الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة:عن رواية القصص و مفتاح الكتابة الجيدة عند آيريس مردوك

ترجمات خاصة:عن رواية القصص و مفتاح الكتابة الجيدة عند آيريس مردوك

irismurdoch3

لقراءة الموضوع الاصلي( هنا )

تقول أورسولا لي جوين في إحدى ملاحظاتها التأملية للفن وحكاية القصص:” إن أحد أدوار الفن ومهامه أن يمنح الناس الكلمات لمعرفة تجربتهم.. ورواية القصص أداة لمعرفتنا ومعرفة ما نريد “. و لأن معرفة الذات هي إحدى أصعب فنون العيش، ولأن فهم ذواتنا هو اللازمة السابقة لفهم أي شخص آخر، ولأنه يصعب علينا سبر أغوار أي شخص آخر قبل أن نغوص في أعماقنا السحيقة فإن الفن لا يجعلنا فقط بشرًا بل وإنسانين.

كان هذا ما كشفته الفيلسوفة والروائية آيريس مردوك – إحدى ألمع عقول القرن العشرين- في حوارها الطويل والعميق والمُلهم جدًا سنة 1977 مع المذيع والفيلسوف براين ماكجيّ، والذي أذيع في سلسلة ماكجيّ التلفزيونية والتي حملت اسم رجال الأفكار ( وهو العصر الذي كانت كل امرأة “رجلًا” ). لاحقًا عُدل نص الحوار و نُشر في مجموعة مقالات ومقابلات مردوك العميقة والمعنون بـالوجودي والباطني: كتابات عن الفلسفة والأدب.

بدأت مردوك الحوار بالتعليق على الفرق الجوهري بين مهمة الفلسفة ومهمة الفن: فأحدهما للتوضيح والتجسيد والآخر للتحيير والتوسيع، فتقول:

” الكتابة الأدبية فن،شكلٌ من أشكال الفن. ربما كانت طمسًا للذات أو ربما كانت تعظيمًا لها، ولكن إذا كانت أدبًا فإنها تحمل بين طياتها نية وقصدًا فنيًا، واللغة المستخدمة بشكل مُفضل مخصص ارتباطًا ” بالعمل ” قصر أو طال تشكل جزءً من ذاك الفن. لذا فلا وجود لأسلوب أدبي أو أسلوب أدبي مثالي بالرغم طبعًا من وجود كتابة حسنة وأخرى سيئة”.

بعد قرن من اختبار نيتشه لقوة اللغة في كتم وإظهار الحقيقة وقبل سنوات من إلهام أوليفر ساكس الرائد عن كون الحكاية ركنٌ من أركان الهوية أخذت مردوك بعين الاعتبار كيف أننا كمخلوقات حكاءة نستخدم اللغة في الفنون الأدبية وفنون العيش الموازية:

“إن الأساليب الأدبية طبيعية جدًا بالنسبة لنا،قريبة جدًا من حياتنا الاعتيادية ومنهج حياتنا كمخلوقات تأملية. ليس كل الأدب خيالًا ولكن الجزء الأعظم منه كذلك أو يضم خيالًا،و يضم ابتكارًا وأقنعةً وتمثيل أدوارًا والتظاهر والتخيل وحكاية القصص. فحين نعود لمنازلنا “ونتحدث عن يومنا” فإننا نحول المادة التي بين يدينا فنيًا إلى قصة(وهي عادةً ما تكون قصصًا طريفة عرضًا). إذًا وكمستخدمين للكلمات نحن نعيش جميعًا في محيط أدبي،نحن نهيش الأدب ونتنفسه،نحن فنانون أدبيون،نحن نوظف باستمرار اللغة لخلق أشكال ممتعة من تلك التجارب التي تبدو عادةً مملة و مفككة. أما مدى ما ستتضمنه إعادة التشكيل من إساءة للحقيقة فهي مشكلة على أي فنان أن يواجهها. إن الدافع العميق لخلق أدب أو فن من أي نوع هو الرغبة بهزيمة غموض العالم و عدم امتلاكه لشكل و إبهاج النفس ببناء أشكالًا مما يمكن أن يبدو لولاه أنقاضًا ضخمة من اللامعنى الفارغ”.

salvadordali_alice3

وعلى غرار هيمنغواي وتحذيره من خطر الأنا في العمل الإبداعي حذرت مردوك من ذلك بقولها:

