الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: لست هنا

بريد القراء: لست هنا

علام

بقلم: علام بخيت كباشي

    هو نوعٌ من الخَدَر، ألا تسمع كل ذلك الصخب الذي يحيطُ بك، أصواتهم الممتلئة بالضحكات، حركتهم التي تبدو ضبابية تماماً، حتى يخيل لك إصابتك بضعف البصر. لا ترى شيئاً بوضوح إلا هي، إبتسامتها، وكل تلك الوداعة التي تحيط بها. تتحدث مع صديقتها، وتهمس للفتاة التي تجلس على يمينها، تقرأ كل حرفٍ يخرج من ثغرها، تُقسم أنها لو نطقت بالأردو ستفهم، هي مولد اللغات، وقواعد النحو التي لا تألف سوى حركات القتل.

    مسحورٌ تجلس وسط كل هذا الضجيج، لا تشعر بأحد، ولا يشعر بك أحد، صوت نبضاتك يبدو مسموعاً، تبدو بطيئة، وكأن قلبكَ فتاةٌ مفجوعة، لا تدري ما هذا السائل الأحمر الذي يخرج من ذلك المكان لأول مرة، باغتها فائضاً، وهي لا تزال ذات عشرة أعوام. تلك الخصلة التي تتدلى يُمنةً ويسرى تداعب رمش عينها، تمقته جداً، تود لو كٌنتَ مكانه، لا بل تود لو كنت طوق ياسمين على جيدها الرقيق، أو سلسال يغفو على صدرها الفاتن، الغاشم والمستفز. وحيدٌ تمكث هناك، لا تشعر بالزمن ولا يشعر بك، أفلتتك الثواني في سعيها السريع الجاد، أغفلتك وراءها للأبد.

    المكان مضئٌ جداً، لابد أنه وجهها، قطعةٌ سقطت من القمر، تهلع وتكاد تبدأ بالصراخ، لن يزورنا القمر مجدداً، ستنتقم منا الشمس للأبد، فالقمر أسقطنا قلبه ومات. موتُ القمر مقابل حياة الخليقة، لابد لمن يراك أن يُبعثَ مجدداً مهما كان به من ذبول، حضورٌ كقطرةٍ ماءٍ على ريقِ صائم. يدها مقبوضة برفق، طفل حديث الولادة أمسك بيدِ القابلة كصدفةٍ تنطق الإمتنان بإعجاز، تحمل فكها الدقيق، تتوسدها تلك الإبتسامة الخجولة، بنظراتها الرحيمة وعيونها القاتلة، جفونها بحركتهما يدوخان تلك الرئة التي تعبت كثيراً من الشهيق والزفير. ستصاب بسكتة!

     أنا مجنون، ما الذي يدفعني إلى ما أنا فيه الآن، من هذه الفتاة؟ أيعقل أنني أحببتها في عالمٍ آخر! هذا هو المنطق الأكثر أقناعاً، لا يمكن لغريبٍ إن يبدو مألوفاً لهذه الدرجة، تبدين مألوفةً جداً آنستي، تلك البشرة القمحية النضرة لمستها من قبل، أحاديثك التي لا أراها سوى حروفٍ لطيفة أسمعها صوتاً أنثوياً أصيلاً. نهضتْ كقاضي حكم بالإعدام على متهمٍ برئ معلناً نهاية الجلسة، وإنتصار المأساة. يدٌ ضخمة تلمس كتفك. لابد أنه السجان يودُ أخذك لزنزانتك المظلمة: معذرةً سيدي، لقد إنتهى العُرس، لابد أن تغادر! تلتفت فترى رجلاً يرتدي زياً رسمي وبطاقةٌ على صدره مكتوب عليها (نادل) نعم؟ ماذا؟ كيف؟ مرتبكاً هل إنقصت ساعتان؟

     الجميع يهم بالخروج، مشدوهاً وباحثاً عن ذلك الوجه وتلك الأنثى فلا تجدها، ترى مَلمحاً يمر على ناظريكَ كصورةٍ خاطفة، ظبية تغيب مع نهاية الممر منعطفة لليسار، طرف تلك اليد الناعمة القكان شريكاً بالجريمة. تركض نحوها، تدافع النساء، الأطفال والشيوخ تاركهم لنعوتهم وسبابهم بقلة أدبك، أنا أي شيء اليوم، لا أكترث. راسك يتحرك كأنيمومتر خرب، شيء يخبرك أنها قريبة جداً، تفترس الوجوه والمارة كمعتوه، تاكسي يقف على بعد ست أمتار، لا تنتبه إلا وطرف وشاح أزرق يداعب الرياح من خارج النافذة. نعم إنها هي. لقد ضاعت!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة