الرئيسية / احدث التدوينات / الراب في السودان: بين مِطْرَقة النَشْأة الوِجدانية .. وسَنْدان الإستلاب الثقافي!

الراب في السودان: بين مِطْرَقة النَشْأة الوِجدانية .. وسَنْدان الإستلاب الثقافي!

فاتن

     يُعدّ الراب (Rap)؛ ضرب مِن موسيقى الهيب هوب، يتحدث ويردد فيه المغني الأغاني بقافية معينة، مع التلاعُب بالألفاظ، حتى تتماشي والقافية دون الإلتزام بلحن معين. ويمكن إلقاء الراب بوجود الإيقاع أو بدونه (بما يعرف بالفري ستايل)، وبشكلٍ عام فإن صوت المغني أو المغنية ليس هو المعيار، وإنما نبضات الموسيقى نفسها وكلمات الأغنية.

     بدايةً، إنتشر الراب في الولايات المتحدة الأمريكية، في بداية سبعينات القرن المُنصرم، تحديداً في حي برونكس، بمدنية نيويورك كما هو معروف، على أيّدي الأرفاقة. وفي بداية تسعينات القرن السابق إنتشر عالمياً. ولكنْ بعض الموسيقيين يؤرخ لموسيقى الراب بوجودها قبل إختلاق ثقافة الهيب هوب بعقود، دون تحديد زمن معين. فيما يُرجّح آخرون أن بدايات الراب تزامنت مع فترة جلب العبيد إلى أمريكا، حيث يقوم بعضهم بخطابات فردية، أثناء إقالتهم، كتعريف عن نفسه. ومن ثم إنتقلت فكرة الراب تدريجيّاً إلى الزنوج الأمريكان، الذين وجودها وسيلة يعبرون بها عن قضاياهم، وعن الظلم الإجتماعي والسياسي الممارس عليهم من قِبل البيض.

بدء ذي بدء:

    عُرف الراب في السودان، بداية التسعينيات، كفن ونمط جديد للغناء. ووجَدَ في بداية إنتشاره مقاومةً شديد من قِبل المجتمع، الذي يظن إن المحافظة على الموروث الغنائي، ينبغي المحافظة عليه ومن يشذ عن ذلك يعاقب اجتماعياً. وبالطبع، لا يزال يجد مقاومة، وإن ضعيفة. فالمجتمع السوداني، باعتقادنا، عاجزٌ عن إستيعاب الثقافات الأخرى، ونستدل بذلك على أزمتنا الثقافية،  العاجزة عن تجريد عُقدٍ نفسية، تُأطرُها عاداتٍ وأنساق، فرغم تعاقب الأجيال فشلت في الإجابة عن تساؤلات الحاضر، سائقاً تبريرات لا تكفي لإقناع طفل! ونُرجّح أن سبب ذلك (الأنا) السودانية الرافضة للإعتراف بالثقافات الأخرى، وأن لكل جيل مكوناته المعرفية، دون أن يكون الأمر صراع أجيال، كما يروْج له. فقد حان الوقت لنقول، وبصوت عالي، أن تجريب الجديد في الثقافات تحديث لمكتبة الإبداع، وأن كل إنسان قادر على أحداث التغيير، بما يتيحه العصر من تسهيلات تكنولوجية، ومعرفة منتشرة في فضاء الإنترنت لمواكبة العصر، شريطة؛ أن يكون ذلك بإدراكٍ، دون طمسٍ لهوية ــ لم تُحدد معالمها بعد!

المضيّ في الدرب الصعب:

     نحن، في مجلة جيل جديد، نحاول عبر هذه المساحة تسليط الضوء على بعض مغنيّ الراب في البلاد. في البدء، تحدث إلينا المغنى مصطفى الصديق “زيو مان”، مجيباً على سؤالنا عن تقبُّل المجتمع لموسيقى الراب، ما أن لاحظ وجود إهتمام وتقبُّل لفن الراب لدى الشعب السوداني، أمْ أن التربية الوجدانية التي نشأ عليها تُحيل دون ذلك؟ الجاز كمثال، لهذا اليوم محصورٌ بين قِلة من الجماهير. في إجابته، أبدي شكواه من تصنيف مجتمع بلاده الراب كفن غير أساسي، إذ لا يزال المجتمع ينظر إليه على أنه ــ أيّ الراب ــ فن دخيل، لا يشبه عاداتنا وتقاليدنا، وأضاف: “موسيقى الراب هي جزء من ثقافة ضخمة تسمى الـ hip hop. وهي ثقافة تتكون من أربعة أركان: فن الجرافيتي/ الدي جي/ رقص الهيب هوب/ الراب)، مما يعني أنها ثقافة كاملة، وليست فناً فقط. وأوضح أن الراب إن أخذناه من منظور آخر فهو فن حر، وتساءل: “هل الحرية تتقبل نظرية العادات؟” وتابع حديثه: “أنا كزيو مان؛ أستطيع أنْ أعُبّر عن ضعفي، قوتي، غضبي، وحزني أيضاً، عبر الراب، دون قيود تنتهك ما أكتبه.” وشدد على: “كُل ما أكتبه يُشعرني بتحسُّن، هل شعوري بالتحسُّن، يتنافى مع عاداتنا الثقافية؟!” وذهب إلى أن الراب يجد رواجاً كل يوم بشكلٍ أكبر، إذ أن فنّ الراب يُستحدث بشكلٍ عظيم بما توفرهُ أدوات اليوم، وتلك الأدوات قادرة على صنع فنٍ محترم يجبر أهل بلادي على تقبله.

بُعدٌ ثانٍ:

     ويضيف مغني الراب مُهاب كباشي، أن فَنّ الراب عبارة عن كسر للحدود، وتمرُّد على المألوف، هذه الحدود، ربما قد تخلق فوارق عظيمة للمعرفة، لمستمع فن الراب. وأوضح ذلك: “لأن الفرق بين المغني العادي، والمُختَلف، هو كم المعرفة الثقافية التي يملكها المؤدي.” وأشار إلى أن مؤدي الراب يستطبع أنْ يستخدم الفن بطُرقٍ متعددة، لتوصيل معلومةٍ مفيدة، سواءً بالطريقة العادية، أو بطريقةٍ رمزية! نظراً لأن الراب يختلف بأنواعهِ في الأداء والطريقة، والكتابة، كذلك الإنسياب مع اللحن، أو ما يسمّى بالفلو (FLOW). الراب ببساطة، هو حديث الشارع، يقوم بتوصيل معاناة الناس، وإيحاء الأمل فيهم، عن طريق حكايات شخصية للمُغنِّي، أو حكايات من بيئته المحيطة. فبعض المشاكل التي وقع فيها مغنيِّ الراب اليوم هي: دوامة التقليد، وفقدان الهوية لكُلّ مغني!  وتابع: “فن الراب في السودان إذا أخذ مساره الصحيح، والهوية الكاملة التي تُمثل حاضره الوجداني، في جسد مختلف أي(الراب)، كتنوع ثقافي، قادراً لأن يصل خارج السودان”.

    وفي سياقٍ آخر، أفادَ الباحث في مجال الأغنية السودانية/ محمد جمال الدين عن سؤالنا: إلي أيّ مدى قد تتسع الرؤية لفن الراب، لخلق فوارق ثقافية، كفن إضافي جديد لدى السودانين؟
    فيقول عندما نسمع كلمة (راب) أول وهلة يتهيأ لنا أنه نوع من الغناء/ الموسيقى الغربية. وهذا التهيؤ صحيح، بالرغم من محاولة إستدراك صاحب العلم أن الراب في الأساس موسيقى الأفارقة الأمريكان، متولدة عن الهيب هوب. وخلفية الهيب هوب الأصيلة أفريقية، مثلها وعدد من الإيقاعات الرئيسية التي تبناها الرجل الأبيض، كما تبنى الهيب هوب، ثم الراب، وحتى لو تصدر حلبته بعض الوقت أصحاب الإختراع. أريد أن أقول بأن القول بالراب كموسيقى غربية صحيح إجرائياً، وأقول إجرائياً لأنني أومن مثل كل المؤمنين أن لا وطن أو جهة للموسيقى، ولو لها نقطة إنطلاق معلومة أو غير معلومة.

    وجاء الراب إلينا، مثلما جاءت السيارة والطائرة من قبل. والآن مع موجة العولمة الكاسحة التي نشهد تجليها، الأهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وتطور وسائل الإتصال والمواصلات (النقل)، يحدث تحول كبير مشهود في مخيلة الفرد، والجماعة، بحيث  كادت تنتفي الحدود الثقافية، وتتماهي السلوكيات الفردية، في وحدة كونية، ولو ظلت الحدود الجغرافية قائمة.

    ولحالة الأمر الواقع هذي (العولمة) لها فوائد ومضار عظيمة، وبنفس القدر من العظمة ومن المنافع الإحساس المتعاظم بالمصير البشري، المشترك فوق كوكب الأرض، ومن مضارها تعلية النزاعات الإستهلاكية، والترفيهية، في مجتمعات بسيطة غير مهيأ بالكامل، بجانب إضعاف بنية الجماعات الإثنية الأصيلة وتشويش ثقافاتها وطرائق عيشها المجربة، ومحو لغاتها المحلية دون تقديم بدائل تعادل الخسائر وأحياناً فناء.

    أنا أفهم أن إنتشار الراب هذه الأيام في السودان جزء من الكلي (العولمة) وبهذا الإختصار، إذاً هو مؤكد ليس بدعة إبتدعناها في السودان ولا الشرق. والراب كفن حق لمن شاء أن يوظفه كما شاء، وفق المعايير الفنية والأدبية الممكنة. وهو حسب علمي مجال مفتوح لأي راغب ليدلي بما يستطيع. 

    قواعد الراب الفنينة مرنة وفضفاضة. يستطيع أن يكون أداة طيعة متاحة للجميع لإستخدامها، فيما شاء في الحياة اليومية. مثلاً في الترفيه أو نقد المجتمع والسلطات أو توصيل نصائح وقيم محددة، أو حسب إرادة المؤدي (المُنتج).

    وتلك طبعاً حسنة تتوقف على الإرادة الحرة المبدعة. فهو فن عندما نشأ في الأساس وظف لمحاربة العنصيرية والبطالة والفقر في أوساط الأفارقة الأمريكان، ثم تحول إلى ترفيه فتسلية تباع في السوق، كما هو حال كل إنماط الغناء والموسيقى؛ إذ لا تنشأ من العدم، بل لهدف (الحصاد/ الحرب/ الموت/ الخصوبة) مثلاً. ثم بعدما ينتفي الهدف عبر الزمان يظل النوع الموسيقى قائم في الفراغ، ويفنى إن لم يستطع التحول إلى ترفيه (هدف جديد)، فيباع  الفن بالمال (شباك التذاكر) أي يتحول إلى بيزنس. مثل أغاني الحماسة والمناحة، التي يغنيها حمد الريح (مثال) وتجد في الإعلان: الفنان الكبير فلان الفلاني، أو ملك الطرب، أو الأميرة فلان الفلانية، وأهم شيء سعر التذاكر للفرد والأسرة، إضافة للعشاء مخفض التكلفة. مع أن كلمات الحماسة والمناحة معظمها حرب ومعارك وقتال وسيوف ودماء وعنصرية ولو ديكورية منتهى البشاعة، وفي الحلبة يرقص الرجال بجانب البنات العصريات، من اليمين واليسار بقاعة الصداقة في الخرطوم في القرن الواحد وعشرين (أحاول تجسيم الصورة). هنا نلاحظ تحول الهدف وإلا لما عاشت أغاني الحماسة والمناحة حتى الآن. هذا بالضبط ما حدث للراب في نقطة إنطلاقه. والسؤال الآن: هل بدأ الراب عندنا من الغابة (حركات متمردة)، مثلما أخترعه أهله لأهدافه المحددة التي إنتفت الآن عندهم، أم أنه جاءنا مثل الموبايل والإنترنت، (بيزنس جاهز)! على أي حال، وبشكل شخصي، إن جاز لي، أسمع الراب كلما تتاح الصدف، وأجده في مرات معقولة مفيداً وممتعاً ومسلياً، إلى درجة الضحك.

    في الختام أرى أننا لا يجب أنْ ننساق بالكامل وراء العالم الآخر وننسى أنفسنا. فالأجدر بنا أنْ ننجز أولاً واجبنا الداخلي، أو على الأقل أن نؤدي واجبنا تجاهه بالتوازي، مع الإنفتاح على العالم. لأن ما عندنا في هذا المجال كثير حسب ما نراه في الواقع، وما قاله الخبراء.  لدينا الكثير من الإرث الإيقاعي المتنوع والموسيقى، وأنماط الشعر الشعبي، ومعظمه مهمل، وربما به كنوز برّاقة نستطيع تصديرها إلى العالم الآخر، بدلاً من أنْ نظل مستوردين كل الوقت لصناعات غيرنا. ذلك هو المحك في نظري! ولا ننسى أن الراب الذي جاءنا هذه المرة من بوابة الغرب أصله القديم أفريقي! هذه نظرة عاجلة في الزاوية الوظيفية، والآنثروبولوجية للنوع الموسيقي، بحسب السؤال الذي وردني.

عن فاتن علي

mm
كاتبة من السودان أحاول أن أُحيل الرماد من عيون المجتمع .