” نحن نريد أن يكتب الكاتب كتابة جيدة وأنا يملك بين يديه شيئًا ممتعًا لقوله.ربما علينا التمييز بين الأسلوب الملاحظ والحضور الذاتي،فلشكسبير أسلوب مُلاحظ مميز ولكن دون أي حضور بينما للكتاب من أمثال دي إتش لورانس أقل دليل على وجود أسلوب مميز ولكن حضور قوي. وبالرغم من العديد من الشعراء وبعض الروائيين يخاطبوننا بشكل شخصي جدًا فإن العديد من أفضل الأعمال الأدبية لا تحوي حضورًا قويًا ملموسًا للمؤلف فيها. وإذا كان الحضور الأدبي مهيمنًا جدًا كما في أعمال لورانس فيمكن أن يؤذي العمل ويضره وذلك على سبيل المثال حين تكون إحدى الشخصيات المفضلة هي الناطق بلسان المؤلف. ودومًا ما تكون الكتابة السيئة بالمجمل طافحة بهيجان الشخصية.

ثم تعد مردوك المشاعر القوة المحركة للفن فتقول:

” يُمكن أن يسمى الأدب أسلوبًا منضبطًا لإثارة نوعٍ محدد من المشاعر (وبالطبع هناك أساليب أخرى مشابهة). سأضمن تعريف الفن أنه مثير للمشاعر بالرغم من عدم كون كل فرصة للفن المجرب مناسبة شعورية. إن طبيعة الفن الحسية هي المضمنة هنا،حقيقة أنه يهتم بالأحاسيس البصرية والسمعية بل وحتى الجسدية. إذا لم توجد أية أحاسيس فلا وجود لأي فن،وهذه الحقيقة وحدها ما تجعل الفن مختلفًا عن النشاطات “النظرية”.. الفن مبارزة خطيرة مع قوى لاوعية. نحن نستمتع بالفن حتى الفن البسيط لأنه يقلقنا عادة بأشكال شديدة الغموض و لا تسبر أغوارها،و هذا أحد الأسباب لكونه جيد لنا حين يكون جيد ومضر بنا حين يكون سيء.

iliadodyssey_provensen0

تُقدم لنا مردوك تعريفًا في محاولة منها لتوسيع نطاق أفكار الإغريق المُشكلة جدًا بالنسبة لفهمنا للفن:

“الفن محاكاة وكذلك هو الفن الجيد،ولاستخدام مصطلح أفلاطوني آخر: تذكر أو “ذاكرة” لما لم نعلم أننا لا نعرفه.. فالفن “يحمل المرآة التي تعكس الطبيعة”، وبالطبع لا يعني هذا الانطباع أو “المحاكاة” التصغير و النسخ. ولكن من المهم أن نحتفظ بفكرة أن الفن عن العالم،و هو موجود في وجه معرفتنا الاعتيادية،و يمكن أن يوسع الفن هذه المعرفة و لكنها أيضًا تختبره.

ثم تأخذ بعين الاعتبار النظام البيئي للفن الجيد والسيئ في ثقافة البشر والعوامل الجوهرية للتفريق بين الاثنين:

“هناك دومًا فن سيء أكثر حول الفن الجيد وأشخاص أكثر يفضلون الفن السيئ على ذاك الجيد”.

إن الفن الجيد جيدٌ للناس الجيدين تحديدًا لأنه ليس محض أوهام ولكنه خيال،فهو يحطم قبضة حياتنا المملة الوهمية و يحرضنا ويدفعنا تجاه جهد الرؤية الحقيقية. نحنُ نفشل معظم الأحيان في رؤية العالم الحقيقي الكبير والشاسع بأكمله لأن الهوس والقلق والحسد و الامتعاض والخوف أعمتنا،ونخلق عالمًا صغيرًا وننطوي فيه. إن الفن العظيم يعتقنا ويحررنا ويمكننا من رؤية المتعة والشعور بها خارج ذواتنا. يثير الأدب نهمنا الفضولي ويرضيه، يرغبنا بالآخر وبالمشاهد الأخرى، و يساعدنا لنكون متسامحين و كريمين. إن الفن مُثقف ومعلم وحتى الفن العادي قادرٌ على إخبارنا بشيء كطريقة عيش الآخرين مثلًا. و لكن لا نعني بقولنا هذا أن نتمسك بنطرة منفعية أو موعظية للفن فالفن أكبر وأعمق من أفكار ضيقة كهذه.

بعد عقد من حديث جيمس بالدوين عن مهمة الفنان للمجتمع ونعتها بالسيف ذو الحدين تصر مردوك على عظم هذه المهمة فتقول:

أنا بالتأكيد لا أؤمن بأن مهمة الفنان هي خدمة المجتمع.

إن على المواطن واجبًا لمجتمعه،وربما أحس الكاتب أحيانًا بأن عليه أن يكتب مقال جريدة مقنع أو منشور ولكن ذلك سيكون نشاطًا مختلفًا. أما مهمة الفنان فهي الفن،مهمته أن يروي الحقيقة بمحيطه وطريقته، ومهمة الكاتب هو إنتاج العمل الأدبي الأفضل حسب قدرته وعليه أن يجد سبيلًا إلى ذلك.

وضعت مردوك تحت المجهر التأمل والتفسير اللذان يبنيهما الفن العظيم خلال مطاردته للحقيقة:

عادةً ما تبدو القصيدة أو المسرحية أو الرواية نمطًا مغلقًا، و لكنها منفتحة جدًا أيضًا بإشارتها إلى الحقيقة ما ورائها، و تثير مثل هذه الإشارة أو الإحالة أسئلة عن الحقيقة .. إن الفن حقيقة كما أنه نوع وبناء،هو تمثيلي كما أنه استقلالي. من المؤكد أن التواصل ربما لن يكون مباشر ولكن غموض الكاتب العظيم يخلق مساحات تمكننا من الاكتشاف والاستمتاع لأنه مداخل للعالم الواقعي وليست ألعاب لغة رسمية أو شقوق ضيقة للأوهام الشخصية، و نحن لا نسأم من الكُتاب العظماء لأن ما هو واقعي ممتع … يتمتع أي فنان حقيقي بحس التفريق بين نفسه وبين أي شيء آخر في ما يتعلق بشعوره بالتواضع لأنه يعرف أن ذلك أكثر امتلاءً بالتفاصيل و أكثر إدهاشًا و شناعة وروعة من أي شيء جربه قبلًا. هذا “الشيء الآخر” هو ما يُسمى ببساطة “الواقع” أو “الطبيعة” أو “العالم” و هذه هي طريقة الحديث التي لا يجب أبدًا أن نتخلى عنها.

وعن النقد تقول:

“إن الجمال في الفن هو العرض الخيالي المنهجي لشيء حقيقي، وعلى النقد أن يبقى حرًا ليكون عمله في مستوى يمكنه من الحكم على الحقيقة في الفن… إن التدرب على الفن هو تدرب أوسع على كيفية اكتشاف محك الحقيقة وهناك تدريب موازٍ في النقد.

تثمن مردوك العلاقة بين الأخلاقية والحقيقة الظاهرة باللغة:

“من المهم أن نتذكر أن اللغة بذاتها وسيط أخلاقي فكل استخدامات اللغة بمعظمها تنطوي على قيمة،و ذلك أحد الأسباب لكوننا دومًا نشطين أخلاقيًا. والحياة مُشبعة بالأخلاق والأدب مُشبع بالأخلاق. إذا حاولنا وصف هذه الغرفة فإن وصفنا سيحمل طبيعيًا كل أشكال القيمة، والحالة الوحيدة التي تكون فيها القيمة مزيفة و صعبة الفصل هي الناتجة عن اللغة ذات الأغراض العلمية. لذا فإن الروائي يكشف قيمه بأي شكل من أشكال الكتابة التي سيمارسها، و هو مُلزم بخلق أحكام أخلاقية طالما كانت مادته سلوك الكائن البشري… إن حكم المؤلف الأخلاقي هو الهواء الذي يتنفسه القارئ”.

و تُضيف:

“الفنانون ثوريون عادةً بشكل أو بآخر،و لكن للفنان الجيد حس بالواقع وربما نقول عنه أنه يدرك “كيفية الأشياء” ولمَ هي على هذا الحال… و يرى الفنان العظيم الدهشة التي تخفيها الأنانية المُقلقة عن بقيتنا. ولكن ما يراه الفنان ليس مختلفًا أو منفصلًا بل هو مجازيًا قطعة من أرض الأحلام. إن الفنان يقحم جزءً كبيرًا من شخصيتها في العمل”.

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن،أُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش.