الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: اكتشاف وسيلة علمية للتلاعب في ذاكرة الفئران ، فهل يأتي الدور على ذاكرة الإنسان؟!

ترجمات خاصة: اكتشاف وسيلة علمية للتلاعب في ذاكرة الفئران ، فهل يأتي الدور على ذاكرة الإنسان؟!

03-alter-memories.adapt.470.1

لقراءة الموضوع الأصلي( هنا )

بقلم : Sara Gibbens

 الذاكرة …هل تتذكر شعورك حينما ركبت الدراجة لأول مرة في حياتك؟… هل تتذكر أول قبلة؟ …ماذا عن صدمتك الأولى؟…..

ذكريات… وذكريات، لحظات لا تنسى، ومشاعر تحفزها، فيتردد صداها في عقولنا عبر السنين، وتتراكم الذكرى تلو الأخرى، فتتجمع ، لتشكل ذلك الجوهر الذي يحدد هويتنا الفردانية ويميزها : الذاكرة.

ولكم من خبرات موجعة يقاسيها الإنسان على مدار أيام عمره، فتبقى ذكراها حية تهاجمه يوما بعد يوم، تعذبه آناء الليل وأطراف النهار، ويستحوذ الألم عليه، فيعتصره، ويغتال نفسه وعقله، حتى يصل الأمر أحيانا إلى الإصابة بصدمة نفسية قاسية  يتعذر علاجها .

فماذا لو توصل العلماء لوسيلة تمكنهم من إلغاء كثير من الآلام التي تسببها الذكريات الصادمة ؟!

 مع تطور فهمنا للدماغ البشري، صار علماء الأعصاب يقتربون يوما بعد يوم، وخطوة بعد خطوة، من تحقيق حلمهم بالتوصل للتقنية العلمية التي تمكنهم أخيرا من التدخل في ذاكرة الإنسان والتلاعب بها لعلاج الحالات المرضية الحادة مثل الزهايمر واضطراب ما بعد الصدمة.

لذا وفي سعيهم المحموم نحو هذا الحلم المنشود، يجري العلماء تجاربهم الحالية في هذا السياق على الحيوانات، وتحديدا الفئران؛ وبالفعل تبدو نتائج تلك التجارب واعدة جدا، ومع استمرار نجاحها وتقدمها يتطلع العلماء إلى الخطوة التالية والأهم والمتمثلة في إجراء تلك التجارب على الإنسان .

ولكن … ماذا عن الجانب الأخلاقي؟

هل يحق أخلاقيا للعلماء التدخل في ذاكرة الإنسان وإجراء تغييرات بها؟ ما مدى أخلاقية تغيير جزء أساس ومكون جوهري من مكونات الهوية الفردية للشخص عبر التلاعب في ذاكرته؟

لكي نحاول الإجابة على تلك الأسئلة علينا أولا أن نعرف : ما هي الذاكرة ؟

يعرف علماء الأعصاب” الذكرى المفردة ” بأنها عبارة عن تغير مادي في نسيج المخ المرتبط بالتذكر، ويطلقون عليها ” إنجرام ” ؛ وقد كشفت عمليات المسح الدماغي أن الذكرى المفردة / الإنجرام لا تنحصر في جزء محدد من المخ وإنما تنتشر عبر أنسجته العصبية في شكل ذبذبات ملونة؛ في هذا السياق يقول عالم الأعصاب بجامعة بوسطن، والمستكشف في ناشونال  جيوجرافيك، الباحث ستيف راميريز : { لا ترتكز الذاكرة في مكان واحد  من الدماغ، وإنما هي أقرب لشبكة موزعة عبر المخ }

فمن مجموع كافة المدخلات : السمعية والبصرية واللمسية، والتي تتجمع عبر المراكز المتعددة للمخ، تتكون الذاكرة .

وقد تمكن العلماء أخيرا من تتبع كيفية تحرك الذكريات عبر المخ، تماما مثلما  يتتبع المحقق آثار الأقدام على الثلوج !

خلال تواجده في معهد ماساتشوستش للتكنولوجيا، تمكن راميريز وشريكه الباحث شو ليو، من إحراز تقدم كبير في أبحاث الدماغ على الفئران، حيث استطاعا تحديد واستهداف الخلايا المكونة للذكرى المفردة في دماغ فأر التجارب، ثم قاما بزرع ذكرى “وهمية ” في تلك الخلايا، وكانت تلك الذكرى عبارة عن أمر مخيف لم يتعرض له الفأر في العالم الواقعي، ثم قاما بتعريض الفأر لحافز مثير لتلك الذكرى الوهمية المخيفة، وبالفعل استجاب الفأر للعامل المحفز للخوف بناءا على تلك الذكرى الوهمية المزروعة في دماغه.

و يقول راميريز أنه بالرغم من كون أدمغة البشر أكثر تطورا بكثير من أدمغة الفئران، إلا أن تلك التجارب الحالية سوف تساعد علماء  الأعصاب على فهم كيفية عمل ذاكرة البشر بشكل كبير.

نسخ …لصق…حذف:

يقوم راميريز وزملاؤه في الوقت الحالي بإجراء أبحاثهم العلمية حول ما إذا كانت الذكريات الإيجابية والذكريات السلبية يتم تخزين كل منها في مجموعة مختلفة من  خلايا المخ، وما إذا كان يمكن” محو” الذكريات السلبية بذكريات إيجابية .

ولإجراء التجارب العلمية اللازمة لاختبار تلك الفروض، يقوم فريق البحث أولا بحقن أدمغة الفئران بمادة تحتوي على بروتينات فلورية / مشعة، بالإضافة لزراعة ألياف بشرية عبر التدخل الجراحي في أدمغتهم، وذلك لإعدادهم للتجربة؛ ثم بعد ذلك يتم استخدام نظام غذائي معين لتلك الفئران يهدف لمنع المادة المشعة من التألق  إلى حين استعداد الباحثين لاستكمال خطوات التجربة .

ثم تأتي الخطوة التالية من التجربة، والمتمثلة في إنشاء الذكريات الإيجابية والذكريات السلبية، حيث يتم إنشاء الذكرى الإيجابية من خلال وضع الفأر الذكر مع فأر أنثى في قفص لمدة ساعة؛ أما الذكرى السلبية فيتم إنشائها عبر وضع الفئران في قفص آخر و تعريضها لصدمات قصيرة، وبالطبع يتم ربط كل من الذكرى الإيجابية والذكرى السلبية بعوامل محفزة ترتبط ارتباط شرطي بالخبرة المكونة لكل من  نوعي الذكرى .

بعد ذلك يقوم العلماء بإثارة العوامل المحفزة  للخلايا المرتبطة بالذكرى الإيجابية أو الذكرى السلبية .

وقد توصل الفريق البحثي لمجموعة من النتائج، أهمها أنه عند تحفيز الخلايا المرتبطة بالذكرى الإيجابية أثناء تعريض الفأر للخبرة السلبية، فإن استدعاء الذكرى الإيجابية يقلل كثيرا من أثر الخبرة السلبية على الفأر، بمعنى آخر، حينما يتم تحفيز الذكرى الإيجابية للفأر أثناء وضعه في القفص الذي مر فيه بالذكرى السلبية (تلقي الصدمات) المخيفة، فإن الذكرى الإيجابية المثارة قد قللت كثيرا من إحساس الفأر بالخوف. وبذلك استنتج الفريق البحثي انه عبر تحفيز الذكرى الإيجابية لدى الفأر فإن ذلك قد أسهم في تخفيف أثر الصدمات التي تعرض لها .

ولكن يتبقى الفرض الثاني مطروحا أمام راميريز وزملائه، والذي يمكن صياغته في السؤال : هل يمكن أن يسهم تحفيز الذكرى الإيجابية في ” محو” الذكرى السلبية  تماما واستبدالها بالذكرى الإيجابية؟ أم أن الذكرى السلبية تتراجع فقط لكنها تبقى موجودة ؟ … مازال فريق راميريز يحاول التوصل لإجابة عن هذا السؤال.

أما عالمة الأعصاب من جامعة تورنتو، شينا جوسلين،  فقد تمكنت بالفعل، باستخدام تقنيات مختلفة عن تلك التي استخدمها راميريز، من ” محو” ذكريات الخوف – الذكرى السلبية- تماما من ذاكرة الفئران!

حيث قامت هي وفريقها البحثي أولا بتحديد خلايا المخ المرتبطة بالذكرى السلبية، ثم قاموا بعد ذلك بقتل تلك الخلايا من خلال حقنها بسم الدفتريا – وهو مرض يمكن للفئران أن تتحمله دون أن يقضي على حياتها – وبالفعل، وبمجرد موت تلك الخلايا المرتبطة بالذكرى السلبية توقفت الفئران عن الإحساس بالخوف المرتبط بالخبرة التي تشكل تلك الذكرى، أي أن الذكرى السلبية قد تم مسحها فعلا   بشكل أساسي.

من الفئران إلى البشر :

يرى كل من راميريز وجوسلين أن تجاربهما على الفئران إنما يمكن أن تؤدي في المستقبل إلى إمكانية التوصل لعلاج حاسم لبعض أنواع الأمراض النفسية والدماغية التي تصيب البشر؛ في هذا الصدد يقول راميريز : {هؤلاء الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب نتيجة لمرورهم بخبرات مؤلمة، قد نتمكن في المستقبل من تغيير ذكرياتهم واستبدال الذكرى السيئة التي سببت لهم الصدمة، بأخرى إيجابية جيدة، بما يؤدي في النهاية لانخفاض استجابتهم العاطفية تجاه محفزات الذكرى السلبية المؤلمة }

من جانبها، تأمل جوسلين أن تسهم التجارب الحالية على الفئران في إيجاد علاج في المستقبل للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عصبية مثل الفصام والزهايمر .

وفيما يتعلق بإمكانية تطبيق تلك التقنيات الحالية التي تم استخدامها مع الفئران، على البشر، يرى كل من جوسلين وراميريز أن ذلك أمر يتعذر فعله، حيث يصف راميريز العملية بأنها تتضمن إحداث قطع في جمجمة الفأر وكشف النسيج العصبي بالدماغ، وبالطبع فتلك عملية يصعب تماما تطبيقها على الإنسان، إلا أن راميريز يأمل في أن يتم التوصل مستقبلا إلى وسيلة أخرى قابلة للتطبيق على البشر؛ أما جوسلين فترى أنه يمكن في المستقبل استخدام الحقن أو تناول عقاقير كيميائية معينة كتقنيات أكثر قابلية للتطبيق على الإنسان.

وفي كل الأحوال، وأيا كانت التقنية التي سيتم التوصل إليها مستقبلا، فمازالت هناك عقود كثيرة تفصلنا عنها.

ولكن… هل يتعين علينا فعل ذلك  ؟!

في حال استطاع العلماء تحقيق حلمهم المنشود بالتدخل في ذاكرة الأفراد وإحداث تغييرات بها، فمن الذي يجوز أن تطبق عليه تلك التقنية ؟ ولو نظرنا لها على أنها علاج لبعض الأمراض العصبية والدماغية، فمن يحصل على هذا العلاج؟ أهو فقط الشخص الذي  يستطيع تحمل تكاليفه ؟ .. وماذا عن الأطفال ؟ هل يجوز أن يتم تطبيق تلك التقنية – أو العلاج- عليهم؟

وما هو موقف العدالة القضائية في حال تطبيق تلك التقنية على أحد شهود العيان في قضية ما، أو على الضحية ذاتها؟ كيف يمكن الاعتماد على شهادة أشخاص تم التلاعب في ذاكرتهم ؟  وماذا عن وضع الضحية إن كانت لا تتذكر وقوع الجريمة بحقها؟

كل تلك الأسئلة، وغيرها، يطرحها بروفيسور آرثر كابلان، عالم أخلاقيات البيولوجيا بجامعة نيويورك،  في وجه العلماء؛ والحق أنها أسئلة حيوية تستحق أن نفكر فيها جميعا منذ الآن وقبل أن يتم التوصل لإمكانية تطبيق تلك  التقنية على الإنسان.

{حينما يتعلق الأمر بالتلاعب في  الذاكرة}  ..يقول كابلان {فإنه يتعين على كل من العلماء ومشرعي القوانين التفكير جيدا في المعايير التي يمكن من خلالها تحديد الأشخاص الذين يسمح بأن تطبق عليهم تلك التقنية ، حيث لا ينبغي أن تكون متاحة للتطبيق على الجميع ، وإنما يجب أن يتم قصرها فقط على فئات بعينها مثل هؤلاء الذين يعانون من درجة حادة من اضطراب ما بعد الصدمة ولم تنجح العلاجات الأخرى في شفائهم }

في نفس السياق ، يطرح كابلان سؤال آخر عظيم الأهمية : بافتراض أن أحد الجيوش قد قام باستخدام تقنية تغيير الذكريات  كعلاج للمحاربين  الذين أصيبوا باضطراب ما بعد الصدمة جراء ما لاقوه في الحرب، فهل يجوز تغيير ذكريات الجنود الذين سيعودون لميدان المعركة من جديد؟ وماذا عمن ارتكب منهم فظائع أثناء الحرب، هل يجوز أن يتم محوها من ذاكرتهم وكأنهم أبرياء لم يرتكبوا أي شيء؟

عند طرح تلك الأسئلة على علماء  الأعصاب، فإنهم  يؤكدون عليها ويقرون بأهمية وضرورة البعد الأخلاقي في الأبحاث العلمية على الذاكرة ، وأنهم إنما يأخذون في اعتبارهم تلك المعضلات الأخلاقية مع كل خطوة يخطونها في أبحاثهم وتجاربهم.

أما راميريز فله رأي مغاير قليلا، حيث يرى أن فكرة إجراء تغيير في ذاكرة شخص ما في حد ذاتها لا تتعلق بالأخلاق، وإنما تكمن الأخلاقية من عدمها فقط في ” كيفية الاستخدام “؛ فكما أن الماء ليس جيدا ولا سيئا، فإن تغيير الذاكرة ليس بأخلاقي أو غير أخلاقي    ؛  وكما أن الماء الذي يمكن استخدامه لتغذية وإنعاش الجسم ،يمكن استخدامه هو ذاته في إيهام شخص ما بالغرق ، فإن تلك التقنية الواعدة لتغيير الذاكرة يمكن استخدامها استخداما أخلاقيا مشروعا في علاج البشر ، أو استخدامها لأغراض تفتقر للمعايير الأخلاقية.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر