، تحدث إلى مستشاره الأوحد، زوجته، فكرت لوهلة بعدها أفادته بإمكانية إلقاء خطبة تفرض إستخدام كريمات تبييض البشرة، تردد الأعمى إذ وجدها فكرة هشة، فلماذا تبيض البشرة مع وجود إمكانية تسويدها أو تخضيرها أو حتى جعلها رمادية!؟ قلق خفيف إنتاب قلبه جراء هذه الفكرة، تخيل بوابات من جدال تنفتح داخل رأسه تتسبب في تعب أكبر، ثم تذكر إعلانه الدائم عن وقوفه  مسافة متساوية من الجميع، أغمض قبل أن يجد بداية خيط يحل المعضلة، نام برأس مشبعة بالحيرة، منتصف الليل يحمل معه حلم غريب، الأعمى مصاب بتقلصات المعدة، طبيب شاب يوصى الزوجة أن تطعم  الحاكم تفاحة خضراء مع حلول المساء، حين يقضم إحداها، تمسك الزوجة يده معتذرة عن أنها بسبب الضوء منحته أخرى حمراء، يصحو الحاكم من نومة ترفرف عيناه الميتتان في ظلام الغرفة، يردد منتصراً تعلو شفتاه إبتسامة: “الضوء نافذة الرؤية، وبدورها هي بوابة الوعي، الوعي ما يلوث عقل الإنسان، الوعي الزائف المستند على الرؤية الناقصة.”

    صباح اليوم التالي كان كسولاً، إلا من ضجة السكان في طريقهم إلى الساحة، صعد الحاكم المنبر، إنفجرت الجماهير بتصفق حار ما أن قبض مكبر الصوت، رفع يده اليسرى بحركة آلية، فتوقفوا ليبدأ خطبته متحدثاً عن حبه للمدينة واهلها ذكرهم بأنه آباهم أجمعين، وأنهم أبناءه حتى أولئك المخربين، ثم تلا على مسامعهم ضوابط كثيرة ختمها بأن اللقاء القادم سيكون آخر يوم لصراعات المدينة بسبب إختلاف ألوان الناس، تنوعهم، إختلافاتهم ظاهرية وخفية، أخبرهم برغبة حكومتهم بخوض معركة ضد الشمس بعد إذنهم طبعاً، وواجبهم فقط أكلها حين تهزم، فهي مصدر الضوء سبب خلافات واختلافات لا تنتهي بينهم، الضوء جذر خبيث لأزمات تلاحق المدينة، حروب الدين، الصراعات الطبقية، وشجارات السفلة في الأسواق، الضوء روح الرؤية، وعينها الراصدة للإختلاف، ما يدفع رجل للتحرش بامرأة رجل آخر، ماذا يجعلنا قادرين على التدقيق في ما يرتدي الناس من لباس وغيره؟ يجيب بنفسه: “الضوء!” تصدر حنجرة الساحة هتافات مدوية، يعلق بالأذهان سؤال محير: كيف نقدر على أكل الشمس؟ لحظتها وصل الجزء الأخير من خطبته، الجزء الذي يجعل الجميع على استعداد لتنفيذ القوانين وإطاعة الأوامر، قال: “أبنائي الأعزاء صوناً للمصلحة العامة، وحفاظاً على الأمن بالمدينة، كلفت لجنة علمية لجعل أمر أكل الشمس ممكن الحدوث، وقد نجحوا في تحقيق الهدف، وسوف يكون لقائنا القادم موعداً لذلك.”

    يمضي الوقت ويربى الناس أمنيات حلوة بتذوق طعم الشمس، قضمها بشهية تعادل ألم ذرعته في العيون، جهزوا أطباقهم ينتظرون بوجل. في اليوم المحدد وكما العادة إجتمع السكان في الساحة العامة أملاً في وضع حد لكل مشاكلهم، حدد المجلس أن الوجبة ستكون مع أول سقوط لأشعة الشمس، مع بزوغ الفجر وقف الجميع على أهبة الاستعداد في مشهد ملحمي، فقراء بصحونهم وبطون يسكنها الجوع، وأغنياء بأطباقهم ورؤوس مشحونة بالتأفف، الأعمى على المنصة يطلق إشارة على إثرها إنطلقت غازات كثيفة، روائح قوية تسببت في سقوط الجميع، أغمي عليهم لمدة ثلاثة وثلاثين ثانية، حين أفاقوا تعثروا بآنيتهم المبعثرة على الأرض، نهضوا كجثث متحركة تتخبط، والأيادي معلقة في الهواء تتحسس الطريق. أصيب الجميع بالعمى!

    حين بدأ البعض بالنحيب؛ إستهل الحاكم خطبته قائلاً بصوت واثق: إنتصرنا! كما كان الوعد قتلنا الضوء في مهده، إنتهت إختلافاتنا وبتنا متساويين، خلقنا رابطة جديدة واصبحنا إخوة حقيقين، لم يعد للون بشرتك قيمة، ولن يشكل ما نلبس أي فرق، منذ اليوم لن نكره أحد لأسباب سطحية كشكل الوجه، الطول، الوزن أو لغة الجسد، فقد هزم أباكم الضوء، وبذلك ماتت الكراهية، فنحن وببساطة لا نستطيع كراهية ما لا نراه! صمت الأعمى يلتقط أنفاسه، حاول ترتيب جمل خطابه ليسرد فوائد أخرى لحالة العمى الجماعي المفتعل، مع صمته لبرهة كانت المفاجأة، إنفجرت أيادي كل من بالساحة، جميع أحياء المدينة هدرت أياديهم بالتصفيق، لم يكمل أقدم العميان خطابه بل شرع يعد خطة العام القادم.

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان