الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: ” زنوبيا ” الملكة المتمردة التي تحدت روما

ترجمات خاصة: ” زنوبيا ” الملكة المتمردة التي تحدت روما

Zenobia_Main_HEZ-2611381.adapt.676.1

بقلم : David Hernàndez de la Fuente

لقراءة الموصوع الأصلي ( هنا )

الثروة… الثقافة… القوة …..هي مقدرات فائقة ، حازتها مدينة تدمر الشهيرة بين جنباتها، في القرن الثالث بعد الميلاد.

تدمر… العاصمة الكوزموبوليتانية( العالمية ) للمقاطعة الرومانية التي تحمل نفس الاسم والتي تقع بجانب الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية المهولة ، وهو ما جعل منها مسرحًا مثاليًا لطموحات الملكة ” زنوبيا ” وأحلامها السلطوية .

بحلول القرن الثالث بعد الميلاد، كانت الإمبراطورية الرومانية غارقة في العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية؛ ففي حين كانت حدودها تتعرض لهجمات مستمرة ومتلاحقة، كان مركزها يكافح من أجل الصمود، ثم جاءت الهزيمة المنكرة للإمبراطورية على يد الفرس، ووقوع الإمبراطور فاليريان في الأسر عام260  ميلادية. وفي  أوروبا، تفاقم تمرد الغاليين على روما وبدئوا في الانفصال عنها، فصارت الإمبراطورية تواجه التهديدات من كل جانب وعلى كافة الأصعدة، مما أفضى في النهاية إلى وقوعها  في فوضى عارمة.

في وسط كل تلك الأحداث الضخام، كانت زنوبيا تراقب، من مدينتها تدمر، أحوال الإمبراطورية التي تزداد ضعفًا وتشتتًا مع مرور الوقت، وتتحين الفرصة التي طالما تاقت إليها لتحقيق حلمها الأعظم : الاستحواذ على الإمبراطورية الرومانية .

كان لتدمر تاريخ من التعاون مع الإمبراطورية الرومانية، وهو التعاون الذي عاد بعظيم الفائدة على  تلك المملكة الصحراوية – والتي تقع في وسط سوريا (حاليا)على  مسافة 130 ميلا من شمال شرق دمشق- فقد ازدهرت تدمر منذ أن انطوت تحت لواء الحماية الرومانية في القرن الأول بعد الميلاد، وبحكم موقعها الفذ على مفترق الطرق فيما بين عالم البحر الأبيض المتوسط الذي تحكمه روما، والإمبراطوريات العظمى في أسيا، صارت تدمر بمثابة  مركز استراتيجي واقتصادي عالمي عظيم الأهمية.

 

عظمة تدمر :

slide01_Zenobia_relief_album_alb1899052_como_objeto_inteligente1.ngsversion.1519881311071.adapt.352.1

لطالما عرفت تدمر بلقب ” لؤلؤة الصحراء” ، ولا عجب في ذلك، فقد تدفقت عليها الثروات وتمتعت بالرغد مما مكن حكامها من تحويلها إلى    “لؤلؤة” متألقة بما أضفوه عليها من جمال خلاب تجسد شامخًا في مبانيها البديعة مثل ” قوس النصر”  و”  المسرح” المثير للانبهار، فصارت الواحة الصحراوية آسرة للألباب، كدرة تتلألأ فتخطف الأبصار .

وقد تمتعت تدمر بنوع ما من الاستقلال، لكنه ليس استقلالًا كاملاً، حيث بقيت تحت رعاية الإمبراطورية الرومانية، وهو الوضع الذي سعت  زنوبيا لتغييره.

زنوبيا والبطالمة :

 

على مر القرون، ظلت قصة حياة زنوبيا ونسبها مثار للعديد من التكهنات العلمية والآراء المتباينة والمتنوعة؛ ففي تأريخه المثير – وإن كان لا يتمتع بدرجة عالية من الموثوقية – لسيرة حياة العديد من الشخصيات الرومانية، يقول ” أوغستان ” أن زنوبيا قد ربطت نسبها بالسلالة البطلمية في مصر، بمن فيهم كليوباترا. في حين اعتقد المؤرخون الشرقيون، المؤرخ الفارسي ” الطبري ” على سبيل المثال، أن زنوبيا كانت تنحدر من أصول عربية .

أما مؤرخو العصر الحديث فقد اتفقوا على أن الملكة زنوبيا لم تكن تنحدر من السلالة البطلمية، وإنما على الأرجح قد جاءت من إحدى العائلات التدمرية الكبرى ذات النفوذ، وهو ما أهلها لتلقي تعليم جيد في كنف العائلة العريقة …

أيا كان ما سطره المؤرخون عن زنوبيا، فالأمر المؤكد أنه ما من معلومات يقينية متوفرة حول نشأتها أو تعليمها .

في موسوعته الكلاسيكية الشهيرة { تاريخ سقوط وانهيار الإمبراطورية الرومانية } أورد المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون – القرن الثامن عشر – وصفا تفصيليا عن زنوبيا : { ولربما  كانت زنوبيا هي الأنثى الوحيدة التي انتصرت بذكائها الفائق على قيود العبودية التي فرضت على بنات جنسها … وكما امتلكت زنوبيا أعلى درجات الجمال، فقد حققت بالمثل أعلى مراتب البطولة من بين النساء … وقد عززت زنوبيا ذكائها بالدراسة وزينت عقلها بالإطلاع، حيث أجادت اللغات اليونانية والسريانية والمصرية إجادة تامة، كما لم تكن جاهلة باللغة اللاتينية } .

تزوجت زنوبيا من ” أودايناثوس” / ” أذينة ” حاكم تدمر، وهو عربي متطبع بالرومانية؛ تمكن أودايناثوس خلال فترة حكمه – والتي بدأت منذ 263 ميلادية- من الدفاع بقوة عن تدمر ضد الغزو الفارسي، ونجح في الذود عن  مدينته ضد القوات الفارسية التي كانت تتمتع في ذلك الوقت بقوة عاتية، خاصة بعد الهزيمة المذلة التي ألحقوها بالإمبراطور الروماني فاليريان .

ولم يكتف اودايناثوس بالوقوف موقف المدافع عن حدود مدينته فقط، بل بادر باختراق خطوط العدو الفارسي وعمد إلى دحرهم حتى دفعهم للتقهقر عائدين إلى حدود أراضيهم .

وكان أودايناثوس منذ بداية حكمه يبدي ولائه – ولو ظاهريًا – لروما، حيث تعمد دومًا الإدعاء بأنه كل تصرفاته تتم لصالح الإمبراطورية الرومانية، ولكن سرعان ما انكشف الغطاء عن الباعث الحقيقي لأفعاله، وأنه في حقيقة الأمر إنما يسعى لتنصيب نفسه كملك على الشرق.

في المقابل، ونظرًا لما أصاب روما من وهن في تلك الفترة، لم يكن أمام الإمبراطور الروماني الجديد ” جالينوس” إبن فاليريان سوى أن يعترف بقوة أودايناثوس .

وهكذا بدا لأودايناثوس وكأن أحلامه باتت على وشك التحقق، وأن طموحاته العارمة قد صارت قاب قوسين أو أدنى، فقد خلعت عليه روما عدد من الألقاب منها على سبيل المثال ” حاكم الشرق بأكمله “، كما توجه شعبه  ك ” ملك الملوك “، وبهذا امتلك القوة وحاز السطوة التي أرادها دوما ، حتى أوشكت تدمر أن تصبح نواة / عاصمة لإمبراطورية جديدة عظيمة يجلس أودايناثوس على عرشها .

ولكن… تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد تحطمت أحلام أودايناثوس وتبددت، ليس على يد قوى عظمى أو عدو خارجي، وإنما بمكيدة عائلية وعلى يد أفراد من داخل قصره الحاكم، فبعد عودته مباشرة من حملته العسكرية ضد القوط  في كابادوكيا (وسط تركيا  حاليا) عام 267 ميلاديا ، قام أحد أفراد عائلته بقتله داخل قصره الحاكم.

وكما كان  مقتل أودايناثوس نهاية لأحلامه، فقد كان في نفس الوقت بداية لزنوبيا وطموحاتها العريضة، وإعلانًا لميلاد لحظاتها الذهبية .

ورث ابن أودايناثوس وزنوبيا، ويدعى ” وهبت اللات” / أو ” فابالاثوس ” باللاتينية، عرش أبيه المقتول، ولكن نظرًا لحداثة سنه حينها، فقد نصبت أمه زنوبيا نفسها وصية على العرش وحاكمة لتدمر، وهي الخطوة التي مكنتها من السيطرة على المقاطعات الشرقية التي تم الاستيلاء عليها من يد الفرس؛ كما قامت بإعدام كافة الأطراف التي اشتركت في قتل زوجها .

الاستقلال … هكذا قررت زنوبيا أن اللحظة قد حانت لإنهاء قصة خضوع تدمر للإمبراطورية الرومانية، حيث استطاعت زنوبيا استغلال ضعف الإمبراطورية، وعجز الإمبراطور جالينوس وقواده عن الوقوف في وجه طموحاتها أو منعها، وتمكنت من توطيد قوتها وترسيخ أقدامها كحاكمة مستقلة، مستهينة بذلك بالإمبراطور ورجاله.

وحينما اعتلى الإمبراطور كلوديوس القوطي عرش روما، لم يجد أمامه أية خيارات سوى الاعتراف بسيادة زنوبيا على أرضها .

وبهذا تمكنت زنوبيا من تحقيق هدفها الكبير : جعل تدمر على قدم المساواة مع روما .

وبالتدريج، وبفضل العزيمة التي لا تفتر، والنصائح الحكيمة لمستشاريها، تمكنت زنوبيا من توسيع رقعة ملكها، حيث ضمت إليها العديد من البلدان المجاورة، بما في ذلك كامل سوريا ومعظم أراضي الأناضول  ) تركيا حاليًا) .

وفي عام 269  أرسلت زنوبيا قواتها إلى مصر واستولت على الإسكندرية، وبحلول 270 استطاعت السيطرة على كامل مصر بكل ثرواتها وغلالها التي كانت تمد بها روما .

الند ! :

في عام 270  ميلادي، اعتلى عرش الإمبراطورية حاكم من نوع مختلف عن سابقيه القريبين في حكم روما، حيث لم يكن ضعيفا مثلهم، بل على العكس كان حاكمًا قويًا وخصمًا ضاريًا لزنوبيا … إنه ” لوكيوس دوميتيوس أوريليانوس ” .

امتلك أوريليانوس من الصرامة العسكرية والضراوة القتالية ما جعل منه شخصية حربية أسطورية تنظم في حقه القصائد وتصدح الحناجر بالأغنيات التي تمجد اسمه وتصف بطشه ؛ وعلى الرغم من فترة حكمه القصيرة ، والتي لم تتعد الأربع سنوات ، فقد استطاع تحقيق انتصارات عسكرية عظيمة في الحروب التي كانت قد بدأت منذ عهد أسلافه في الحكم  ، كما تمكن من صد الغزو البربري على شمال إيطاليا ، واستعاد قبضة روما على كل من بريطانيا وإسبانيا .

ومع وجود حاكم مثل أوريليانوس على عرش روما، كان لابد أن تأتي ساعة المواجهة مع زنوبيا؛ فسرعان ما جذبت القوة المتنامية لزنوبيا  وصراعها المستعلن مع روما، انتباه الحاكم العاتي، خاصة بعد إعلانها لابنها كقيصر في عام 271

لقد كانت قوة زنوبيا وتحديها للسلطة الرومانية بمثابة استفزاز يتجاوز كل الحدود التي يمكن أن يتحملها رجل عسكري صارم مثل أوريليانوس، ولن نجد أفضل من كلمات أوغاستان في تأريخه، للتعبير عن وجهة نظر أوريليانوس وما اعتمل في صدره من غضب تجاه زنوبيا وتحديها السافر له ولأسلافه … يقول أوغاستان : } والآن، ومع حالة الضعف التي اعترت الإمبراطورية، وصل بنا العار حدودا لا مثيل له، حتى صرنا نرى امرأة أجنبية تدعى زنوبيا ترتدي عباءة الحكم وتحكم لفترة أطول مما يمكن أن يتاح لأنثى من جنس النساء } .

وبالفعل ، قرر أوريليانوس أن الوقت قد حان لتغيير ذلك الوضع والانتقام من الملكة زنوبيا، فجيش الجيوش وتقدم بجحافله، فاستطاع أن يستعيد بعض الأراضي من قبضة زنوبيا  مع توغله في أسيا الصغرى .

وقد حاول جيشها المكون من 70،000 رجلاً الصمود وصد الجيش الروماني، إلا أن الهزيمة كانت من نصيبهم، فتقهقر من تبقى منهم عائدين إلى تدمر، فلحق بهم أوريليانوس وجيشه حتى وصل إلى أسوار المدينة  عام  272

قام أوريليانوس بفرض حصار قاس حول تدمر، إلا أن زنوبيا لم تيأس أو تستسلم، فقد كانت واثقة من أن كل من سلاح الرماية وسلاح الفرسان يمكنهم صد القوات الرومانية والدفاع عن المدينة، وفي حال لم تنجح تلك الآلية، فسوف يتكفل الجوع والمناخ الصحراوي القاسي بهزيمة قوات الحصار …هكذا كانت ترى زنوبيا.

وفقا لتأريخ اوغاستان، قامت زنوبيا بإرسال رسالة نارية مفعمة بالتحدي والشموخ إلى أوريليانوس ، تقول فيها : } من زنوبيا، ملكة الشرق، إلى أوريليان أغسطس … إنك تطالب باستسلامي وكأنك لم يردك خبر الملكة كليوباترا التي فضلت الموت كملكة على أن تحيا في وضع أقل من ذلك، مهما كان عاليا }

وكما هو متوقع ، استشاط أوريليانوس غضبًا من استهتار زنوبيا بقوته، فضاعف جهوده  للاستيلاء على المدينة .

وحينما بدا أن المدينة لن تتمكن من الصمود طويلاً، حاولت الملكة الفرار شرقًا نحو بلاد فارس، إلا أن أوريليانوس تمكن أخيرًا من القبض عليها عند نهر الفرات، وفقًا لما أورده أوغاستان، ثم سرعان ما استسلمت المدينة المحاصرة .

نهاية زينوبيا :

كميلادها ، جاءت ظروف موتها غامضة !

لم ترد أخبار يقينية عن ملابسات وفاة زنوبيا، بل اختلفت المصادر وتعددت الروايات حول مصيرها، فالمصادر العربية ترجح – في كثير منها – أن الملكة الشامخة قد أبت على نفسها ذل الأسر، ففضلت الانتحار.

أما المصادر الرومانية فيرجح بعضها أن أوريليانوس قد اقتادها أسيرة إلى روما، لكنه أبقى على حياتها حيث لم يكن راغبًا  في قتل امرأة.

في حين أكدت بعض المصادر الأخرى أن زنوبيا بعدما تم اقتيادها أسيرة في موكب النصر إلى روما، تم قطع رأسها هناك.

وجاء في طائفة أخرى من المصادر أن زنوبيا قد  تزوجت من أحد أعضاء مجلس الشيوخ الروماني وعاشت ما تبقى من حياتها كسيدة رومانية.

أيا كان مصير الملكة زنوبيا، فقد استحوذت سيرتها على مخيلة أجيال متعاقبة من الكتاب، وسلبت ألبابهم، فصاروا مفتونين بتلك الملكة الأبية القوية التي جرؤت على تحدي الإمبراطورية الرومانية .

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر