الرئيسية / احدث التدوينات / جوانا .. قاطفة الأوجاع‫

جوانا .. قاطفة الأوجاع‫

عاطف

بقلم: عاطف جمال

     في ليلةٍ كنت أنخر فيها أحشاء وحدتي، أنقب يمنة ويسرة عن ذكرياتي، والأيام التي كنت فيها سعيداً، فلمحت صورة إبنتي جوانا داخلي، تعكس كل فرحٍ عشته، وكل تعاسة قتلتها بمرحها.
‫جوانا لم تكن إنساناً يتنفس مثل كل الناس، بل كانت مصلاً تعالج كل مرض يصيبنا أنا وأمها، ولم تكن ملاكاً تفعل ما تُؤْمَر بل لها جناحان وريش. لها وجنتان كإنتفاضة السماء، ووردتان على خديها، تضحك فيسري الهواء نقياً في جوفها، وإبتسامتها تعلو حاجبيها، حتى لتحس بأنّ جفنيها إختفتا في ضحكتها.

‫    إلتقينا أنا وأمها صدفةً في فضاء الكون الرحيب، كانت صافية كجوٍ بعد المطر، تضحك فيخفق قلبي، إقتربت منها وقلت لها: “هل نسيت السماء سحابة هنا وغادرت؟” نظرت إليّ متوجسة كما تفعل كل الفتيات دوماً، تعتقد كل فتاة بأنّها مركز الكون، وما دونها عبثً كبير، تسخر منك وتدّمر كل مشاعرها، حتى ولو كان قلبها ينبض لك وحدك؛ لم أعطي نظرتها الساخرة أدنى إهتمام، بل قلت لنفسي: “لا بُدّ ان يحفك الموت لتعرف أنك حي، ولا بُدّ أن تطلق سراح كلماتك، فالكلمة السجينة تكوّن فقاقيعاً صغيرة داخلك، وستنفجر ذات يوم ثمّ تترك آثاراً كثيرة وجسيمة لا يمكنك إعادتها الى حالتها الأولى أبداً.” تبعتُ تعاليم حدسي، الذي لا يمكن أن يخطئ في مثل هذه الحالات، وقلت لها: “أنتِ جميلة، لكن ليس كالجميلات الأخريات، بل جميلة كجمال الرشفة الأخيرة من نبيذ “تكيلا” في عنق الزجاجة الأخير.” إزدادت توجساً، وبدأ السمار القابع على وجهها يرسم تفاصيل الدهشة فيّ.

    لم يكن سمارها كسمار قهوةٍ أو نبيذ، ولا كسمار الملائكة الذين ذكرهم عاطف خيري في قصيدته، بل كان لونها كلونِ كوب الشاي الخفيف الذي تتناوله بعد يَوْم عملٍ طويل وشاق تحت ظل شجرة نيمة قيد التوريق. لم أكن أؤمن قبلها بأنّ للكون خالقاً، ولم أكن أصدق بأنّه جاء صدفةً أو أوجد نفسه بنفسه؛ بل كنت أراه غلطة وجدنا أنفسنا جميعاً نغوص في داخله، نخرج من عمقه لنسقط في حافةٍ أخرى من حوافه الكثيرة، لكني معها بدأت أبحث عن خالقها، عن الوصفات التي إستخدمها ليخرج لنا قطعة كهذه، قطعة سمراء لا تشبه الشاي، ولكن الشاي سرق لون سمرته منها، فهي كانت البدء ثم أتى كل شيء. ‫لا بُدّ أنّ الخالق تعب كثيراً في صنعها، أو أخذ وقتاً أكثر مما يجب لنحتها، تعب الصانع بائنٌ في جسدها المتناسق، والرشيق، تتمايل وتهتز فيسري التيار في جسدي.

   كٌنتٌ أحدثها عن الجمال فتحدثني عن الله. أحدثها عن الحب فتحدثني عن الكوب الذي كَسرَته وكادت أمها أن تكسر معصمها بدلاً عنه؛ أحدثها عن إحتياجي لها فتحول الحديث بحنكتها المعروفة مثل كل بنات آدم الأخريات إلى أحدث أنواع السيارات التي أنزلتها ال(بي إم دبليو)  في السوق، أحاول أن أسرق قبلة من خدّها فتدفعني بيديها الحنونين، ثم تبدأ تحدثني عن بنتِ جيرانهم التي غمز لها رجلٌ في السوق، ثم عن لطمتها له على وجهه حتى كادت سنه البارزة أن تسقط؛ وأنا أسمع إليها لا أفهم شيئًا، وتبدو لي كلماتها متذبذبة مثل موجة  في راديو  قديم  سقط (أريله) بفعل الريح، وإبتسامة بلهاء ترتسم على وجهي، لم يكن يهمني شيء سوى أن أقضم وردة من خدها، و أتنفس عبقها.

    كنت أرسل اليها رسائل في الصباح والمساء، ووقت الأصيل، ووقت المطر. وكانت ترُدّ إليّ في أحيانٍ كثيرة برسائل فارغة، أفتحها بتلهفٍ فأجد نقطة وربما نقطتان، أجلس عشرِ ساعات لأفسر كنه كل نقطة، أذهب بخيالي بعيداً فأقل: “إنَ النقطة الأولى كانت قبلة، والثانية دعوة رتبتها لي هي في مقهى لتشرب كوب قهوة، ولأملأُ جوفي بضحكة.” وعندما أفشل في إمتحان نقاطها الكثيرة الفارغة أسألها فتجيبني بكل برود: “كلماتك كثيرة، وجميلة، لكني لا أملك حروفاً أخرى لأرد بها عليك.” وقتها أعتصر الألم في داخلي، وصوت عقلي الباطني يخرج مسدسه، يريد أن يصوب إليها رصاص الكلمات الفاحشة التي تخدش حياءها، لكنّ  في آخر الأمر أرضخ لجمالها، وأترك أصوات الكلمات تنهشني. لكنني لا أنفك أتبع قلبي، وأضع قوانيني الخاصة؛ أستمتع بعمل الأشياء التي فعلتها، وما زلت أفعلها معها بدقة وأمانة، حتى لو كانت لنفسي فقط، لأنني إكتشفت أن في الحياة ما هو أغلى مما تراه أعيننا.

    جوانا كانت خليطاً من أمها، لكن لها جناحان وريش، تشاركني وأمها الضحكات ولحظات المرح، وحين تغضب تنقص ريشةٌ من ريشها، وحين تفرح تسقط حبيبات المطر من السماء فتغسل بها حزني. كنّا نخرج أسرّتنا في فضاء حوشنا آناء الليل، أقم من سريري ثم أدور بها دورة كاملة، وأبدأُ في إطلاقها نحو السماء؛ ذات يوم أطلقتها، لكنّها لم تعد كما كانت تفعل كعادتها، بل كانت تمدُّ يديها نحو النجوم وتقضمها، تزداد ضياءاً وتزداد النجوم نقصاناً. وحين سألتها عما تفعله أجابتني وقالت: “يا أبي، النجوم مثلنا تحزن وتموت، وحين يرى نجم موت أخيه يحزن ويموت سريعاً، وعندما تنظر نجمة الى الأرض وتقرأ حزن أَهْلِ بيت ما تحزن وتموت أيضاً؛ لذا أنا أقضم النجوم الحزينة فقط حتى لا تموت وتتسبب في موت النجوم الأخرى.” كانت تفعل ذلك دوماً حتى إنتبهنا ذات يوم ووجدنا نجمة واحدة فقط تبّقت فوق فضاء حوشنا.

    تمر الأيّام وجوانا تمارس عادتها مع النجوم البعيدة عن منزلنا، بدأنا نثير المشاكل ونتجادل كثيراً أنا وأمها، ونُغضب بَعضنا في أشياء كنّا نعتبرها عادية في أيام زواجنا الأولى، كانت جوانا تكبر وتتفتّح كوردة، وفي كل لحظة شجار لنا تذبل وينحل جسدها. في ليلةٍ عاصفة إحتدّ بِنَا النقاش طويلاً، كلانا لم يعترف بخطئه، بل كان كلٌ منّا يُلقي اللوم على الأخر. قالت لي أمّ جوانا: “ما الذي أحببته فيّ؟” سقط السؤال عليّ كموجة باردة في ليلة شتويَة، بعد كل أيامنا وسنيننا معاً تسألني سؤالٍ كهذا، لما لم تسألني هذا السؤال حين كنّا نلتقي وقبل أن نتزوج، قلت لها فقط لأني أحببتك وأحبك الآن، فالحب لا يُفسّر ولا يبرِر يا عزيزتي؛ لكنّها أطلقت رصاصتها الأخيرة في رحم وجودي حين قالت لي: “أنا لا أحبك، ولست مستعدة أن أحبك.” وصمتت.

   حينما حلّ الصباح، ذهبتُ إلى غرفة جوانا لأطبع قبلة الصباح الدائمة على وجهها، لكنها لم تكنْ هناك، وجدتّ على سريرها جناحان ودم ودمعة مرسومة على وجهي. وفي المساء جلست وحيداً أتسمر نحو السماء، فلم أرى النجمة الوحيدة، عاينت وجيزاً لكنها لم تكُن هناك، إختفت.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة