تأشيرة خروج*

السمؤال

     في صباح مشرق، مشرق جداً، مشرق بما يفوق إحتمال البصر والمسام، كعادة صباحات الخرطوم، تطلع الشمس على غسان، شاب في مقتبل العمر، يحمل أوراقه اللازمة للخروج للمرة الأولى صوب المُغتَرَب، بعينين مليئتين بالأحلام، وأمامه تماماً في الصف الممتد داخل جهاز تنظيم شئون المغتربين، يقف الحاج، شيخ في العقد الخامس من العمر، قضى جل عمره متنقلاً في الوظائف الحكومية والخاصة في بلاد الغربة. غريباً يحمل حلم العودة العصي على التحقق، ينتظران منذ الفجر أن يفتح الشباك الناطق مصراعيه، في سبيل الحصول على تأشيرة خروج، تتيح للحاج العودة إلى سجنه الإختياري، ولغسان الخروج صوب الحلم.

     وما بين غسان والحاج سنوات عددا، وتجارب لا تحصى ولا تعد، وما بين غسان والحاج حوار بريء، غسان يسأله عن الحياة في تلك الدول التي تغسل شوارعها بالبترول الخام. كيف الحياة هناك يا عم؟ هل ينقطع إمداد الكهرباء؟ هل (تشخر) صنابير المياه في وجه من يبتغي حتى الوضوء فيما تسميها الحكومة (أوقات الذروة)؟ كم توفر في اليوم؟ الشهر؟ السنة؟ هل سأمتطي سيارة في يوم ما؟ كم من الوقت سأنتظر قبل أن تكون لي زوجة؟ أبناء؟ حياة أخاف الموت كي لا أتركها خلفي؟ والعجوز يبتسم. يتابع تألق عيني الفتى القلقتين المتوهجتين الملتهبتين المائجتين بالأسئلة والأحلام. ثم قال:

     – يا ولدي .. الغربة دي حارة .. بتقدر عليها؟ 

    ولغسان إجابتان على ذلك السؤال، أولاهما كانت داخله، صدىً تردد داخل جدران قلبه متهكماً: “حركات المغتربين دي .. وكان حارة طيب قاعد عمرك كلو هناك بتسوي في شنو؟ لا .. وكمان جاي أول زيارة للبلد بعد ستمية سنة عشان يقول لينا نحن الغربة حارة .. حارة بتاع ……؟” وثانيهما تلك المحتشمة، التي خرجت من بين شفتيه بأدب جم:

   – لكن نسوي شنو يا والد؟! البلد بقت طاردة .. والحياة صعبة .. يعني علشان أنا أعمل بيت وأسرة أنتظر لي تلاتين أربعين سنة تاني .. وهو زاتو بعد أربعين سنة إحتمال أكون في نفس ذات المكان.

   واسترسل في سرد أحداث حياته الماضية، تلك السنين الغضة التي لم تتجاوز الثلاثين بعد. قبل أن تفتح النافذة الجامدة مصراعيها وتتحدث، ثم تستلم الأوراق تباعاً، وتمنح الهاربين تأشيرات النجاة (بحسب أقوال غسان) تأشيرات العذاب (حسبما أفاد الحاج).

    وعند وصول الحاج إلى شباك الإجراءات، مد يده يسلم الأخشاب البالية أوراقه التي تثبت أنه ظل بعيداً عن أهله، صحابه، أحبابه، ذكرياته، وذاكرته. ما مجموعه إثنتي عشرة سنة دون أي عام. لكن النافذة لم تر سوى أرقام، أرقام تتراقص أمام عينيها المعتمتين وتتكاثف، تتزايد، تتصاعد، حتى نطقت قائلة:

    – اتنين وسبعين ألف وخمسمية تلاتة وتلتين جنيه يا حاج.

هكذا، دونما إكتراث، ألقت رقمها ثم صمتت، والحاج يسأل ببطء جازاً على أسنانه:

     – بالجديد ولا بالقديم؟ 

    – آااا .. صاح .. ما هو إنت طولت من البلد .. طيب يا عمو نقولها ليك باللغة البتفهمها .. إتنين وسبعين مليون وخمسمية تلاتة وتلتين ألف جنيه يا عمو.

    بدا وجه الحاج كسماء تتكاثف غيومها سراعا قبل هبوب إعصار، وعيناه تستدعيان كريات دمه الحمراء كي تصبغ بياضها إحمراراً قانياً، وملامحه تتقلص، تنكمش، تتجهم، ثم يصرخ بتساؤل غاضب محتدم:

    – إنتي جنيتي؟! إتنين وسبعين شنو يا زولة؟! كيف يعني أدفع ليكم إتنين وسبعين مليون؟!

    قالت النافذة بذات الجمود:

    – لو سمحت يا عمو، مافي داعي للاساءة .. دة القانون بيقول كدة .. أنا ما جايبة حاجة من عندي .. لو عندك شكوى ولا طلب تعديل ولا تأجيل ولا تخفيض ممكن تمشي الشباك رقم…

    كان وجه الحاج حينها قد تشكل إعصاراً مكتمل الأركان، برياحه وأمطاره ورعوده وبروقه، قاطعها يزأر بعنف:

    – أمشي وين؟ وحاط الله من هنا شبر ما أمشي .. وحاااااااااااااااااط اسم الله ملمتر من هنا ما بتحرك .. وحااااااااااط اسم الله كان جا البشير ما أمشي من هنا شبر .. إتنين وسبعين مليون؟! إنتي قايلاني شنو أصلو؟!

    قالت النافذة:

    – وخمسمية تلاتة وتلتين ألف جنيه يا حاج.

    عندها لم يتمالك الحاج نفسه، وبدأ في الصراخ بلا هدف، يحادث الجميع، كل من حوله، من خلفه في الصف، جيرانه في الصفوف المجاورة، كل النوافذ، دون أن يتحرك قيد أنملة من مكانه أمام غسان، الذي كان قد بدأ في التململ، وهو يرى غضبة الحاج تحاول جاهدة تأخيره عن تحقيق حلمه الأخير. فمال على أذن الحاج هامساً:

    – يا يابا لو سمحت بس خليني أخلص إجراءاتي بعد داك نشوف مشكلتك دي مالها.

    صمت الحاج عن الصراخ، لكن ملامحه إزدادت تقطيباً، وهو يطالع وجه غسان بامتعاض بائن، وإشمئزاز لا تخطئه عين، ثم قال:

    – ماهو أصلاَ المشكلة فيكم إنتو ديل .. شباب خنع لا خير فيكم .. أي حاجة يقولوها ليكم تقولو ليهم آمين .. لا بتهشو لا بتنشو .. الله يخيب أملكم زي ما خيبتو رجا البلد دي.

    كتم غسان غضبه بملامح جامدة مهيبة، وقال بصبر يوشك على النفاذ:

    – معليش يا حاج .. حقك وحق البلد والعالم والكرة الأرضية كلها علي أنا دا .. ممكن لو سمحت بس تزح لي من الشباك أكمل اجراءاتي بعد داك إنت تكمل إعتراضاتك دي؟

    – لا .. ما بزح .. وكان راجل تعال زحني!

    – الله يطولك يا روح. – أو كما نطقت دواخل الشاب الغاضب – وهو يضع كفيه على جانبي خصره، يرفع بصره صوب السقف، يستجمع شتات الصرخة القادمة، ويتعالى الصراخ من الجانبين، من كافة الجوانب، من كل الواقفين في الصف خلف الحاج ينتظرون تأشيرة الهرب، ومن الحاج، ومن غسان، والنافذة صامتة تترقب، ويقترب من باب الصالة شرطي يرتدي ملابسه الرسمية، يطالبهم بالهدوء، وما من مجيب، حدجه الحاج بنظرة حانقة تقطر دماً، ثم كرر جملته تلك:

    – وحاط اسم الله كان جا البشير ما أمشي من هنا شبر.

    ليضحك الشرطي بلا مبالاة، ثم يردف:

    – ياخ هو البشير شغلتو بيك شنو يا مرض .. خليك واقف كدة .. شوف كان إجراءاتك دي تمشي .. مواطنين مرض ياخ.

    هكذا فقط، ثم عاد إلى مقعده أمام الباب، يحتسي كوب شاي.

    ومن بين اللعنات والصراخ والعويل تأتي صبية ما، ترتدي جاكيت وجيبة زرقاوين، تنحني على أذن غسان ثم تهمس:

    – يا شاب .. إنت شكلك ود ناس كدا .. أديني ورقك دا أخلص ليك اجراءاتك .. مالك ومال الشقا والإنتظار؟

    نظر اليها غسان مطولاً وهي تواصل:

    – خليك من عمك دا .. دا بتاع مشاكل ساي .. جيب ورقك بخلصو ليك أنا في دقيقة واحدة بس .. لا شبابيك لا إنتظار .. لا خلافو.

    يواصل غسان النظر إليها، حتى إستوعبت، لم ينبس ببنت شفة حتى الآن، فقالت:

    – وفي القروش .. ما بنختلف يا زوق.

    ثم إبتسمت.

    ومن بين شفتي غسان بدأت في الظهور إبتسامة من خلف غيوم التجهم، كنبتة سحرية تبدأ في النمو سريعاً في صحراء قاحلة، تحولت تلك الابتسامة عند اكتمالها إلى ضحكة مجلجلة، ثم قهقهة طويلة الأمد، لفتت إنتباه الجميع إليه، هل جن الفتى الغض في إنتظار النافذة؟

    قال عقب أن إنقطع ضحكه:

    – هسي يا بتنا أنا كان عندي قروش البوقفني هنا من أول الصباح شنو؟ من قبل ما الشمس تشرق .. شمس شنو ياخ .. أنا مصلي الفجر هنا .. بالله إنتي ما عندك شغلة تقضيها؟

    ولكن ذات الرداء الأزرق لم تتوقف عن الفحيح في أذنه:

    – يعني هسي مياية ساااااي طايرة ما عندك بيجاي ولا بيجاي تخلص بيها روحك من الزهج والقرف دة؟ ياخ خلص نفسك يا ولدنا .. أنا كان ما شكلك ود ناس وحيات الله ما بجيك ولا بسالك زاتو.

     أجابها بصبر نافذ:

     – ياخ أنا خليني .. أمشي لعمك الجايط دة .. عمرو كلو في الخليج .. خليهو يرقعك بمية وأجلي ليهو قروشو.

     قالت الفتاة بما يشبه الهمس:

     – الزي ديل ما منهم كدّه .. أسألني أنا.

     ترامى ما قالت إلى مسامع الحاج، فإلتفت إليها متابعاً صراخاً خاصاً موجهاً إليها:

     – لا هو كمان ما فضل إلا الخادم دي أديها ورقي وتساعدني قال .. مليتو البلد الله يازاكم.

     ليتعالى صوت من آخر الصفوف:

     وكمان جابت ليها عنصرية يا معفن إنت؟! ياخ إنت إترميت علينا من ياتو نصيبة ياخ؟!

     وصوت آخر:

     – أجدعوهو بره الزفت دا ياخ.

     وصوت ثالث:

    – يااااجنابو .. إنتو في أي ملف بتدقو في المواطنين .. هسي يعني حبكت في عمك دا؟ ياخ شيلو بره أديهو علقة حارة كدا.

    يلتفت الشرطي الجالس على المقعد أمام الباب يحتسي الكوب بعد الآخر:

     – والله ولا عندي بيكم شغلة .. خليهو جايط كدا .. مواطنين ما منكم فايدة.

     والفتاة ما زالت تهمس في أذن الشاب:

     – هات ورقك.

     والشاب يصرخ بصبر نافذ:

     – ما عندي ليك شيء .. حلينا من عمك دا.

     والحاج يصرخ بلا هدى، ويكيل الشتائم للجميع:

     – ما متحرك من هنا .. والبيحصل يحصل.

     ودونما أي مقدمات، تغلق النافذة مصراعيها، ودون أدنى إعتذار حتى، فالجميع يعلم أنه ذلك الوقت الصباحي المقدس (وقت الفطور).

      ومن بين تعالى الصرخات، وصمت الشرطي، وفحيح الفتاة، يهمس غسان:

      – هذا هو .. هذا هو حلمي الضائع .. روحي المغبونة .. وأضوائي الذابلة .. السودان هو الآخرون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مقتبس من مسرحية جون بول سارتر (لا مخرج)

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان